طالب الدالي بلقاسمي ـ المدير الإقليمي لبرنامج الغذاء العالمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ووسط آسيا وأوروبا الشرقية في حوار خاص مع البيان «الاقتصادي» على هامش قمة المنتدى الاقتصادي العالمي الذي تستضيفها دبي حاليا بضرورة توفير مخزون إستراتيجي عالمي للمواد الغذائية، مؤكدا على أن صغار المزارعين هم الحل الأوحد لتحقيق الأمن الغذائي كما طالب بلقاسمي بضرورة أن تتخلى بعض الدول العربية عن القيود التي تفرضها على تصدير واستيراد المواد الغذائية محذرا في احتمالات تسبب تلك القيود في وقوع كارثة إنسانية وفيما يلي نص الحوار:
في إطار قمة المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد حاليا في دبي، ما المرتبة التي سيحتلها ملف الفقر والجوع في جدول مناقشات القمة المزدحم؟ تواجدنا اليوم في الإمارات ضمن مناقشات المنتدى سبقتها لقاءات مبكرة في كل من شرم الشيخ ودافوس والندوة العالمية والتي انعقدت بفعل الأزمة الغذائية التي كانت قد حصلت في روما واليوم نلتقي في دبي لبلورة المواقف والنظر في أهمية الأزمة الغذائية الحاصلة ونتائجها الحالية إلى جانب مناقشة انعكاسات الأزمة المالية العالمية الحاصلة على برنامج الغذاء العالمي .
لو نظرنا إلى انعكاسات الأزمة الغذائية العالمية إضافة إلى انعكاسات الأزمة المالية العالمية الراهنة فسنجد أن الوضع العالمي فيما يتعلق بتعداد الفقراء والمحتاجين يحتاج منا في المنتدى النظر بصورة أكبر والعمل بجهد أكبر من أجل التوصل إلى نتائج ملموسة تقلل من أعباء الفقر والمجاعة، فالأمن الغذائي يمثل الخطر الأمني الأكبر الموجود على وجه الأرض.
ما انعكاسات الأزمة المالية العالمية الراهنة على مستويات الفقر والجوع في العالم؟
لقد ابتدأ العام الحالي بأزمة مالية عالمية وقد قمنا في برنامج الغذاء العالمي بتوجيه نداء عاجل لدول العامل من أجل توفير 500 مليون دولار للبرنامج وبعد أسبوع واحد من توجيه هذا النداء قمنا بتوجيه نداء آخر لتوفير 750 مليون دولار، فقد أصبحت احتياجات برنامج الغذاء العالمي لسد حاجيات ما يقارب 100 مليون محتاج وفقير جدا في حدود 6 مليارات دولار.
ونحن في البرنامج نسد احتياجات ما نسبته 10% من إجمالي تعداد مليار نسمة يعيشون بدخل يومي لا يتجاوز الدولار أو أقل وينفقون أكثر من 70% من مدخولهم اليومي على الغذاء، ومع ارتفاع أسعار المواد الغذائية هناك نقص في الشراء ونقص في المواد الغذائية الرئيسية وخصوصا للأطفال والحوامل والمرضعات والذين هم في حاجة أكبر لتناول الفيتامينات والأملاح المعدنية، هناك نقص في القيمة الغذائية مما يترتب عليه مردود صحي وغذائي غير مناسب للأجيال المقبلة .
وهنا من خلال المنتدى أطلق نداء عاجلا لدول العالم الغنية وخاصة للدول الخليجية كوننا موجودين اليوم في دبي إلى منح برنامج الغذاء العالمي الأموال التي يحتاجها حتى يتمكن من تسديد احتياجات 100 مليون نسمة هم في حاجة ماسة للمساعدة، وقد تشرف خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود خلال زيارتنا للملكة العربية السعودية بتقديم 500 مليون دولار للبرنامج مشكورا، ويعتبر ملك الإنسانية ونود أيضا نخص بالشكر مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية على دعمها للبرنامج وكذلك الهلال الأحمر ومنظمات إماراتية أخرى .
