لا تزال أجهزة الرصد نشطة في تسجيل المزيد من الهزات الارتدادية لزلزال أزمة السيولة الأميركية العالمية، بل إن سجلات تاريخية دفنتها الذاكرة منذ عقود، امتداداً من برلين إلى سيؤول إلى ما لانهاية على ما يبدو.

فقد ذكرت مصادر صناعية في سيؤول الأحد أن الاقتصاد الكوري الجنوبي قد يواجه تراجعاً في الصادرات وتدهوراً في الطلب المحلي جراء الاضطرابات المالية العالمية والركود الذي انتشر في مناطق كثيرة من العالم وعندما يناقش الألمان كيفية تحاشي انهيار مالي مدمر فانه يلح عليهم كما يلح على حفنة قليلة فقط من الدول الأخرى ذكريات تبخر أموالهم خلال القرن العشرين. ونتيجة لذلك فانه يمكن القول ان الشعب صاحب أكبر اقتصاد في أوروبا «صار محافظاً من الناحية المالية» بحسب مانفريد شميت أستاذ العلوم السياسية بجامعة هيدلبرج الذي كتب مطولاً عن القلق الألماني.

في عام 1923 أطاح التضخم بأموال الألمان لأول مرة. وفي عام 1948 تبخرت غالبية المدخرات بجرة قلم عندما تم منع العملة القديمة من التداول. وفي عام 1990 جاء دور الألمان الشرقيين ليخسروا نصف قيمة مدخراتهم.

وعلى مدى الأسابيع القليلة الماضية تحركت برلين لضمان المدخرات الشخصية في البنوك وتأمين استمرار الإقراض بين البنوك «الانتر بنك» ودعم البنوك المترنحة لكن الأزمة العالمية تسببت في عدد محدود من حالات إفلاس البنوك أو البطالة بين المواطنين الألمان العاديين حتى الآن.

ويعود ذلك لأسباب أساسية منها غياب أي نوع من فقاعات العقارات مثل تلك التي شهدتها اسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة. وأبلغ وزير المالية بيير شتينبروك مجلس الشيوخ الألماني «البوندسرات» هذا الشهر قائلاً «العكس هو الصحيح».

فأسعار العقارات طوال العقد الماضي كانت منخفضة مقارنة بأوقات سابقة عليه. وأضاف «النقطة الثانية التي تلعب دوراً كبيراً هي أن لدينا معدلات ادخار عالية في «ألمانيا تتراوح بين 10 إلى 11 في المئة» بخلاف الولايات المتحدة التي سجلت فيها معدل ادخار سالب 5. 0 مما دفعها لاجتذاب الفوائض المالية لدول أخرى.

واستطرد «كما لم يحدث عندنا خلال الأسابيع والشهور الماضية انهيار ائتماني على الرغم من أن الشركات تحملت أعباء تمثلت في زيادة أسعار الفائدة على ما تحصل عليه من قروض. وبحسب استطلاع أجري أخيراً فان الأسهم الألمانية أضيرت بيد أن واحداً فقط من بين خمسة ألمان شعروا بشكل شخصي بالأزمة المالية الراهنة ولا تزال الغالبية العظمي منهم تثق بالبنوك.

وقال شميت في مقابلة ان الألمان بطبيعتهم ـ مقارنة بأبناء الدول الناطقة بالانجليزية ـ يكون لديهم «توقعات كبيرة بأن الحكومة ستفعل شيئاً» لحل المشكلة. وقال إن من يرصد حاجة الألمان للأمان جراء ما تعرضوا له إبان التضخم الكبير عام 1923 وتغيير العملة عام 1948 يكتشف أنهم لا يريدون فقدان مدخراتهم التي كسبوها بشق الأنفس مجدداً.

وأردف «لقد كانت تجربة مؤلمة لأمة بأكملها». تذكر هيربرت بارتشوك «90 عاماً» وهو مهندس متقاعد من هامبورج هذا الأسبوع كيف أن تسعة أعشار قيمة مدخراته الشخصية شطبت من حسابات البنك عام 1948 عند بدء العمل بالعملة الجديدة (المارك) التي طرحت لعلاج تراجع نقدي هائل.

