قال ريتشارد كلاريدا نائب الرئيس التنفيذي والمستشار الإستراتيجي الدولي- بـ «بيمكو» في حديث خاص مع البيان «الاقتصادي» إن من الصعب على البنوك الاستثمارية التفكير في بيع وتوزيع منتجات معقدة كانت تبيعها منذ عام مضى.
وأكد كلاريدا أن التغيير في النظام المالي العالمي آت لا محالة، وأن التحدي الأهم بالنسبة لصناع القرار في أنحاء العالم يتمثل في وضع التوازن الصحيح، فحتى عام أو بعض عام كانت عقارب الساعة تتأرجح في اتجاه منتج مالي بالغ التعقيد، لكن وفي ظل غياب الرقابة والتنظيم الوافيين فإن من الأهمية بمكان وضع الميزان الصحيح. ورأى كلاريد أن وضع التوازن التنظيمي والرقابي مهم جدا.
ورأى الخبير الاقتصادي أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة ركود حقيقية، إلى جانب وجود احتمالات فعلية للركود في المملكة المتحدة وأوروبا، وأضاف «على الأقل سنواجه تباطؤا عالميا كبيرا .
ومن المبكر الآن تحديد ما إذا كان يمكن اعتباره ركودا عالميا أم لا، وتابع قوله الكثير من الخبراء الاقتصاديين يرون بأن انخفاض الاقتصاد العالمي إلى ما دون 3 في المئة يمكن أن يطلق عليه بأنه ركود عالمي. ونمو الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن يتباطأ بحدة من 5 في المئة إلى 3 في المئة مع وصول آفاق النمو العالمي إلى 3 في المئة وهذا يقارب الركود إذا لم يكن هو فعلا كذلك، لكننا حتما نرى تباطؤا عالميا حادا».
وفي ما يخص انعكاسات الأزمة المالية الراهنة على اقتصاديات العالم، أوضح «مضى على الأزمة الآن ما بين 14-15 شهرا، وباعتقادي أن التطور الأبرز خلال الشهرين أو الثلاثة الماضية امتدت إلى خارج الولايات المتحدة وإلى دول العالم الناشئة».
وأضاف: لقد ظهر جليا كيف تأثرت الأسواق القوية الناشئة من حيث آفاق نموها ومن حيث اتساع حجم الدين وبدأت أسواق الأسهم في البيع بشكل غير مسبوق في أنحاء العالم بداية العام، غير أن انتشار الديون ما زال في أضيق حدوده في كثير من البلدان حتى شهر يوليو وأغسطس كم شاهدنا انتشارا واسعا للائتمان، كما حدث في انخفاض أسعار السلع، لكن بصورة أكثر جلاء نظرا للزيادة الكبيرة أوجه المخاطر العالمية، لذلك فمن المؤكد وجود اضطراب في دول السبع الكبار والدول الناشئة على حد سواء.
ورداً على سؤال سر الخسائر التي تتعرض لها الأسواق رغم عمليات ضخ السيولة، قال «سؤال وجيه. ولدينا في الولايات المتحدة وأوروبا الآن تركيز كبير على توفير الرساميل المباشرة إلى البنوك ومن الحكومة وهناك مؤسسات حكومية مثل فاني ماي وفريدي ماك حصلت على ضخ رأسمالي من دافعي الضرائب لتشجيع الرهن العقاري ونحن الآن على أبواب نهاية أكتوبر وتوزيع هامش الائتمان في أسواق المال ما زال واسعا في أسعار الفائدة بين البنوك.
كما أن فروق أسعار فائدة سندات الحكومة ما زالت كبيرة وكذلك فإن أسعار فائدة الرهن العقاري بعد تراجعها لشهر أو يزيد عادت وانقلبت الآن وهي عالية جدا، ولذلك فإن ضخ الأموال بالرغم من ضخامته لم يؤد إلى خفض هام في أسعار الفائدة».
وعن كيفية استعادة ثقة الناس في الأنظمة المالية قال كلاريدا: طبعا هذا لن يكون سهلا لكنه ضروري. ولا بد من الإشارة إلى انه بالرغم من الاهتمام الذي حظيت به في السنوات الماضية فقد أثر الاضطراب في التوظيف والإنتاج الحالي في الولايات المتحدة ضعيف الآن وغيرها من الدول ولذلك فإن هذه هي أزمة مالية تحولت الآن إلى ركود اقتصادي خطير وبالطبع فإن الاقتصاد المتباطئ وازدياد البطالة يعني زيادة عدد المتخلفين عن السداد وهذا سيصعب على البنوك التي علمت أن الأموال لن يتم سدادها ولذلك فإن الخطوات المتخذة كانت مناسبة ولدينا عدة أشهر قبل أن يبدأ الهيكل الاقتصادي في التحسن.
وواجهنا كلاريدا باعتراف الولايات المتحدة بموقفها الخاطئ فيما يتعلق بموانئ دبي والذي جاء على لسان نائب وزير الخزانة الأميركي الذي زار الإمارات مؤخرا، وإن كانت تلك الاعترافات قد جاءت بفعل ضغوط الأزمة على الولايات المتحدة فرد كلاريدا بابتسامة هادئة معلقا: هذا سؤال ممتاز للغاية... والجواب هو نعم.
وكان ذلك خلال العام الماضي. لقد تم الاعتراف بأن الجزء الهام من التعامل مع المشكلة هو إعادة رسملة المؤسسات المالية في البنوك وهناك مصدر هام للتمويل لإعادة الرسملة وخصوصا صناديق الثروة السيادية واحتياطيات البنوك المركزية.
