قدر كبار تجار ذهب في دبي أن أسواق المعدن الأصفر في الدولة ستظل محتفظة بجاذبيتها وتألقها في مواجهة التقلبات التي تشهدها أسواق الائتمان في العالم، وتوقعوا استمرار ازدهار مبيعات الحلي الذهبية، ولكنهم قدروا بأن تجار الذهب الحقيقيين والذين يتعاملون مع المعدن الأصفر ويتبعون استراتيجية أعمال تنأى عن أساليب المضاربة في الأسعار والإفراط في الاعتماد على القروض المصرفية في تمويل خطط وبرامج التوسع، هم الأقل انكشافاً أمام مخاطر تشدد الائتمان.
ورأت بعض الآراء أن فئة التجار المفرطة في الاقتراض من البنوك ستواجه أوقاتاً عصيبة وضاغطة مع تشدد المصارف في شروط الائتمان، وذهبت بعض الآراء إلى حد توصيف هذه الفئة من التجار بأنها في وضع شبيه بمن يقوم بشنق نفسه وفي البداية اتفق كبار تجار الذهب الذين استطلعت «البيان الاقتصادي» آراءهم على أن أسواق المعدن الأصفر في الدولة ستكون الرابح من التقلبات التي تشهدها أسواق المال والأسهم، وهنا، يقدر تشارلز كارتر كبير المستشارين في مصفاة «الغرير جيجا» لتنقية وتكرير الذهب أن أزمة الائتمان تعد أمراً طيباً بالنسبة لسوق الذهب في دبي بطرق عديدة، فعندما يسود التقلب الأسواق كأسواق الأسهم والسلع وحتى العقارات، ينظر المستثمرون إلى الذهب بوصفه وعاء استثمارياً آمناً.
وساق توقعاته لمستويات نمو مبيعات الذهب خلال الربع الأخير من العام الجاري بقوله: أعتقد أنه طالما ظلت حالة عدم اليقين مسيطرة على الأسواق الأخرى الرئيسية، سيكون الذهب وعاءً استثمارياً جذاباً للغاية ليس بالنسبة للمستثمرين الأفراد فحسب، وإنما كذلك بالنسبة للمؤسسات الرئيسية وعلى نفس المنوال، يرى تمجيد عبدالله نائب الرئيس التنفيذي لدار مجوهرات داماس أن دبي مدينة الذهب ليست بحاجة إلى تقلبات وانهيارات في الأسواق الأخرى لكي يزدهر سوقها، فهي أضحت اليوم تحتضن سوقاً على درجة عالية من النضج والفعالية، وتجتذب الكثير من التجار من مختلف دول العالم، ومن الطبيعي أن يتجه المستهلكون إلى شراء الذهب من دبي باعتبارها «المنبع» وصاحبة لقب «مدينة الذهب»، فهي القلب النابض لسوق المجوهرات في المنطقة.
ويسوق فيروز ميرشانت رئيس مجوهرات بيور جولد سببا آخر لحصانة ومناعة أسواق الذهب في مواجهة التقلبات التي تشهدها أسواق الائتمان والأسهم في العالم، ويتعلق بانتهاج القيادة في الإمارات سياسات ورؤى حكيمة من شأنها أن أعطت تجار الذهب دعماً قوياً.
ويسلط فيروز ميرشانت الضوء على هذه النقطة بقوله: ان أزمة الائتمان هي أزمة عالمية، بدأت في الولايات المتحدة، ثم انتقلت إلى أوروبا، ونحن محظوظون ان الله منحنا قيادات وحكاماً يفعلون كل ما في وسعهم للارتقاء والنهوض بدولة الإمارات، ولا يدخرون جهداً في سبيل بناء الثقة في النظامين المالي والمصرفي عن طريق تقديم الدعم المالي.
وتعطي هذه السياسات الحكيمة دعماً قوياً وإيجابياً لتجار الذهب، وهم يفعلون كل ما هو من شأنه أن يجعل اقتصاد الدولة متيناً وقوياً في مواجهة حالة الركود التي تهيمن على الاقتصاديات العالمية من خلال توظيف ثراء الدولة بالموارد المالية في توطيد الثقة بأسواقها المالية وبأنظمتها المالية والمصرفية.
وتابع حديثه بقوله: من غير المتوقع أن يتأثر سوق الذهب في دبي بأزمة الائتمان العالمية، وإذا ما كان هناك بعض التأثيرات، فإنها لن تكون بنفس حجم التأثيرات التي ستتعرض لها الأسواق الأخرى، كأسواق الأسهم والعملات والتي فقدت الكثير من جاذبيتها بالنسبة للمستثمرين، وبالتالي، سيبقي الذهب الوعاء الاستثماري الآمن.
