تجتمع الدول الصناعية الكبرى والدول الناشئة ضمن مجموعة العشرين في واشنطن، والعالم غارق منذ منتصف سبتمر في أسوأ ازمة مالية منذ الازمة الاقتصادية الكبرى في ثلاثينات القرن الماضي. وبدأت العاصفة تهب على سوق الرهن العقاري الاميركية قبل ان تنتشر عبر منتجات مالية متطورة الى كل المؤسسات المالية تقريبا. والولايات المتحدة التي لم تكن ترغب في الاساس بقمة تهدف الى اصلاح جذري للنظام المالي العالمي، باتت توافق على اعتماد «خطة عمل» محددة خلال القمة التي تختتم اليوم «السبت».
ويأتي انعقاد القمة في وقت يمر فيه الاقتصاد العالمي بظروف بالغة التعقيد. وأعلنت وكالة الإحصاء الأوروبية «يوروستات» دخول اقتصادات منطقة اليورو التي تضم 15 دولة من دول الاتحاد الأوروبي مرحلة الركود رسميا بعد أن سجلت انكماشا خلال الربع الثالث من العام الحالي بنسبة 2 .0% من إجمالي الناتج المحلي وذلك للفصلين الثاني على التوالي. وجاءت بيانات يوروستات بعد يوم واحد من إعلان ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي دخول اقتصادها مرحلة الركود لأول مرة منذ خمس سنوات. كما دخلت إيطاليا صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو مرحلة الركود بعد انكماش إجمالي الناتج المحلي خلال الربع الثالث من العام الحالي بنسبة 5 .0% في أعقاب انكماشه بنسبة 4 .0% خلال الربع الثاني من العام. كما أعلنت أسبانيا العضو في منطقة اليورو انكماش الاقتصاد الأسباني للمرة الأولى منذ 15 عاما في الربع الثالث من العام الجاري، الأمر الذي يجعل البلاد على شفا السقوط في فترة ركود. وقال مكتب الإحصاء الوطني إن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بنسبة 2 .0% في الربع الثالث مقارنة بالربع السابق عليه في أول انكماش فصلي منذ عام 1993.
ونما اقتصاد البلاد بنسبة 9 .0% فقط خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر مقارنة بالفترة نفسها العام الماضي. وأرجع محللون التباطؤ الحاصل إلى انهيار قطاع الإنشاء المهم بالبلاد والأزمة المالية العالمية.
وأظهرت ارقام نشرتها وزارة الخزانة الأميركية ان عجز الموازنة في الولايات المتحدة قفز الى 1 .237 مليار دولار في أكتوبر، الشهر الاول من العام المالي 2008-2009، بما يفوق العجز الذي سجل قبل عام باربعة اضعاف. وقالت ناطقة باسم وزارة الخزانة في واشنطن ان هذا الرقم يشكل معدلا شهريا قياسيا. وازدادت النفقات بنسبة 71% جراء 115 مليار دولار سددت لثمانية من اكبر المصارف الاميركية في اطار خطة انقاذ النظام المالي التي وضعتها السلطات، و5 .21 مليار دولار لشراء اصول عقارية هالكة لمجموعتي «فاني ماي» و«فريدي ماك» العملاقتين لاعادة تمويل الرهن العقاري اللتين وضعتا تحت وصاية الدولة في سبتمبر. وأضافت الخزانة ان العائدات تراجعت 7% وبلغت 85 .164 مليار دولار. وارتفع عجز الموازنة في الولايات المتحدة في السنة 2007-2008 وبلغ رقما قياسيا هو 455 مليار دولار، بسبب التباطؤ الاقتصادي وخطة الانعاش التي اطلقت في الربيع، فتقلصت العائدات وارتفعت النفقات. ويعول البيت الابيض على عجز للسنة الجارية يبلغ 482 مليار دولار. لكن هذا الهدف يبدو غير قابل للتحقيق.
ففي اواخر اكتوبر، قال مساعد وزير الخزانة بالوكالة المسؤول عن الشؤون المالية الداخلية انتوني ريان، ان الحكومة الفيدرالية الأميركية ستحتاج الى تمويل «غير مسبوق» للسنة المالية الجارية بسبب التدابير الكثيرة التي اتخذت لدعم اقتصاد البلاد. وعلى رغم ان هذه المبادرات اخذت في الاعتبار في عجز الموازنة الذي تتوقعه السلطات، فان هذه الموازنة قد «تتأثر» بـ «التدهور المحتمل للظروف الاقتصادية»، كما قال ريان. ويعتبر بعض المحللين ان عجز الموازنة قد يبلغ الف مليار دولار في نهاية السنة المالية.
وتتراكم المؤشرات السيئة على الاقتصاد الهندي الذي اثرت فيه الازمة العالمية تأثيرا فاق توقعات السلطات والخبراء الذين اضطروا الى الاعتراف بأن «المعجزة» الهندية انتهت.
