أثارت التراجعات التي تشهدها أسواق الأسهم المحلية أجواء من الاستياء في أوساط المتعاملين سواء الكبار منهم أو الصغار الذين خسروا جزءا كبيرا من استثماراتهم خاصة بعد توالي الانخفاض في الأسعار والذي ارتفعت وتيرته خلال شهر أكتوبر الماضي.
وأمام استمرار إعصار التراجع أو ما أصبح يطلق عليه «تسونامي أسواق الأسهم» أصبح التنبؤ بالقاع الجديد الذي ستبلغه الأسعار يوما بعد يوم أسهل بكثير من الحديث عن ارتفاعات طفيفة لا تجدي نفعا في الحفاظ على ما تبقى من استثمارات المتعاملين في الأسواق التي شارفت وفقا لكثير من المحللين على حافة الانهيار بعدما فقدت غالبية الأسهم 80% من قيمتها، مما جعلها مدعاة للتندر في أوساط المتعاملين الذين أصبحوا يصنفون تلك التي انخفضت قيمتها دون الدرهم باسهم «الخردة» أو أسهم «محلات كل شيء بدرهم».
وفي ظل هكذا وضع بات من الصعوبة بمكان الحصول على رأي من المحللين بشأن ما يجري في الأسواق خاصة وان الأمور لم تعد تخضع لمنطق التحليل الأساسي أو حتى الفني مع احتراق آخر شمعة من الشموع اليابانية التي كان يعتمد عليها جزء كبير من المتعاملين في تحديد نقاط الدعم والمقاومة لمعرفة تحركات الأسعار كل يوم.
ولعل من أهم التساؤلات التي باتت تطرح في السوق على ألسنة المحللين والمتعاملين هو؟ إذا كانت الأسواق العالمية وعلى وجه الخصوص الأميركية تشهد بعض التحسن وهي أسواق البلدان التي تعاني من أزمة الرهن العقاري التي كانت بمثابة الشرارة الأولى للازمة المالية التي يشهدها العالم، فلماذا مازالت أسواقنا تتسابق في تسجيل قيعان جديدة كل يوم رغم الأوضاع الاقتصادية المتميزة للاقتصاد الوطني.
وفي محاولة للإجابة عن هذا التساؤل يكاد يجمع المعنيون الذين استطاع «البيان الاقتصادي» اخذ آرائهم على أن شح السيولة التي تعاني منها السوق هو السبب الرئيسي فيما نشهده من تراجعات في أسعار الأسهم وبعض القطاعات الأخرى.
وبهذا الخصوص يؤكد الدكتور همام الشماع المستشار الاقتصادي في شركة الفجر للأسهم والسندات أن معالجة ما يشهده السوق من تراجعات شارفت به على حافة الانهيار يكمن بشكل رئيسي في معالجة أزمة السيولة التي تعاني منها البنوك في الوقت الراهن ويحاول البعض التقليل من اثارها السلبية على القطاعات الاقتصادية ومن ضمنها أسواق الأسهم والعقار وغيرها من القطاعات الأخرى.
وقال الشماع إن العالم الرأسمالي يقوم بتصدير أزماته إلى البلدان الأخرى في حين يقوم هو بما لديه من إمكانيات بمعالجة الخلل لديه، مشيرا إلى انه من الطبيعي أن تكون تأثيرات الأزمة اكبر على البلدان المنفتحة اقتصاديا على العالم ومن ضمنها الدول الخليجية.
وأوضح انه في ظل انفتاح دولة الإمارات على العالم كانت من أكثر الدول استقطابا للسيولة الساخنة أو المضاربة والتي وصلت قيمتها إلى نحو 216 مليار درهم، ومع السحب المفاجئ لهذه السيولة مؤخرا من المصارف المحلية فإن ذلك ساهم في خلق مشكلة توفير السيولة لدى البنوك وهي المشكلة التي لم تبدأ في الشهر الماضي كما يعتقد البعض بل انها كانت واضحة منذ شهر يونيو الماضي عندما اصدر المصرف المركزي تقريرا يظهر أن حجم الودائع في البنوك يقل عن حجم القروض.
وأكد أن الأزمة تفاقمت وأصبحت أكثر وضوحا من خلال ارتفاع نسبة الفائدة على الودائع إلى 5% تقريبا على الرغم من أن سعر الفائدة على شهادات الإيداع 5 .1% فقط مما يعني أن البنوك تعاني من شح السيولة. وقال إن ارتفاع أسعار الفائدة ينعكس سلبا على أسواق الأسهم إذ أصبح المستثمر يفضل إيداع ما تبقى لديه من سيولة بشكل امن لدى المصارف ذلك أن العائد عليها اكبر بكثير من العائد على الاستثمار في أسواق الأسهم.
