تحولت مخاوف الكساد التي ظلت تقلق المستثمرين طوال الأيام الماضية إلى واقع زلزل الأسواق العالمية شرقاً وغرباً خلال جلسة الأمس. ودفع الهلع من اقتراب الاقتصاد العالمي للانزلاق في مستنقع الكساد المتداولين للقيام بموجات بيع هستيرية للأسهم الأمر الذي أدى بدوره لانخفاضات كارثية في المؤشرات الرئيسية.

ففي آسيا ضاعف مؤشر نيكاي الياباني خسائره منذ بداية العام إلى 50% متراجعاً خلال جلسة أمس بمقدار 6. 9% مقابل 6. 10% لبورصة سيؤول و7% لهونغ كونغ. أما في أوروبا فقد هبط مؤشر يوروفرست 300 الرئيسي لأسهم الشركات الكبرى 9. 2% ليفقد 42% من قيمته هذا العام وقال جيمس هيوز المحلل المالي وخبير الأسواق «أعتقد أن الكساد يلوح عالميا في الأفق في الوقت الراهن ولا أعتقد أن أحدا بالضرورة سينجو منه. الأسواق الناشئة لن تستطيع الإفلات من التراجع الشامل الذي نراه». وأضاف «عندما سمعنا مصطلح الكساد العالمي مؤخرا كان الجميع يعتقدون إلى حد ما بتضخيم الأمر ولكني لا أعتقد ذلك في الوقت الراهن.

الآن الأمور تزداد سوءا عما كانت عليه ونتوقع أن يحل الكساد العالمي ونرى الكثير من البنوك المركزية والحكومات تخرج لتقول إن بلادها حاليا في حالة كساد». وأوضح هيوز «كنا نردد في السابق القول المعروف، إذا عطست أميركا يصاب العالم كله بالزكام ونحن في الوقت الحالي نعاني جميعا من إنفلونزا حادة وأعتقد وننظر إلى حركة الأسواق أنها تتبع ما يجري في نيويورك ولكن إذا ما تمكنت الأسواق من التحرك بعيدا سيكون لهذا أثر جيد في الوقت الراهن لان السوق الأميركي لا يعمل بشكل جيد مثل الكثير من الأسواق الأخرى». واعترفت الكثير من الحكومات في البلدان الكبرى بحتمية الكساد.

ففي برلين قالت وزارة المالية الألمانية إن الاقتصاد الألماني شهد ركودا في الربع الثالث من العام الجاري وان هذا الضعف سيستمر خلال عام 2009 رغم أن الأزمة المالية العالمية لم يكن لها سوى تأثير محدود حتى الآن على ألمانيا.

وأشارت بيانات رسمية إلى تراجع إجمالي الناتج المحلي البريطاني بنسبة 5. 0% في الربع الثالث من العام 2008 مقارنة بالربع الذي سبقه، وهو الأول منذ 1992. وأكد مكتب الإحصاءات الوطنية الذي أصدر تلك البيانات المخاوف من دخول بريطانيا مرحلة انكماش. وقال أحد المتعاملين «التباطؤ الاقتصادي في أوروبا وأميركا يؤثر بشكل مباشر على الاقتصادات التي تعتمد على الطلب الخارجي للنمو».

آسيوياً هوى مؤشر نيكاي القياسي للأسهم اليابانية في نهاية جلسة التداول ببورصة طوكيو بنسبة 6. 9% ليسجل أدنى مستوى منذ خمسة أعوام ونصف العام. وتأثرت أسهم شركات التصدير سلبا بشدة بعد أن أطلقت شركة سوني تحذيرا بشأن الأرباح المتوقعة وكذلك ارتفاع الين بصورة حادة.

وهوى سهم سوني أكثر من 14% بعد أن خفضت الشركة توقعاتها لأرباح التشغيل السنوية بنسبة 57% إلى مستوى يقل كثيرا عن تقديرات السوق في ثاني تعديل بالخفض هذا العام لتوقعاتها للأرباح وعزت ذلك إلى ارتفاع قيمة الين الياباني وتباطؤ الطلب على آلات التصوير وأجهزة التلفزيون المسطحة. وأنهى نيكاي الجلسة منخفضا 90. 811 نقطة إلى 7649 نقطة. وتراجع مؤشر توبكس الأوسع نطاقا 5. 7% منهيا الجلسة عند 11. 806 نقاط.

وواصلت الأسهم الهندية نزيف الخسائر حيث انخفض المؤشر الرئيسي لسوق الأسهم «سنسكس» بنسبة 8% ليهبط إلى أدنى مستوى له خلال عامين. وأجرى المستثمرون عمليات بيع كثيفة بعدما خيب البنك المركزي الهندي آمالهم بالإبقاء على سعر الفائدة الرئيسية دون تغيير في اجتماع لجنة سياساته النقدية.

