قد لا تكون صورة المرأة القوية التي لا ترحم وتضع أحمر الشفاه هي فكرة كل امرأة عن مثلها الأعلى. فحقيقة الأمر أن الكثير من النساء الليبراليات يكرهن كل ما تمثله المرشحة الجمهورية لمنصب نائب الرئيس الأميركي سارة بالين التي وصفت نفسها بأنها أم تهتم بشدة بممارسة أبنائها رياضة الهوكي على الرغم من ولع المحافظين بأسلوبها الواقعي في الزعامة ومزحتها مثل تلك التي تقارن الأمهات الشغوفات بالهوكي بكلاب شرسة تضع أحمر شفاه.

لكن سواء كرهنها أو أحببنها فإن النساء في أنحاء العالم منبهرات بقدرة بالين على الموازنة بين وضعها كمرشحة لمنصب نائب الرئيس وحاكمة لالاسكا ودورها كأم لخمسة أبناء. فالجمع بين الحياة المهنية والأمومة معركة مألوفة لملايين النساء العاملات اللاتي يتهمن عادة بالفشل في رعاية أبنائهن بشكل ملائم.

وتقول جيل توماس (43 عاماً) وهي محامية وأم لابنة في الثانية وابن في الخامسة (أن ترعى أسرة وتستمر في العمل مسألة تسبب ضغطا كبيرا. أشعر في أحيان كثيرة بالذنب). «لا بأس بالأطفال إلى أن يمرضوا. هنا يتحول الأمر إلى كابوس وأشعر وكأن زملائي وأسرتي وأصدقائي لا يقرون في بعض الأحيان أسلوب حياتي».

وإقناع النساء بإنجاب الأطفال والعمل في آن واحد معضلة للحكومات التي بدأت تدرك أن النساء يحملن الإجابة للتحدي المزدوج لتحقيق نمو اقتصادي طويل المدى ورفع معدلات المواليد المنخفضة. ويشير خبراء اقتصاديون في بنك جولدمان ساكس إلى أن تضييق الهوة بين توظيف الرجال والنساء يعزز اقتصاديات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنسبة 13% في منطقة اليورو وبنسبة اكبر في اليابان.

وتقول اليسون ميتلاند وهي أكاديمية تتخذ من بريطانيا مقرا لها وكاتبة متخصصة في شؤون المرأة العاملة «هذه قضية تثير قلق صناع السياسة في أنحاء العالم».وأضافت «هناك هوة ضخمة تفصل بين مواهب ومهارات النساء واستغلال هذه القدرات.

يتطلب هذا جهودا منسقة بين الحكومات بالتعاون مع القطاع الخاص». والأكثر من ذلك أن الدول التي توجد بها نسبة مرتفعة من النساء العاملات مثل الدول الاسكندنافية وفرنسا تميل إلى أن يكون بها معدلات مواليد مرتفعة في الوقت نفسه فإن الدول التي يوجد بها عدد أقل من النساء العاملات مثل ايطاليا واليابان تكون معدلات المواليد بها أكثر انخفاضا عادة.

وظاهريا تعتبر ألمانيا التي انتخبت انجيلا ميركل قبل ثلاث سنوات لتصبح أول مستشارة مثالا ايجابيا حيث تتمتع بحصة مرتفعة نسبيا من النساء في القوة العاملة مقارنة بدول أخرى من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. لكن عند إلقاء نظرة متعمقة تتضح قصة مختلفة.

وتقول كلير شافنيت شاتيري المحللة بدويتشه بنك ومقره فرانكفورت ان 20% من النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 25 و54 عاما يعملن أقل من 20 ساعة في الأسبوع كما أن معدل توظيف الأمهات أقل من متوسط المعدل الخاص بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وميركل التي لم تنجب مثال على هذا التوجه والذي ربما يساعد في تفسير السبب في أن النساء لا يمثلن إلا ربع كبار المديرين وثلث النواب الاتحاديين في ألمانيا. وفوق كل هذا فإن معدل المواليد في ألمانيا واحد من أكثر المعدلات انخفاضا بالاتحاد الأوروبي.

والحكومة التي شعرت بالقلق بسبب هذه البيانات السكانية التي تعني تقلص القوة العاملة وزيادة الاعتماد على العمال المهاجرين إلى جانب ارتفاع تكاليف التقاعد والرعاية الصحية تقدم الآن حوافز مالية للمرأة الألمانية لتنجب مزيدا من الأطفال. لكن تغيير المواقف المتأصلة ربما يمثل تحديا أكبر للحكومة.

فحتى عام 1957 كانت المرأة الألمانية المتزوجة تحتاج إلى الحصول على إذن من زوجها حتى تعمل في وظيفة بأجر وكانت الأمهات العاملات يتعرضن للسخرية ويوصفن بأنهن «أمهات الفرخ الأسود» إشارة إلى أنهن يطردن صغارهن من العش في وقت مبكر جدا. وترى شافنيت شاتيري التي اضطرت إلى إرجاء العودة إلى عملها نتيجة لنقص دور رعاية الأطفال الملائمة «من الأمور الراسخة في الثقافة الألمانية أن على الأم أن تكرس نفسها لرعاية الأطفال».

وفي الأعوام القليلة الماضية زادت ألمانيا أعداد دور الحضانة المتاحة وقدمت مزايا أكثر للأطفال لكن هذه الخطوات تستهدف بالأساس إقناع النساء بإنجاب مزيد من الأطفال وليس تشجيع الأمهات على العودة إلى العمل.

ويرى خبراء أن هذا منهج خاطئ وأن هناك حاجة إلى أن تضع الحكومات مجموعة شاملة من السياسات تحقق الغرضين معا. ويقول خبراء اقتصاديون إن النساء في الدول النامية اللاتي يجبرن على الاختيار يملن إلى تفضيل العمل على الأبناء ومن لا يعملن يملكن أموالا أقل وهي عقبة في حد ذاتها في طريق تكوين أسرة.

وقال اندريا باسنيني كبير الخبراء الاقتصاديين بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس ان الحكومات بوسعها تغيير هذه المواقف. وأضاف «من المؤكد أن السياسة تستطيع التأثير على الثقافة»، مستشهدا بالدول الاسكندنافية التي تملك أعلى نسب من النساء العاملات ونجحت في الآونة الأخيرة في تحقيق الاستقرار في معدلات المواليد المنخفضة.