الرابحون والخاسرون
ورغم اتفاق آراء تجار الذهب على حصانة ومناعة الأسواق في الدولة ضد مخاطر أزمة الائتمان العالمية، إلا أنهم يميزون بين ثلاث فئات من المشاركين في السوق وهم «التجار الحقيقيون» و«المضاربون» و «المفرطون في الاقتراض من البنوك»، وذلك في معرض شرحهم لمدي تأثر تجار الذهب بتشدد أسواق الائتمان.
ويتحدث هنا تشارلز كارتر عن هذه النقطة بقوله: ليس هناك شك بأن الأسواق تعاني من ضغوط السيولة، وما علينا سوى إلقاء نظرة على معدلات الفائدة بين البنوك للتثبت من صحة ذلك، ومع ذلك، فإن التدابير السريعة التي اتخذها مصرف الإمارات المركزي قد خففت من ضغوط السيولة على المستوى المحلي.
ويرفض تشارلز كارتر التقدير القائل بأن كبار التجار هم الأكثر انكشافاً لتقلب الأسواق موضحاً بأنه صار بالإمكان توصيف التجار بشكل عام على أنهم «تجار كبار»، نظراً لأنهم صاروا متمرسين في فهم الأسواق المالية وإدارة المخاطر.
ورأى تشارلز كارتر أن القرارات الحكومية الأخيرة بضخ سيولة نقدية في النظام المصرفي ستسهم في تيسر الائتمان لتجار الذهب، فكلما أصبحت معدلات فائدة الاقتراض منخفضة، كلما نمت السيولة في الأسواق، ويعتبر هذا هو الوضع الأفضل لكافة التجار.
وتابع حديثه بقوله: يجب أن يضع تجار الذهب نصب أعينهم على أساليب التمويل التي تعظم القيمة وتقلل المخاطر، وأعتقد أن الذهب تاريخيا يلبي هذا المعيار في ظل ظروف السوق الحالية، و من المعتقد أننا سنرى على المدى القصير بعض الاندماجات في سوق الذهب بالإمارات حيث يتعزز هذا الاتجاه، عندما تمر الأسواق الأخرى بمستويات تقلب غير عادية.
ويتحدث تمجيد عبدالله عن هذه النقطة بقوله: تقوم مهنة تجارة الذهب على اقتراض ذهب وليس اقتراض أموال، وهو ما يجعل تجارة الذهب ترتكز على أصول حقيقية ملموسة، الأمر الذي يكسب المعدن الأصفر مصداقية عالية كوعاء ادخاري آمن في أوقات الإضرابات والقلاقل، ولهذا، تحرص الحكومات على اقتناء الذهب ضمن احتياطاتها النقدية، وبالتالي، فإن مركز تاجر الذهب يعتمد على حجم مقتنياته من المعدن الأصفر، وليس على مدى توافر سيولة نقدية لديه من عدمه.
ويرى تمجيد عبدالله أن اعتماد استراتيجية أعمال ترتكز على الاقتراض المفرط من البنوك لتمويل النفقات الثابتة وبرامج التوسع، تجعل تجار الذهب بمثابة «انتحار»، وشرح هذه النقطة بقوله: إن تجارة الذهب تنطوي على مصروفات ثابتة تتعلق بأجور العاملين ورسوم الإيجارات وتكلفة الديكورات، إلى جانب تكلفة تشكيلات المجوهرات.
وغير ذلك من النفقات الثابتة، ويجب أن تتوافر لدى تاجر الذهب موارد مالية تكفل تغطية هذه البنود لعدة أشهر، ومن المتعين أن يكون في حوزة التاجر سيولة نقدية تغطي حوالي 90% من هذه النفقات، وأن يكون اقتراضه من البنوك في حدود النسبة المتبقية.
أما التوسع العشوائي القائم على الاقتراض المفرط من البنوك لتمويل النفقات والمصروفات، يمثل نهجاً خاطئاً، إذ إن مكسب تاجر المجوهرات يتراوح بين 3 إلى 4%، وإذا ما قام بالاقتراض، فهذا معناه أنه سيدفع فائدة تتراوح بين 7 إلى 8%، وبالتالي، سيكون إفراطه في الاقتراض أشبه ما يكون بعملية الانتحار وليس تجارة.