وعلى العكس من ظروف سابقة بما فيها حالة موانئ دبي العالمية فقد كان الساسة الأميركيون أكثر استجابة في الترحيب بالاستثمار الذي اتخذ الآن شكل شراء حصص أقلية تقل عن 10 في المئة ولا تتضمن مقاعد في مجالس الإدارة والآن فإن الصناديق هي موضع ترحيب في الولايات المتحدة.
وعن إذا ما كان يوافق على الرأي القائل بأن الولايات المتحدة انتقلت من قيادة الرأسمالية إلى قيادة اتجاه آخر فأجاب: قطعا لا. وإنني آمل أن تكون إجراءات ضخ الأموال في البنوك الأميركية مؤقتة وكان الوزير بولسون يأمل في أن تشجع تلك الحقن الرأسمالية البنوك على سداد الحكومة خلال سنوات قليلة وأرجو أن يكون هذا هو الحال.
ولقد حظيت بفرصة لقاء أوباما وماكين وسألتهما لو أن كان هذا الإجراء تم في ظل إدارة اوباما أو ماكين فهل سيكون مؤقتا أو انه سيكون مؤشرا على تحول الحكومة إلى بنوك مستثمرة وقد أعرب الاثنان عن أملهما بأن يكون التدبير مؤقتا. وآمل أن يكون مؤقتا. لقد تمت كتابة الفصل الأول من التاريخ المالي للقرن العشرين ولن استبعد شيئا لكن أكرر الأمل في أن يكون الإجراء مؤقتا.
وردا على أولئك الذي يدعون أن كبار الموظفين في المؤسسات المصرفية أو كما جرت تسميتهم «القطط السمان» لم يدفعوا الثمن رأى كلاريدا أن هذا القول غير صحيح فآلاف المصرفيين في وول ستريت فقدوا كثيرا من مدخراتهم.
وقال «عدد كبير من الأشخاص الذي عملوا في وول ستريت والبنوك الاستثمارية كانت لديهم مدخرات كبيرة مرتبطة بأسهم تلك الشركات ولقد خسروا كثيرا كما فقد عدد كبير من أصحاب المناصب العليا مدخرات عمرهم. ويرى الخبراء إن تخصيص مبالغ ضخمة قد يؤدي إلى ترك آثار هامة لكنها بالطبع لم تحل الأزمة حلا جذريا وما زال سعر الإقراض عاليا لذلك ولا بد من الانتظار لعدة شهور».«الاقتصاد الحقيقي» يتلقى 3 ضربات موجعة وفيروس الأزمة يتخلل جسد الشركات المنتجة
ضرورة التمييز بين استقرار المصارف وأسعار الأصول
ينبغي التمييز ما بين استقرار النظام المصرفي وأسعار الأصولِ وتتصرف الحكومات بحزم كبير لكي تقول للجميع بأن الإيمان الكامل بائتمان الحكومات الآن يقف وراء أنظمتهم المصرفية بغض النظر إن كان يعني ذلك ارتفاع أو انخفاض أسعارِ الأصول هذه قضية مختلفة. وبالعودة إلى ستة أو سبعة أسابيع للوراء سنرى أن أسواق الأسهم كانت مرتفعة إلا أن خطرَ عدمِ الاستقرار في النظام المالي والمصرفي كَانا في حقيقة الأمر أعظم.
ومستوى المخاطر في القطاع المصرفي حول العالمِ انخفض بصورة جوهرية لكن عمليات البيع تحدث بشكل كبير جدا مما يلفت الكثير مِن الانتباه الآن. وتعزى عمليات البيعِ الكبيرة في سوق الأسهم للاقتراب من نهاية العام.
وربما يجب على الصناديق التحوطية أن تلجأ مستقبلا للتسييل، لذا من المهم جداً التمييز ما بين استقرار النظام المصرفي والاستقرار في أسعار الأصول. وفي حقيقة الأمر هنالك اعتقاد بأنّ الظروف تتحسن في النظام المصرفي بالرغم من عمليات البيع الكبيرة في الأسابيع الأخيرة في أسواق الأسهم.
ولدى البنوك في الولايات المتحدة ودائع قوية في نظام التأمين الفيدرالي على الودائع حيث ارتفع التأمين من 100 ألف دولار على الوديعة إلي 200 ألف دولار، لذلك انخفض القلق والخوف فيما يتعلق باستقرار الودائع في البنوك، فهناك عدد من البنوك اندمجت كما أن هناك عددا من البنوك الضعيفة في الولايات المتحدة استحوذ عليها من قبل بنوك.
وفي الولايات المتّحدةِ كَانَت البنوكُ تتلقى ضخا من الخزانة وهو جزء من رأسمالها وتدفع بالمقابل فائدة على تلك الرساميل وأعتقد أن الخزانة خرجت عن طريقها للحصول على أقل هيكل تنظيمي. والسؤال الأهم هو كيفية المحافظة على استقرار وحيوية النظام المصرفي لأمر يتعلق بالثقة فعندما يفقد الأفراد ثقتهم لا يعد مهما كم من الأموال ستضخ في السوق، ومن المهم جدا جدا أن الإبقاء على ثقة العملاء في الأنظمة المصرفية والبنكية.
وأدرك كل من البنوك المركزية ووزراء المالية في دول العالم بشكل واضحُ جداً بأن الاستقرار في النظام المصرفي حول العالمِ هو الهدفُ نحو المحافظة على اقتصادات مستقرة.
دبي ـ كفاية أولير
