واصل الخام الأميركي خسائره أمس وهبط أكثر من دولارين للبرميل ليصل إلى أدنى مستوى في 17 شهراً بينما طغى الهبوط الحاد في الأسواق المالية وتفاقم التوقعات الاقتصادية على الخفض الذي أعلنته منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» في إنتاجها الأسبوع الماضي.
وهبط الخام الخفيف إلى 89ر61 دولارا للبرميل مقارنة مع 65, 62 دولارا نهاية الأسبوع الماضي ليوسع خسائره إلى 86 دولارا في نحو 5 أشهر بعد أن بلغ ذروة 147 دولارا في يونيو الماضي. وهبط مزيج برنت أكثر من دولار إلى أقل من 61 دولارا للبرميل في معاملات خفيفة بينما ظلت المخاوف من كساد عالمي عميق تهيمن على السوق. ونزل سعر برنت 35, 1 دولار إلى 70, 60 دولارا للبرميل وسط فارق كبير بين سعري العرض والطلب. وفي سياق متصل قال المندوب الدائم لإيران لدى أوبك محمد علي خطيبي إن المنظمة ستخفض الإنتاج مرة أخرى إذا لم ينجح الخفض الذي اتفقت عليه في فيينا الأسبوع الماضي في إعادة الاستقرار إلى السوق. واتفقت أوبك في وقت سابق على خفض الإنتاج بواقع 5, 1 مليون برميل يوميا. لكن المتعاملين قالوا إن التحرك قد لا يكون كافيا لوقف هبوط سعر النفط.
ونقلت صحيفة فرانجي اشتي عن خطيبي قوله «إذا لم ينجح خفض الإنتاج في إعادة الاستقرار إلى سوق النفط فستخفض أوبك مرة أخرى سقف إنتاجها».
وقال رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم إن قطر ترى أن أسعار النفط الحالية منخفضة وإنها يجب أن تتراوح بين 70 و90 دولارا للبرميل لإرضاء المستهلكين والمنتجين معا. وأوضح «إننا نعتقد أن أسعار النفط يجب أن تكون في متناول الجميع. لكننا نريد أن نتمتع بالحماية، فالأسعار الحالية منخفضة بعض الشيء. نحن نتحدث عن أسعار تتراوح بين 70 و90 دولارا وهي ما نعتقد أنها أسعار عادلة للمستهلكين والمنتجين».
وأثار انخفاض أسعار النفط جدلاً كبيراً. فمن جانب رأت الدول المستهلكة أن الخفض سيؤدي إلى تفاقم مشكلات الاقتصاد العالمي. وبالفعل بدأت المخاوف تظهر بقوة، وقالت مصادر بهيئة قناة السويس إن من المتوقع أن يؤدي خفض إنتاج نفط أوبك إلى تراجع حركة شحن الخام عبر القناة في الفترة المقبلة. وأوضح مصدر مطلع أن التزام دول منظمة أوبك بقرار خفض الإنتاج سيؤدي إلى تراجع في حركة شحن النفط بالقناة خاصة القادم من دول الخليج إلى أوروبا وأميركا.
وقال إن هذا الانخفاض لن يكون له تأثير كبير على عائدات قناة السويس إذا استمرت الزيادة الحالية في أعداد سفن الحاويات التي تعبر قناة السويس والتي تمثل العميل الأول بالنسبة للقناة وتستحوذ على نحو 5ر53 في المئة من إجمالي الحمولات المارة بقناة السويس.
وأضاف أن حمولات النفط المارة في نفس الفترة مثلت 7ر15 في المئة من إجمالي البضائع المارة بقناة السويس والتي بلغت 445 مليونا و346 ألف طن. وتنافس قناة السويس في مجال شحن النفط خمسة خطوط أنابيب تصل طاقتها إلى نحو 5ر362 مليون طن سنويا، إلا أنها لا تعمل بطاقتها كاملة لظروف سياسية.
ويسري خفض إنتاج أوبك من مستوى الإنتاج المستهدف في سبتمبر وهو 8ر28 مليون برميل يوميا وسيكون نصيب السعودية من الخفض 466 ألف برميل يوميا وإيران 199 ألف برميل يوميا حسب ما ورد في بيان ختامي لأوبك. وجاء الخفض نتيجة قلق في أوساط المنتجين من أن يؤدي انخفاض الأسعار إلى تأثيرات عميقة في اقتصادياتها. وكانت العديد من البلدان قد بنت ميزانياتها على أساس سعر مرتفع لسعر البرميل لكن الانخفاضات الأخيرة دفعت العديد من الحكومات لمراجعة الموقف على ضوء المتغيرات الجديدة.
