تركزت المخاوف منذ بداية اندلاع الأزمة في احتمال انتقالها من أروقة البورصات لتضرب بالتالي بنية الاقتصاد الحقيقي.وتفاوتت التفسيرات حول أسباب وتداعيات الأزمة المالية الحالية لكن معظم الخبراء أجمعوا على أن الأوراق المالية غير المغطاة التي أصدرتها البنوك الأمريكية كانت أحد أهم أسباب الأزمة التي تعصف بالاقتصاد العالمي حالياً.

وتقدر قيمة تلك الأوراق والتي ترافق صدورها مع تقديم البنوك الأمريكية للقروض إلى الراغبين في تملك العقارات، ب600 تريليون دولار في حين بلغت قيمة إنتاج العالم من السلع والخدمات في العام الماضي 58 تريليون دولار. وظلت الأوراق المالية الافتراضية تتجول في الولايات المتحدة وحول العالم حتى انكشاف أمر هذه البنوك التي باتت تفتقر إلى السيولة بعد أن فشلت في استرداد الديون الحقيقية في وقت استحقاقها. وأيا كانت الأسباب فقد بات واضحا أن النظام المالي العالمي أصيب بخلل كبير لاحت أعراضه في عام 1971 عندما أعلنت الإدارة الأمريكية لأول مرة أن الولايات المتحدة لا تملك احتياطيا من الذهب يكافئ ما تم طبعه من النقود. ثم حرصت حكومات الولايات المتحدة على ضبط طبع النقود. إلا أن حكومة بوش لم تتمسك بأية ضوابط، فيما بدا.

حيث ضخت تريليونات الدولارات لتمويل الحرب في العراق. وفضلا عن ذلك فقد خرجت مصادر الأوراق المالية الافتراضية أو «الفقاقيع المالية» عن نطاق سيطرة الحكومة الأميركية. وتتمدد الآن تداعيات هذا الخلل في النظام المالي لتشمل قطاعات الاقتصاد الواقعي المنتج الذي بات يفتقر هو أيضا إلى السيولة.

وتظهر ملامح التراجع بقوة من خلال المؤشرات السلبية التي برزت في البيانات التي صدرت في الفترة الأخيرة. ويمكن حصر أهم تلك المؤشرات في ثلاثة جوانب رئيسية، يتمثل الأول في الضعف الواضح الذي اعترى أداء الشركات الإنتاجية وما تبعه من فقدان للوظائف ومشكلات أخرى مصاحبة. أما الجانب الثاني فيمكن تحسسه في تراجع ثقة المستمرين والمستهلكين في الاقتصادات الكلية، وبالتالي تراجع مستويات النمو. ويتعلق الجانب الثالث في تأثير تراجع الطلب العالمي على الطاقة والسلع الأولية وانعكاساته على الدول المنتجة.

وعلى الرغم من مرور أقل من أربعة أشهر فقط على بداية أزمة الرهن العقاري وما جرته من تراجع كبير في أسعار أسهم الشركات، إلا أن الوتيرة التي ارتد بها الاقتصاد العالمي كانت سريعة للغاية.

وتراجع مؤشر النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياته في سبع سنوات. وقلصت الصين توقعاتها للنمو إلى 8,9% بعد كانت تعمل على تحقيق 11% بنهاية العام الحالي. وأشارت مصادر رسمية صينية إلى أن ضعف الاقتصاد العالمي أدى إلى استبعاد تحقيق معدل نمو كبير كما كان متوقعا في السابق.

ويظهر تأثير الأزمة المالية بشكل كبير على قطاع التصنيع. ويواجه منتجو المعادن موقفاً لا يحسدون عليه إذ ظلت أسعار الحديد وغيره من المعادن الأساسية تشهد حالة تراجع دراماتيكي.

ومن المتوقع بحسب تقارير الخبراء أن يصل الهبوط في سعر الحديد خلال الأسابيع المقبلة إلى 20%، وذلك بسبب تراجع الطلب العالمي خصوصاً من قبل الصين. وتراجع سعر طن خام الحديد في الأسواق الصينية الأسبوع الماضي إلى 70 دولارا بعد أن وصل ذروته في وقت سابق من هذا العام مسجلاً 200 دولار.

وانطبق نفس الشيء على المعادن الأخرى خصوصاً تلك التي تدخل في صناعة السيارات التي تمر بأسوأ ظروفها على الإطلاق. وأكدت بيانات صدرت نهاية الأسبوع الماضي أن مبيعات السيارات الأميركية ستكون عند أدنى مستوى لها منذ 20 عاماً. وقدرت المبيعات خلال أكتوبر ب11 مليون وحدة مقارنة ب5,12 مليوناً في سبتمبر. وفي ألمانيا التي تعد قاطرة الصناعة الأوروبية يسير الناتج المحلي نحو تراجع كبير إذ من المتوقع أن ينكمش بنحو 25,0%، ومن شأن أي تراجع جديد أن يضع الاقتصاد في حالة ركود.