وقال «الكل كان يعرف أنه يتعين عمل شيء، لكن الجميع تأثر في النهاية بشكل أو آخر». ونقلت وكالة أنباء «يونهاب» الكورية الجنوبية عن معهد سامسونج للبحوث الاقتصادية توقعاته بتعثر الصادرات التي تمثل العمود الفقري لاقتصاد البلاد بنسبة 2. 14% خلال الربع الحالي مقارنة بالتراجع الذي تم في الفترة من يوليو وحتى سبتمبر بنسبة 2. 14 %.

وقال المعهد الذي يعد من أفضل المعاهد البحثية في البلاد إن ما يزيد من سوء الوضع لرابع أكبر اقتصاد في آسيا هو احتمال زيادة معدل الصادرات للعام المقبل بنسبة 3. 8% فقط. كما رسم معهد المالية الكوري صورة أكثر قتامة حيث تنبأ بتراجع معدل الصادرات الكورية الجنوبية بنسبة 1. 6% خلال السنة المقبلة.

وقال يون سانج ها الباحث بمعهد ال جي للبحوث الاقتصادية «أصبح أمراً حتمياً أن تعاني صادرات كوريا الجنوبية حيث ان الأزمة المالية العالمية قد انعكست على قطاع الاقتصاد الحقيقي في العالم». ومن بين أهم مجالات الصادرات الضعيفة ينتظر أن تعاني كوريا الجنوبية من سلسلة إعلان إفلاس شركات البناء، حيث يمكن أن تزيد معاناتها جراء انخفاض الاستهلاك القائم أصلاً.

وفي أعقاب الانخفاض الكبير في الطلب على الشقق السكنية تقول تقارير إن الكثير من شركات البناء المتوسطة الحجم أصبحت على وشك الإفلاس. وكانت الحكومة أعلنت منتصف أكتوبر أنها ستشتري الشقق السكنية والأراضي التي لم يتم بيعها من هذه الشركات في مسعى منها لدعم قطاع البناء ومساعدة شركات البناء لتوفير ما تحتاجه من سيولة.

يِشار إلى أن هزة الصادرات وتراجع الاستهلاك المحلي يؤثران على نحو كبير على النشاط الصناعي والنمو الاقتصادي. وكان معدل النمو الاقتصادي في كوريا الجنوبية بلغ 9. 3% خلال الربع الثالث مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي وهو أقل بكثير من تقديرات بنك كوريا المركزي الذي حدد النسبة بمدى 4% في وقت سابق.

وانخفض مؤشر النشاط الصناعي المعدل بنسبة 8. 0% في سبتمبر الماضي مقارنة بالسنة الماضية حيث يعد أول تقلص منذ سبتمبر 2001 بحسب بيانات مكتب الإحصاء القومي. ومع ظهور علامات لتراجع أداء اقتصاد البلاد ينتظر أن يتدهور معدل نمو الاقتصاد في الفترة من أكتوبر وحتى ديسمبر في الربع الثالث بحسب بنك كوريا المركزي.

اقتراح: وزيرة ألمانية تدعو لمجلس أمن اجتماعي

دعت وزير التنمية الألمانية إلى إنشاء مجلس أمن تابع للأمم المتحدة يختص بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية. وقالت الوزيرة هايدي ماري فيتسوريك تسويل في حديث مع إذاعة «دويتشلاند راديو كولتور» أمس إن الغرب يسحب أمواله من الدول الناشئة تحت وطأة الأزمة المالية الحالية، وإن التأثير السلبي لهذه الأزمة على الدول النامية لا يأخذ حقه من النقاش والمعالجة على الصعيد الألماني.

ورأت الوزيرة الألمانية أن فرص الدول النامية في الحصول على القروض اللازمة لتمويل استثماراتها أسوأ من فرص الدول الأخرى وأن مكافحة الفقر في الدول النامية والناشئة يصب في المصلحة الألمانية مضيفة: «كلما زادت الأزمة في الدول النامية كلما زادت المشكلات الاجتماعية والسياسية التي تتسبب فيها هذه الدول وعنها وذلك في ضوء تأزم الوضع فيها بالفعل وبسبب الصراعات الموجودة هناك».