ونصح تمجيد عبدالله بأن يحافظ تاجر المجوهرات على رأسماله على هيئة مجوهرات وليس في صورة سيولة نقدية، حيث تقدر قيمة الشركة بناء على ما تحوزه من كميات ذهب، وبالتالي، إذا ما طبق قطاع الذهب في تسيير أعماله هذه القاعدة، فلسوف يكون آمناً في مواجهة مخاطر أسواق الائتمان.
مخاطر الاقتراض
ويتفق فيروز ميرشانت في الرأي بشأن مخاطر الإفراط في الاقتراض بقوله: عندما يكون هناك تشدد في سيولة البنوك، ستكون هناك مضاعفات تطول كافة القطاعات، وفيما يتعلق بقطاع الذهب، سيكون «الرابحون» هم التجار الحقيقيون الذين يباشرون تجارة الذهب بمعناها العيني الملموس، حيث سيكونون قادرين على المحافظة على استدامة نمو أعمالهم، أما «الخاسرون» فهم المضاربون.
وتابع فيروز ميرشانت حديثه بقوله: ليس من الحكمة أن يسترخي المرء إزاء المشاكل، ويي أنه بمنأى عن مضاعفتها وتأثيراتها، حيث أن المسألة المهمة هنا هي كيفية مكافحة هذه التأثيرات، وبناء الأعمال في غمرة تداعيات الأزمة.
وبالتالي، يمكن إطلاق صفة رجل الأعمال على الشخص الذي يكافح من أجل التغلب على المشكلة، وتحمل مشكلة تشدد الائتمان مخاطر تتعلق بارتفاع تكاليف التشغيل، وبالتالي صار من المهم أن يعمل التاجر على تقليص التكاليف سواء فيما يخص التكلفة المالية أو تكلفة النفقات الثابتة المتعلقة برسوم إيجارات المحلات ومرتبات العاملين.
نموذج أعمال: مخاطر المضاربة على الأسعار
يرى فيروز ميرشانت أن المضاربين على الأسعار، إلى جانب هؤلاء الذين يفرطون في الاقتراض من البنوك في تمويل خططهم التوسيعية يطبقون نموذج أعمال يفضي في نهاية المطاف إلى ما يمكن توصيفه مجازا بقتل النفس، حيث تتخذ البنوك قرارات إقراض التاجر بناء على حسابات تستند إلى مراقبة حساباته، وتتبع سجل صفقاته وعملياته على مدى فترة زمنية معينة.
ورصد أساليبه في مباشرة الأعمال وخطط النمو والتوسع، ومن ثم، سيواجه التجار المفرطين في الاقتراض أوقاتا عصيبة، وسيعانون من الكثير من المشاكل، فهم قد يتعثرون في دفع أقساط مديونياتهم، وبالتالي، سيتكبدون خسائر رسم التأخير، وبالتالي، سيكون من المتعين عليهم دفع فوائد تفوق الفوائد السارية في السوق، وسيكونون واقعين تحت طائلة الكثير من الضغوط، وذلك على نحو يجعلهم أكثر انكشافا لمخاطر أسواق الائتمان.
أعداد السائحين : الذهب يتصدر أولويات السائح
رغم التوقعات القائلة ان أزمة الائتمان العالمية تحمل مخاطر تتعلق بتراجع أعداد السائحين على مستوى العالم والذين يشكلون احدى الفئات الأكثر استهلاكا للذهب في دبي، إلا أن تمجيد عبدالله يقر بأنه جرى طرح سؤال على قطاع الفندقة يتعلق بتأثير الأزمة المالية على أعداد السائحين القادمين إلى الدولة، وكانت الإجابة أنه لا يوجد إلغاء لحجوزات الأفواج السياحية، وان الإشغال الفندقي بكامل طاقته.
وهذا يعني أن السائح قد حسم خياراته، ووضع سفره لدبي ضمن أجندة تنقلاته وسفرياته، ورغم أنه من غير المستبعد أن تؤثر الأزمة المالية العالمية على الحالة المزاجية والنفسية للسائح، وذلك على نحو يجعله أقل ميلا للإنفاق، إلا أن شراء الذهب يتصدر أولويات إنفاق السائح القادم إلى دبي، ومن المتوقع أن يتزايد ميل السائح لشراء كميات أكبر من المجوهرات الذهبية باعتبارها وعاء حافظا للقيمة في ظل الانخفاضات المتتالية في قيمة فئات الأصول الأخرى.
دبي ـ مجدي عبيد