وانعكس التراجع الاقتصادي في الدول الصناعية سلباً على البلدان المنتجة للنفط. وأدت توقعات تراجع الطلب إلى هبوط حاد في أسعار النفط والتي فقدت أكثر من 80 دولاراً في أقل من أربعة أشهر. وخلال أكتوبر وحده تراجع النفط بنسبة 35%. وإزاء هذه الوضعية اضطرت العديد من الدول المنتجة لتعديل ميزانياتها.

وأثر اضطراب الأسواق العالمية سلبا على الإنفاق الرأسمالي للشركات وكذلك على الصادرات والإنتاج. ولم تفلح القرارات التي اتخذها الاحتياطي الفدرالي الأميركي بخفض معدلات الفائدة إلى 1%، والمركزي الياباني بنسبة 2,0%، في تهدئة المخاوف.

وتراجعت الثقة في اقتصاديات منطقة اليورو إلى أدنى مستوى لها منذ 1993 في دليل جديد على اقتراب الاقتصاديات الأوروبية من مرحلة الركود، الأمر الذي أشاع بدوره أجواء من التشاؤم بشأن اقتصاديات المنطقة التي تضم 15 دولة. وتراجعت ثقة القطاع الصناعي في اقتصاديات منطقة اليورو من سالب 12 نقطة في سبتمبر إلى سالب 18 نقطة خلال أكتوبر وهو أدنى مستوى لها منذ حوالي سبع سنوات. كما تراجعت ثقة المستهلكين في اقتصاديات المنطقة من سالب 19 نقطة إلى سالب 24 نقطة وهو أدنى مستوى لها منذ حوالي 14 عاما.

ولم تسلم الأسواق الناشئة من حالة الانكسار، وأشارت تقارير إلى أن نحو 30 دولة نامية تواجه خللاً كبيراً في موازناتها بسبب الأزمة المالية الحالية. ولجأت العديد من البلدان لطلب مساعدات عاجلة من صندوق النقد الدولي الذي استحدث برنامجا جديدا لتقديم قروض استثنائية لدول تواجه نقصا خطيرا في السيولة في أعقاب الأزمة. ويتيح البرنامج الجديد للاقتصادات الصاعدة الحصول على قروض لمدة ثلاثة أشهر دون الالتزام بالشروط المعتادة المرتبطة بالحصول على قروض. وكان الحصول على قروض في السابق من الصندوق يتطلب إجراءات سياسية محددة مثل خصخصة صناعات أو خفض الدعم.

وبدا أن الأزمات المالية باتت أكثر ارتباطاً بحقبات حكم الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية. وتزامن كساد 1929 مع فترة حكم الرئيس الجمهوري هيربيرت هوفر والتي شهدت ارتفاع تاريخي في معدلات البطالة حيث فقد نحو مليونا أميركي وظائفهم في أقل من 3 أشهر. كما تصادفت الأزمة الحالية مع نهاية ولاية الرئيس جورج بوش والذي يحمله العديد من الخبراء مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية مؤخراً.

والركود الحاد الناجم عن اضطراب القطاع المصرفي الذي يبدأ بارتفاع أسعار العقارات ثم الاعتماد الزائد على القروض لتدوير عجلة النمو الاقتصادي أصبح واقعا معاشا في الولايات المتحدة ودول عديدة في أووربا وآسيا. وأصبحت تقلبات الاسواق خارج نطاق السيطرة والتوقعات، كما يخشى المستثمرون تكبد المزيد من الخسائر إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

وتنتشر حالة الشلل في العديد من مناحي الحياة المالية وخصوصاً أسواق الأصول رغم المحاولات المتعددة من جانب البنوك المركزية والأجهزة المالية والتدخلات التي قامت بها الحكومات والمبالغ الضخمة التي ضخت لإعادة الحياة للنظام المصرفي والتي فاقت الـ 5 تريليونات دولار حتى الآن.

وعموماً كانت أجراس إنذار تراجع الاقتصاد العالمي تقرع من «وول ستريت». فما شهده العالم من جذع اقتصادي في 1929 جاء بعد تراجع مؤشر داو جونز في الثامن والعشرين من أكتوبر 1929 أو ما يعرف بيوم «الثلاثاء الأسود» بنسبة 7,11%، مواصلاً خسائر ضخمة أيضاً بدأها في اليوم السابق. ومنذ ذلك اليوم دخل العالم مرحلة ما يعرف بـ «الكساد العظيم»، وهي المرحلة التي أدخلت الدورة الاقتصادية العالمية في مجملها في حالة من الانهيار الذي ساد كل شيء.

وفي أعقاب انهيار الأسهم أعلنت عشرات البنوك إفلاسها وأغلقت المصانع أبوابها، ونتج عن ذلك 30 مليون عاطل عن العمل. وضمت قائمة الضحايا مزارعين وصغار منتجين وغيرهم من الذين لم يجدوا وسيلة للحصول على تمويل بعد إغلاق معظم البنوك. وفي مسعى منهم لإيجاد حل بادر مصرفيون أميركيون باسترجاع كميات كبيرة من المال من المصارف في ألمانيا وإنجلترا وفرنسا التي كانت تعتمد على الدولار في اقتصادها، وقاد ذلك بالطبع إلى تدهور كبير في اقتصادات تلك البلدان.

دبي ـ كمال عبدالرحمن