هل تسببت الأزمة في خفض حجم المعونات التي تقدمها الدول المانحة الغنية للفقراء والمعوزين في العالم؟
هناك التزام إنساني وأخلاقي من طرف حكومات وشعوب ومؤسسات دولية تجاه الفقر والجوع، حيث تلتزم دول مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وروسيا، السعودية، الإمارات ..الخ في مساعدة الفقراء والجوعى في العالم، ونتمنى التوصل إلى نتائج طيبة .
لقد زرت قطاع غزة في فلسطين المحتلة مؤخرا وكذلك قمت بزيارة كل من سوريا والأردن ومصر ووجدت أن انخفاض أسعار الغذاء عالميا لم ينعكس على نظيره في الدول العربية وخاصة أن عملية الاحتكار للغذاء مازالت قوية جدا في المنطقة العربية وبالتالي أسعار الغذاء مازالت مرتفعة في الدول العربية بالرغم من انخفاضها عالمياً.
كما أن دولا عربية قامت بفرض قيود على إخراج المواد الغذائية المنتجة داخلها خارج حدودها، فعلى سبيل المثال اتجهت دول إلى صب جهودها في إنتاج الأرز والذي يعد مستهلكا كبيرا للمياه وبالتالي تشكلت مشكلات على مساحات الأراضي المزروعة وعلى المياه وعلى إنتاج الأرز والتخزين مما تسبب في وصول تلك الدول إلى كارثة جديدة لا يمكن التنبؤ بكيفية الخروج منها . لذلك أنا أطالب بأن تتخلى بعض الدول العربية عن القيود التي تفرضها على تصدير واستيراد المواد الغذائية وإلا سيتسبب تلك القيود في كارثة.
الأزمة الغذائية الحاصلة الآن مفعولها قوي جدا لأن المسألة علمية فهناك الكثيرون يعاونون من نقص في المواد الغذائية والأملاح والبروتينات وهم في فترة نمو مما سيخلق أجيالا معاقة جسديا وذهنيا . آثار الأزمة الغذائية نشعر بها بصورة أكبر في الوقت الحاضر في غزة واليمن ودول أخرى عديدة، لذلك من الضروري إيجاد حلول ناجحة الآن وليس غداً.
ما الحلول التي ستقترحونها خلال قمة المنتدى الاقتصادي المنعقدة حاليا في دبي؟
سنقترح سلسلة من الحلول، منها الحلول الإنسانية والتي تقضي بمواصلة المساعدات الغذائية المقدمة للدول الفقيرة وللمحتاجين، إلى جانب ضرورة خلق نظام أمن غذائي محكم وهام بالنسبة إلى الدول المحتاجة والفقيرة، أيضا لابد من تأسيس شبكة أمن غذائي واضحة منبثقة من خلال شراكات ما بين برنامج الغذاء العالمي ومنظمات عالمية أخرى حكومية وغير الحكومية.
كذلك لابد أن يتم تأسيس مشاريع غذائية موجهة للمحتاجين كالأطفال من سن الرضاعة وحتى سن العامين والمرأة الحامل والمرضعة والأطفال في المدارس من خلال توفير وجبات غذائية متكاملة لهم هذا من ناحية الحلول الإنسانية ولكن لابد من الحلول السياسية والاقتصادية حيث لابد من الاتجاه نحو المنافذ التجارية فعلى سبيل المثال جولة مفاوضات الدوحة وأهمية تحرير التجارة وخاصة المتعلقة بالغذاء ورفع القيود التجارية والقيود المفروضة على استيراد وتصدير الأغذية بالدرجة الأولى.