وقال تي.ان نينان رئيس تحرير صحيفة بيزنس ستاندارد ان «ما بدأ نسمة خفيفة بردت قطاع المال تحول زوبعة ضربت الاقتصاد الفعلي». واكد ديباك لالواني مدير استير اند بارتنرز للسمسرة في لندن لوكالة فرانس برس ان «الاقتصاد دخل مرحلة التباطو».
وحتى الاسابيع الاخيرة، كانت النخب التي اعربت عن تفاؤل شديد وحلمت بدفع الهند الى مصاف القوى العظمى، تؤكد ان القوة العالمية العاشرة «في منأى» من الانكماش بفضل «المصارف القوية». وتعرب المصارف والوكالات الاجنبية التي شعر بعضها منذ اشهر بان «المعجزة» التي تتباهى بها الهند منذ 2004-2005 بلغت نهايتها، عن مزيد من التشاؤم. فغولدمن ساش لا يتوقع نموا يفوق 6،7% هذه السنة فضلا عن نمو متواضع لا يتجاوز 8 .5% للعام 2009-2010.
وتواجه المصارف والشركات الكبرى كوارث حقيقية. وأعلنت مجموعة سوميتومو ميتسوي فاينانشال جروب المصرفية اليابانية تراجع صافي أرباحها خلال النصف الأول من العام المالي الحالي حتى 30 سبتمبر المقبل بنسبة 2 .51% عن الفترة نفسها من العام الماضي إلى 28 .83 مليار ين (نحو 871 مليون دولار) . وذكرت المجموعة وهي من أكبر المجموعات المصرفية في اليابان أن إيرادات التشغيل خلال الأشهر الستة الأولى من العام المالي الحالي بلغت 82 .1 تريليون ين بانخفاض نسبته 5 .12% خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وتتوقع سوميتومو تراجع صافي أرباحها للعام المالي الحالي الذي ينتهي في 31 مارس المقبل بنسبة 61% عن العام الماضي لتصل إلى 180 مليار ين وتراجع الإيرادات بنسبة 20% إلى 7 .3 تريليونات ين. وتراجعت مبيعات السيارات في السوق الأوروبية خلال شهر أكتوبر الماضي باستثناء شركات جاجوار البريطانية وأودي الألمانية وداشيا الرومانية. وذكر اتحاد شركات صناعة السيارات الأوروبية في بروكسل أن مبيعات سوق السيارات الأوروبي تراجعت خلال الشهر الماضي بنسبة 5 .14% مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي. وأشارت مصادر الاتحاد إلى أن مبيعات السيارات الجديدة في السوق الأوروبي انخفضت للشهر السادس على التوالي وبلغت نسبة التراجع خلال الفترة من بداية العام وحتى نهاية الشهر الماضي 4 .5% . وأظهرت بيانات صدرت عن أوساط صناعة السيارات الألمانية أن أثار الأزمة المالية العالمية وتراجع الأرباح بدأت تظهر في هذا الفرع الكبير من فروع الصناعة ، حيث يهدد الإفلاس أول الضحايا من منتجي السيارات.
وأعلن اتحاد صناعة السيارات أن مصنع «جيموتيف/شتانكيفيتش» المنتج للسيارات ، والذي يتخذ من بلدة آدلهايدسدورف قرب مدينة سيلله في ولاية سكسونيا السفلى شمال غرب ألمانيا مقرا له ، مهدد بالإفلاس.
وأشار الاتحاد إلى أن حوالي 1300 وظيفة عمل صارت بذلك مهددة بالإلغاء. وقالت ناطقة باسم المصنع إن هذا المصنع يعاني ضائقة في موارد السيولة النقدية لديه. وأشارت الناطقة إلى قلة موارد المصنع بسبب نقص الإنتاج ، مضيفة انه لابد من إيجاد حل بحلول نهاية الأسبوع الحالي و إلا سيعلن إفلاس مالك المصنع.
وشهدت مبيعات السيارات الكورية الجنوبية في السوق الأميركية تراجعا أيضاً خلال الشهر الماضي. وقال تقرير لقطاع صناعة السيارات في كوريا الجنوبية إن حصة سيارات شركة هيونداي موتورز وفرعها كيا موتوزر الكوريتين في الاسواق الأميركية بلغت في أكتوبر 5 .2% بمقدار 22820 سيارة بالنسبة لهيونداي 8 .1% بما يعادل 15483 سيارة لكيا . وتصدرت شركة جنرال موتورز الأميركية قائمة أكبر الشركات في السوق الأميركية.
حيث بلغت حصتها السوقية الشهر الماضي 1 .22% المرتبة وتلتها شركة تويوتا موتور اليابانية بحصة قدرها 9 .15% ثم فورد 3 .15%. وقال مسؤول في قطاع صناعة السيارات في كوريا إن تراجع أداء شركتي هيونداي وكيا في الاسواق الاميركية أخيرا يرجع الى تدني الانتاج الناجم عن اضراب العمال في خطوط الانتاج في المصانع المحلية الذي استمر خلال الفترة من يوليو الى سبتمبر، مما أدى الى نقص العدد المنتج .
