قال وزير المالية الالماني بير شتاينبروك انه اذا لم يتحرك المصرفيون وكبار المديرين التنفيذيين للحد من تجاوزات الرأسمالية الحديثة فانها قد تؤدي الى تطرف سياسي وربما تتسبب في اضطرابات اجتماعية كبرى. وقال شتاينبروك ان الخطة الالمانية التي تبلغ قيمتها 500 مليار يورو (637 مليار دولار) لانقاذ القطاع المالي قد تتحول الى أداة لاثارة الضغائن اذا فقد الناس العاديون ايمانهم بالنظام القائم.
وأضاف ليس هذا الرقم وحده هو ما لا يستطيع الناس فهمه بل انهم لا يستطيعون سبر غور ما يحدث في الاسواق المالية بهذا السيل من المنتجات المبتكرة التي لا يستطيع أحد أن يفهم أسماءها.
وتابع أن الناخبين سيربطون حتما انهيار مؤسسات في القطاع المالي بأمثلة أخرى من الرأسمالية المستهترة مثل الاجور المفرطة والفساد والتهرب الضريبي. وذكر عدة فضائح ألمانية طفت على السطح مؤخرا وحظيت باهتمام اعلامي واسع. وقال في أسوأ الحالات يمكن أن يؤدي ذلك الى أزمة شرعية.
وتعهدت دول العالم الكبرى، في خطوات منسقة وإن بدت منفردة، بضخ أكثر من أربعة تريليونات دولار في أسواق المال لإنقاذ البنوك والمؤسسات المالية الأخرى من الانهيار ومواجهة الأزمة الحادة في السيولة النقدية التي تدفع الاقتصاد العالمي في اتجاه الركود. فمنذ أواخر 2006 شطب القطاع المالي العالمي أصولا بأكثر من 500 مليار دولار في حين يتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل إجمالي خسائر القطاع نتيجة الأزمة المالية العالمية الراهنة إلى 4, 1 تريليون دولار في نهاية الازمة.
سباق محموم
وفي ظل هذه الأجواء تسابقت الدول والتكتلات الدولية الكبرى من أجل ضخ طوفان من الأموال لإنقاذ النظام المالي من الانهيار. ففي الولايات المتحدة تعهدت الإدارة الأمريكية بإنفاق أكثر من تريليون دولار خلال العام الحالي.
ووافق الكونغرس على خطة للإنقاذ المالي تصل تكلفتها إلى 700 مليار دولار وتمثل أكبر تدخل حكومي في أسواق المال في تاريخ الولايات المتحدة. وقدمت الحكومة الأميركية حوالي 200 مليار دولار لإنقاذ أكبر مؤسستين للتمويل العقاري وهما فاني ماي و فريدي ماك و150 مليار دولار لإنقاذ شركة التأمين العملاقة أمريكان إنترناشيونال جروب (أيه.آي.جي).
ووافق الكونغرس على خطة لإنعاش الاقتصاد بقيمة 170 مليار دولار في مارس الماضي إلى جانب 30 مليار دولار أخرى قدمها مجلس الاحتياط الاتحادي الأميركي لتمويل صفقة استحواذ مجموعة جيه.بي مورجان تشيز المصرفية على بنك بير ستيرنز الاستثماري.
أما في الاتحاد الأوروبي فمن المنتظر أن يصل إجمالي الأموال التي سترصدها الدول الأعضاء في منطقة اليورو لإنقاذ القطاع المالي إلى تريليون يورو (27, 1 تريليون دولار). فقد تعهدت الحكومة الألمانية بضخ 470 مليار يورو وتعهدت فرنسا بتقديم 265 مليار يورو وهولندا 200 مليار يورو والنمسا وأسبانيا 100 مليار يورو لكل منهما.
وهناك بريطانيا عضو الاتحاد الأوروبي غير المنضمة إلى منطقة اليورو والتي رصدت ما يعادل 500 مليار يورو لإنقاذ القطاع المالي من أزمته. وهناك أيضا الدول الاسكندنافية التي رصدت مليارات الدولارات لنفس الغرض بحيث يتجاوز ما رصدته دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرون لمواجهة الأزمة تريليوني دولار.
تداعيات الأزمة
ورغم أن تداعيات الأزمة المالية العالمية لم تكن كبيرة في آسيا ، فقد سارعت حكومة الصين بالتعهد بإنفاق 588 مليار دولار لتنشيط الطلب الداخلي للحفاظ على قوة دفع الاقتصاد الصيني في ظل توقعات بتراجع الطلب الخارجي على الصادرات الصينية نتيجة الأزمة. وفي كوريا الجنوبية هناك خطة قيمتها 130 مليار دولار لإنقاذ القطاع المالي. أما اليابان صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة فتعهدت برصد 6, 38 تريليون ين (390 مليار دولار) لإنعاش الإنفاق الاستهلاكي المحلي.