إلى جانب ضرورة النظر إلى عمليات البيع والشراء إضافة إلى قضية الوقود الحيوي، أنا شخصيا أرى القضية أخلاقية بالدرجة الأولى فالنظر إلى قضية الوقود والطاقة من ناحية علمية أمر ضروري ولكن لا أعتقد أن تغذية السيارات والطائرات بالوقود عوضا عن البشر هو أكثر أهمية، وأنا أحبذ تغذية الإنسان بالدرجة الأولى عن تغذية الآلات.
وأود هنا أن أذكر أنه في شيكاغو وجنيف ارتفعت عقود الغذاء في بورصة الغذاء حيث كان احتكار عقود الغذاء قويا في حين أن المخزون العالمي من الغذاء وصل إلى 20 % مما نتج عنه اضطرابات في بعض الدول وتهديد لأنظمة دول أخرى، فعندما يجوع الإنسان يثور ولا يمكن لآلة عندئذ أن توقف تلك الثورة، لذلك لابد من توفير مخزون إستراتيجي للمواد الغذائية، وأود هنا أن أنوه بالمبادرة القيمة للدول الخليجية حيث قامت الدول الخليجية بتأسيس مخازن تحوي أهم السلع الغذائية من حبوب ولحوم وسكر وزيوت ...الخ.
إلي أي مدى ساهم مركز الطوارئ في دبي لبرنامج الغذاء العالمي في التخفيف من معاناة الكثيرين جراء الفقر والجوع والكوارث؟
اتجه برنامج الأغذية العالمي مؤخراً لتأسيس مراكز للطوارئ حول العالم من أجل التعامل السريع مع الكوارث عند حدوثها، وخلال العام المنصرم قام البرنامج بتأسيس مركز للطوارئ في إمارة دبي لتجهيزات الاتصالات، فعادة تحدث عملية الاتصالات قبل الشروع في توجيه المساعدات للدول المتعرضة للكوارث.
وبفضل الجهود الخيرة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي تم إنشاء مستودعات لنقل الغذاء للدول المتضررة . كذلك يتوفر في المركز طائرات تابعة للأمم المتحدة تنطلق من مطاري دبي والشارقة، مجهزة بالمعدات المتخصصة، حيث بإمكان تلك الطائرات الوصول إلى المتضررين من الكوارث وتقديم المساعدات لهم خلال 24 ساعة من توقيت حدوث الكارثة.
ولدبي ميزة هامة تتمثل بموقعها الجغرافي والتسهيلات التي تمنحها حكومة دبي للبرنامج. ونتوقع أن تصبح دبي مركزا متكاملا بالنسبة للمبيعات الغذائية وعمليات الإنقاذ لبرنامج الغذاء العالمي، ويعد مركز الطوارئ في دبي هو الأقوى والأكبر مقارنة بمراكز طوارئ البرنامج في الدول الأخرى حيث يبلغ إجمالي تلك المراكز خمسة مراكز ونحتاج لتأسيس مراكز أكبر للمخزون الغذائي وخاصة في الدول الإفريقية.
وكما ذكرنا مسبقا لابد من تأسيس شبكة للأمن الغذائي وأيضا تنمية الزراعة ومن هنا نحن في البرنامج إضافة إلى الهياكل الموجودة في المنتدى نعمل على تشجيع الإنتاج الغذائي فالدول الإفريقية على سبيل المثال قررت إسناد ما بين 6 إلى 10% من ميزانيتها للتنمية الزراعية لذلك لابد من تجاوز الخطاب السياسي إلى مرحلة التطبيق الفعلي.
وأتمنى بكل صدق ومصداقية أن نصل إلى مساعدة صغار المزارعين فهم الحل الوحيد لتحقيق الأمن الغذائي فعندما يتمكن هذا المزارع الصغير في المحافظة على أمنه الغذائي وخلية عائلته الصغيرة فإن تلك الخلايا ستكون النسيج الاجتماعي الذي يوفر الأمن الغذائي، أما الاتجاه إلى غير ذلك فلن يحقق أمنا غذائيا.