وبالفعل قال حمد سعود السياري محافظ البنك المركزي السعودي إن صادرات المملكة من النفط الخام والبتروكيماويات ستتضرر من الأزمة الاقتصادية العالمية. ويقول محللون إن بعض مشروعات التنمية الكبرى في السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم قد تسقط ضحية لانخفاض أسعار النفط لكن الإدارة الحذرة للأموال قد تعني أنه ليس هناك ما يدعو بعد لان تدق المملكة نواقيس الخطر. وبدأت السعودية بالفعل خفض إنتاجها من النفط تمشيا مع توقعات تراجع الطلب عليه حتى قبل أن تعلن أوبك خفض إنتاجها.
وطالبت دول مثل فنزويلا بأن تعتمد منظمة أوبك أن نطاقا سعرياً للنفط الخام بين 70 و90 دولارا للبرميل. وسجلت معظم خامات أوبك المتداولة عموما بما يقل عشرة دولارات للبرميل عن الخام الأميركي الخفيف متوسطا قدره 61 دولارا للبرميل على مدى الأسبوع الماضي.
وقال الخبير الروسي اناتولي دميترييفسكي، رئيس معهد الأبحاث النفطية، أن أسعار النفط لا تتعلق بالعرض والطلب في السوق بقدر ما تتوقف على تقلبات الوضع السياسي. ويرى خيبر روسي آخر هو ايغور باشماكوف أن أسعار النفط تتوقف عن نموها عندما يزيد إنفاق الطاقة على 10-11% من الناتج المحلي الإجمالي.
وقاربت هذه النسبة 15% في الولايات المتحدة عندما بلغ سعر برميل النفط في أغسطس 147 دولارا. ويرى الخبير أن أسعار النفط قد تنخفض إلى 50 أو 40 دولارا للبرميل في الأعوام القليلة المقبلة ولكنها ستعود لترتفع إلى 70 أو 80 دولارا للبرميل قبل عام 2015.
ويُرجع الخبير الروسي فيتالي بوشويف، رئيس معهد استراتيجية الطاقة، سبب ارتفاع أسعار النفط مؤخرا إلى دخول الكثيرين من سماسرة الأسواق المالية إلى سوق النفط بقصد تحقيق أكبر ربح. وينتظر الخبير انسحاب المضاربين من سوق النفط الآن، متوقعا تراجع أسعار النفط ولكنه لا ينتظر أن تهبط الأسعار إلى ما يقل عن 60 دولارا للبرميل في الصيف المقبل، ثم تعود لترتفع حتى تبلغ 120 دولاراً بحلول عام 2010.
ويرى الخبراء إمكانية أن يترك هبوط أسعار الذهب الأسود أثره الإيجابي على روسيا، متمنين أن تقلل الحكومة الاعتماد على الإيرادات النفطية بعد أن توظف أموال النفط المتوافرة في وضع الاقتصاد الروسي على سكة اقتصاد المعرفة.
وكان الرئيس الروسي دميتري ميدفيد يفقد أكد في لقاء سابق مع الأمين العام لمنظمة أوبك عبد الله البدري أن روسيا التي تدخل في عداد دول العالم النفطية الرئيسية، تجد لها مصلحة في المحافظة على استقرار أسواق وأسعار النفط. ومن غير المنتظر أن تشهد أسواق النفط العالمية تطورات ترضي البلدان المصدرة للنفط في نهاية العام الجاري وبداية العام المقبل كما أشار إلى ذلك أمين عام منظمة أوبك.
وتستطيع أوبك التأثير على تطور أسعار النفط من خلال خفض أو زيادة إنتاج النفط. ومن المنتظر أن تقرر هذه المنظمة خفض الإنتاج خلال الاجتماع الذي تعقده في فيينا يوم الجمعة المقبل. ويعتقد الكثير من المراقبين أن البلدان الأعضاء في أوبك سترحب بمشاركة روسيا في قرار المنظمة بخفض الإنتاج. كما أكد نائب رئيس الحكومة الروسية إيغور سيتشين أن روسيا تعتزم مساعدة منظمة أوبك في التأثير على أسعار النفط العالمية عبر آلة لا تزال الحكومة الروسية تبحث وضعها.
وأوضح أن وزارة الطاقة تبحث إمكانية اختزان جزء من إنتاج النفط. ورأى بعض الخبراء أن هذا يعني أن وزارة الطاقة بصدد تحديد إنتاج الشركات النفطية الروسية ليكون ذلك إسهاماً روسياً في قرار من الممكن أن تتخذه أوبك لخفض الإنتاج. ولم تستبعد المحللة الروسية ناتاليا ميلتشاكوفا أن يمثل قرار وزارة الطاقة الروسية المحتمل بشأن تحديد إنتاج النفط خطوة نحو انضمام روسيا إلى منظمة أوبك.
(الوكالات)