وإذا كانت الدول الغنية لديها من الإمكانيات ما يتيح لها التحرك ذاتيا لمواجهة الأزمة التي بدأت في الدول الغنية ثم امتدت إلى الدول النامية والاقتصاديات الصاعدة فقد وافق صندوق النقد الدولي على تقديم قروض عاجلة لدول مثل أوكرانيا والمجر وأيسلندا لمواجهة الأزمة. كما وافق الصندوق على إطلاق برنامج إقراض بقيمة 100 مليار دولار لمساعدة الدول النامية التي تواجه مشكلات في ميزان مدفوعاتها.
مجموعة فضفاضة
ويعقد قادة 20 دولة من دول العالم قمة مالية طارئة في واشنطن يوم 15 من الشهر الجاري لبحث سبل مواجهة أسوأ أزمة مالية تعصف بالعالم منذ الكساد الكبير وذلك في إطار تجمع فضفاض يسمى مجموعة العشرين «جي 20».
وإذا كان العالم قد اعتاد على مدى سنوات على وجود مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى قبل أن تنضم إليهم روسيا على مستوى اجتماعات القمة لتصبح مجموعة الدول الثماني الكبرى، فإن ظهور مجموعة العشرين للدول المتقدمة وسيطرتها على اهتمامات وسائل الإعلام على هذا النحو هو أحد إفرازات الأزمة المالية العالمية.
وظهرت إرهاصات مجموعة العشرين بسبب الأزمات المالية في التسعينيات من القرن الماضي والتي تعرضت لها دول في العالم سواء منفردة كما حدث في المكسيك أو مجتمعة كما حدث في دول جنوب شرق آسيا خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين. وتأسست المجموعة في عام 1999.
وضمت الدول الصاعدة اقتصاديا والتي كانت مستبعدة من المناقشات والقرارات الدولية الكبرى الخاصة بالاقتصاد العالمي. وكان هدف المجموعة هو إيجاد إطار مؤسسي للحوار بين اقتصاديات العالم وتقليل فرص تعرض الاقتصاد العالمي لأزمات خطيرة. وتضم مجموعة العشرين وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية في 19 دولة إلى جانب الاتحاد الأوروبي الذي تمثله الدولة التي تتولى رئاسته الدورية وهي فرنسا حاليا والبنك المركزي الأوروبي.
وتضم مجموعة العشرين الأرجنتين وأستراليا والبرازيل وكندا والصين وفرنسا وألمانيا والهند وإندونيسيا وإيطاليا واليابان والمكسيك وروسيا والمملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا وتركيا وبريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وهناك أعضاء غير رسميين منهم صندوق النقد والبنك الدوليان.
غياب الضوابط
وكان الرئيس الأميركي جورج بوش قد دعا إلى قمة مجموعة العشرين قبل أسابيع في ظل الضغوط التي يتعرض لها من جانب حلفائه الأوروبيين من أجل التعامل مع الأزمة المالية الراهنة والتي بدأت من الولايات المتحدة بسبب غياب الكثير من الضوابط المنظمة لعمليات الإقراض في السوق المالية الأميركية وبخاصة في قطاع الرهن العقاري. وأدت الازمة في الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات لحبس الرهن العقاري شملت أكثر من ثلاثة ملايين منزل منذ أواخر عام 2006.
وهناك العديد من دول العالم غاضبة من استبعادها من قمة واشنطن التي ستناقش كيفية الخروج من الأزمة المالية العالمية ومنها أسبانيا التي تبذل جهودا دبلوماسية مكثفة من أجل المشاركة غير أنه لم يتم توجيه أي دعوة لها حتى الآن. واستضافت مدينة ساوباولو البرازيلية الأسبوع الماضي اجتماعا تحضيريا لمجموعة العشرين للاعداد للقمة المقبلة.
وقال البيان الختامي لاجتماع ساوباولو إن الأزمة المالية التي تهدد العالم بالركود جاءت نتيجة المجازفة الزائدة عن الحد والممارسات الخاطئة في إدارة المخاطر في الأسواق المالية. واتفق المشاركون في الاجتماع على ضرورة اتخاذ كل الدول إجراءات لعلاج المشكلة وتشديد القواعد المنظمة لعمل القطاع المالي والمصرفي.
(الوكالات)