شبح
ركود المبيعات
أعلنت شركة نيسان موتور انها ستخفض انتاجها في اليابان مرة أخرى بواقع 72 ألف سيارة خلال الفترة المتبقية من السنة المالية حتى نهاية مارس المقبل بالاضافة الى الخفض الذي أعلنته الشهر الماضي وبلغ حجمه 65 ألف سيارة.
وقالت الشركة وهي ثالث أكبر شركات السيارات في اليابان ان الخطوة الاخيرة اتخذت بخلاف الخطة التي أعلنت قبل أسبوعين لخفض الانتاج العالمي هذا العام بواقع 200 ألف سيارة.
وأوضحت ناطقة باسم الشركة ان الخفض الاخير في الانتاج أخذ في الاعتبار عند حساب توقعات الارباح المخفضة لعام 2008-2009. وتعاني شركات السيارات من ركود المبيعات في أسواق أميركا الشمالية وأوروبا واليابان في حين أن النمو تباطأ بدرجة كبيرة في الاسواق الناشئة مثل الهند والصين وروسيا.
حيرة
قطع التعهدات
يقول المحللون إنه لا يمكن للرئيس الأميركي جورج بوش الذي شارفت ولايته على النهاية ان يقطع تعهدات محددة قد يقع تطبيقها على عاتق الرئيس المنتخب الديمقراطي باراك اوباما الذي يتسلم مهامه في 20 يناير 2009.
من جهته اضطر الاتحاد الاوروبي الذي تتولى فرنسا رئاسته الدورية حاليا الى تخفيض تطلعاته بشأن تعزيز الضوابط الدولية على المنتجات والاسواق والمؤسسات المالية. لكن مجموعة الدول العشرين قد تتفق على تعزيز مهام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الوقاية من الازمات على سبيل المثال. والدول الناشئة التي تشهد دينامية كبيرة ويفترض ان تفلت من الانكماش في الاشهر المقبلة خلافا للدول الغنية، فقد تتمتع بثقل اكبر في هذه المؤسسات المتعددة الاطراف.
مقترح
100 مليار دولار قرض من اليابان لدعم الدول الأكثر تضرراً من الأزمة
كشفت الحكومة اليابانية عن مقترح بتقديم قرض يصل حتى مئة مليار دولار لصندوق النقد الدولي لدعم الدول الاكثر تضررا من الازمة المالية العالمية. ودعا رئيس الوزراء الياباني تارو اسو الدول الاعضاء الى زيادة مساهماتها في صندوق النقد الدولي كي يستطيع مساعدة الدول التي اصبحت على وشك الافلاس. وطلبت ايسلندا والمجر واوكرانيا مساعدات مالية.
وجاء في بيان للحكومة اليابانية «بانتظار ان تصبح زيادة الرأسمال فعلية، نحن على استعداد لتقديم حتى مئة مليار دولار لصندوق النقد الدولي مقتطعة من احتياطي المبادلات عندنا». وقد ارتفع احتياطي المبادلات في اليابان حتى نهاية اكتوبر الى حوالى 978 مليار دولار وهو ثاني اكبر احتياطي في العالم وراء الصين.
وحسب صحيفة «يوميوري شيمبون»، فان رئيس الحكومة اليابانية سيقترح مضاعفة موارد صندوق النقد الدولي التي تصل حاليا الى 340 مليار دولار. واوضحت الصحيفة الاوسع انتشارا في اليابان ان الصين تتمتع بحق تصويت في صندوق النقد الدولي اقل اهمية من تصويت بلجيكا وهولندا مجتمعتين. واوضح بيان الحكومة اليابانية ان «المؤسسات المالية الدولية من اجل التنمية يجب ان تلعب ايضا دورا اكثر فعالية كما ان البنك الآسيوي للتنمية هو بحاجة خصوصا لزيادة سريعة في رأس المال».
جهود
السعودية تسعى للعب دور بارز
قال وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل ان المملكة السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم ستؤدي «دورا ايجابيا» في القمة المالية العالمية . غير ان الوزير رفض أن يقول هل ستقدم المملكة أموالا الى صندوق النقد الدولي في اجتماع مجموعة العشرين من أجل التمويل الطارئ لمساعدة البلدان النامية على التغلب على أزمة الائتمان العالمية.
وقال «انا على يقين أن دور السعودية سيكون دورا ايجابيا في هذا المسعى لكن فيما يتصل بالتفاصيل فلا أعتقد انه سيسمح لي باعطائكم تفاصيل عما سنعرض في المؤتمر. سنحضر المؤتمر ثم نعطيكم التفاصيل».