لذلك فإن برنامج الغذاء العالمي متجه لمساعدة صغار المزارعين وإلي شراء المواد الغذائية من هؤلاء المزارعين وأيضا إلى إغناء المواد الغذائية بالأملاح المعدنية والفيتامينات ومن ثم توزيع المواد الغذائية المتكاملة إلى من هم في حاجة إلى ذلك فالأمر أشبه بسلسلة متواصلة، واليوم القمة ستتطرق إلى قضية مواصلة تشجيع المزارعين على الإنتاج والتعاون مع القطاع الخاص وهو أمر في غاية الأهمية.
كيف تنظرون إلى وضع المساعدات الغذائية في العالم؟
عندما كانت هناك حوارات في نطاق جولة مفاوضات الدوحة في عام 2001 كان إجمالي المساعدات الغذائية في العالم يشكل 11 مليون طن في العالم يتحصل منها برنامج الغذاء العالمي على ما نسبته 50 % وكان البند الأول فيما يتعلق بالمساعدات الغذائية في جولة الدوحة ينص على ضرورة المحافظة على هذه المساعدات في وضع يسمح لسد احتياجات المعوزين، اليوم المساعدات الغذائية التي تقدم سواء بشكل نقدي أو على هيئة غذاء لا تتجاوز 9. 6 ملايين طن أي أن هناك انخفاضا في حجم تلك المعونات بنسبة 45 % .
وهذا أمر مؤلم للغاية ولا أعتقد أنه في استطاعة أي شخص أو دولة في العالم منع وصول تلك المساعدات للمحتاجين إليها لأن هناك التزاما أخلاقيا واقتصاديا وسياسيا وهناك إرادة سياسية من قبل دول العالم لمساعدة الفقراء والجوعي في العالم.
المنتدى سيخرج بتوصيات سيؤخذ بها في قمة دول العشرين المنعقدة في 14 من نوفمبر الحالي، ما توقعاتكم للتوصيات التي سيخرج بها المؤتمر فيما يتعلق بملف الفقر والجوع؟
المنتدى المنعقد حاليا يشارك فيه عدد كبير من المسؤولين من بينهم مسؤولون في البنك الدولي والرئيسة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي وعدة منظمات عالمية وممثلون عن الدول المانحة وكذلك ممثلون عن القطاع الخاص، هناك إرادة قوية جدا واهتمام كبير بالأزمة الغذائية والعالمية من قبل المشاركين وقد لاحظت من خلال نقاشي مع هؤلاء أن الغربة والإرادة موجودة والعزيمة قوية لمحاربة الفقر والجوع وأنا متفائل جدا بالتوصيات التي سيخرج بها المنتدى فيما يتعلق بملف الفقر والجوع.
أوضاع عربية
دعا بلقاسمي إلى ضرورة أن تتجه الحكومات العربية إلى مساعدة مزارعيها وأضاف أن الدول الخليجية اتجهت إلى وضع إستراتيجيات للأمن الغذائي واصفا تلك المبادرات بالقيمة مع توجه دول أخرى عربية لوضع إستراتيجيات مماثلة، وقال بلقاسمي انه تحدث خلال الأزمة الغذائية إلى عدد كبير من الحكام والمسؤولين العرب حيث أجمعوا على ضرورة التصدي للأزمة الغذائية الحاصلة ووضع سياسية محكمة لتحقيق الأمن الغذائي.
مشاريع%50
يتوقع برنامج الغذاء العالمي أن تصبح دول مجلس التعاون الخليجي من أكبر المانحين وخصوصا أن مشاريع البرنامج تمثل تقريبا 50% في الدول الإسلامية. وبلغ إجمالي مساهمة الدول العربية في برنامج الغذاء العالمي في السنوات الماضية 10-5 ملايين دولار.
حوار كفاية أولير