وأكد أن ما يحدث اليوم من تراجعات في أسعار الأسهم يعود بالإضافة إلى حالة الهلع التي تسيطر على المتعاملين، قيام البنوك بتسييل الأسهم المرهونة لديها، لذلك فإن المطلوب في هذه الحالة إعلان الحكومة ضمان القروض الممنوحة برهن الأسهم لدى البنوك أو منعها بموجب حوافز محددة من تسييلها.
من جانبه قال ياسر الجندي المحلل المالي إن الأسواق بحاجة إلى تدعيم الثقة في تعاملاتها وذلك لتشجيع السيولة على العودة إلى قاعات التداول خاصة وان جميع المؤشرات تظهر أن السيولة الخارجة من الأسواق لا تتجه إلى الاستثمار في قطاعات أخرى، بل يحتفظ بها أصحابها مما أدى إلى عدم استفادة أي قطاعات منها وهو الأمر الذي اثر سلبا على القطاع المالي بشكل عام سواء البنوك أو الأسواق.
وأكد أننا بحاجة إلى إعادة هيكلة للقطاع المالي والاستثماري وفي مقدمته الأسواق وذلك نظرا لكون هذا القطاع الأكثر استقطابا للسيولة والأكثر سهولة من حيث تسييل الاستثمارات.
وقال إنه على ما يبدو أن أسواق الأسهم أصبحت ضمن آخر الأولويات في أجندة المستثمرين بعد التراجعات التي مازالت تشهدها خاصة وان أولوية الاحتفاظ بالمنزل بالنسبة للمتعاملين أصبحت أكثر أهمية في الوقت الراهن.
وقال مرتضى الدندشي الرئيس التنفيذي لمركز الأسهم للسندات والأسهم إن الأسواق بحاجة إلى سيولة وترسيخ الشفافية في عمل الشركات سواء من حيث القرارات أو الإفصاحات عن البيانات المالية.
وأكد أن هناك العديد من الأسباب التي ساهمت فيما نراه اليوم من تراجعات منها شح السيولة الأمر الذي دفع البنوك للتشدد في الإقراض وكذلك عدم شفافية بعض الشركات إضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بما ستكون عليه الأمور في العديد من القطاعات خلال المرحلة المقبلة.
أزمة الأسهم.. الدروس والعبر
لم يعد شيئاً جديداً الحديث عما تعانيه أسواق الأسهم المحلية من أزمة حقيقية بعد التراجعات التي سجلتها خاصة خلال الشهرين الماضيين، ولكن الواجب رغم ذلك يقتضي منا جميعاً استمرار لفت الانتباه إلى ضرورة الإسراع في معالجة الخلل الذي أصاب أهم القنوات الاستثمارية في الدولة.
ولعل أهمية تكرار التذكير بضرورة الإسراع في وضع الحلول المناسبة لإخراج السوق من أزمته تكمن في أهمية المحافظة على هيبتها خاصة وأنها المرآة العاكسة للاقتصاد الوطني الذي يعد وبشهادة الجميع من أكثر اقتصادات دول المنطقة نمواً خلال السنوات الأخيرة.
ومن هنا فإن مسألة ضخ السيولة من قبل صناديق الاستثمار المحلية والحكومة من خلال زيادة قيمة مساهماتها في الشركات التي تملكها ربما تكون ضمانة حقيقية لإعادة النشاط إلى سوق الأسهم ووقف التراجعات التي تشهدها حاليا وذلك فضلا عن أن اتخاذ مثل هذه الخطوة سيساهم في حفظ حقوق شريحة كبيرة من المواطنين والمقيمين على حد سواء، خاصة بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بهم جراء موجة الانخفاض المتواصلة منذ أكثر من شهرين.
كذلك لابد من التأكيد على ضرورة الاستفادة من الدروس التي خلفتها قضية سحب الأجانب لاستثماراتهم من الأسواق، ما ساهم في تفاقم حدة المشكلة، بحيث يتم العمل على تنظيم عمل صناديق الاستثمار الأجنبية خلال المرحلة المقبلة والإسراع في إصدار القانون الخاص بذلك من قبل هيئة الأوراق المالية والسلع.
كتب ـ ناصر عارف