وفقد المؤشر الذي يقيس أكبر 30 شركة، 912 نقطة على مدار جلستين منذ يوم الأربعاء، وخسر 62. 782 نقطة. وانخفض مؤشر سنسكس بشكل حاد إلى 08. 8989 أي بنسبة 01. 8% من قيمته. وقادت الانخفاض أسهم البنوك والمعادن والعقارات والتي خسرت ما يتراوح بين 6 ـ 8، لتدفع مؤشر سنسكس إلى ما دون 9 آلاف نقطة، وهو المستوى الذي لم يشهده منذ 2006.

وعلى الصعيد ذاته، انخفض مؤشر نيفتي 50 الأوسع انتشارا بمقدار 75. 274 نقطة إلى 40. 2695 نقطة أي بنسبة 42. 8% من قيمته. وقال محللون ماليون إن السوق شهدت عمليات مكثفة لهروب رأس المال من جانب الصناديق الأجنبية وعمليات البيع الهيستيرية على خلفية بضعف أسواق المال العالمية وانخفاض أرباح الشركات الفصلية.

وأضافوا أن فشل البنك المركزي في إعلان أي تغيير في أسعار الفائدة الرئيسية بالإضافة إلى المخاوف المتعلقة بنمو الاقتصاد الهندي ساهما بشكل واضح في عمليات الانخفاض. وأوضحوا أن المستثمرين كانوا ينتظرون تحركات قوية من جانب البنك المركزي مثل إجراء خفض معدل الاحتياطيات النقدية التي تودعها البنوك لديه وذلك للحد من أزمة السيولة.

وجاء صدور تقرير لجنة السياسة النقدية للمركزي الهندي وسط استمرار الأزمة المالية العالمية وارتفاع التضخم إلى 11% بالهند. وشهدت الأسابيع القليلة الماضية تخفيض المركزي لأسعار فائدة ومعدل الاحتياطي لدى البنك المركزي لضخ السيولة في النظام المصرفي. وأضاف المحللون أن انخفاض قيمة الروبية الهندية أمام الدولار الأميركي لتتجاوز حاجز 50 روبية لكل دولار لعب دورا في دفع المؤشرات نحو الانخفاض.

وفي كوريا الجنوبية أنهت بورصة سيئوول جلسة التداول على تراجع كبير، وأقفل مؤشر «كوسبي» خاسراً 96. 110 نقاط مسجلا 75. 938 نقطة. وعلى غرار نظيراتها الأخرى شهدت بورصة هونغ كونغ تراجعا كبيراً وسط حالة من الذعر وفقد مؤشر هانغ سينغ 71. 917 نقطة مسجلا 78. 1284نقطة.

وانخفضت الأسهم الأوروبية أكثر من 5% مع ترنح المستثمرين تحت وطأة سلسلة من نتائج الشركات الضعيفة وهوت أسهم شركات النفط والبنوك بفعل المخاوف المتنامية بشأن الاقتصاد العالمي وخاصة الأسواق الناشئة. وفي إحدى مراحل التداول هبط مؤشر يوروفرست 300 إلى 41. 825 نقطة، مسجلا أدنى مستوى منذ منتصف 2003.

وقادت أسهم البنوك الاتجاه النزولي فانخفض سهم «اتش.اس.بي.سي» 6. 9% وسهم «سانتاندر» 8% مقابل 4. 5% لسهم «يو.بي.اس». وعموماً انخفض مؤشر قطاع البنوك الأوروبية 4. 6%. كما تراجعت أسهم شركات النفط فانخفضت أسهم «بي.بي» و«رويال داتش شل» و«توتال» بما بين 3. 5 و2. 7%.

وكانت أسهم شركة فولفو على رأس الأسهم الهابطة في أوروبا إذ تراجعت بنحو 18% بعد أن أعلنت نتائج أسوأ من المتوقع للربع الثالث من العام الجاري. ووسط سلسلة من نتائج الشركات الضعيفة انخفضت أسهم شركتي بيجو ورينو الفرنسيتين للسيارات بنحو 14%بعد أن أصدرتا تحذيرات بشأن الأرباح المتوقعة.

وتراجعت أسهم معظم شركات التعدين مع هبوط أسعار المعادن حيث انخفض سهم «انجلو أميركان» 2% بعد أن أعلنت الشركة هبوطا في إنتاجها من النحاس في الربع الثالث. وانعكس هذا الوضع على مؤشر داكس في بورصة فرانكفورت الذي تراجع بنسبة 2. 4%.

وعلى الفور بدأت ردود أفعال البنوك المركزية تتوالى. وأعلن البنك المركزي الياباني ضخ 800 مليار ين (04. 6 مليارات دولار) إلى الأسواق في محاولة جديدة من جانبه لتهدئة فزع الأسواق. وفي استوكهولم قال البنك المركزي السويدي «ريكسبنك» إنه يعتزم خفض أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار نصف نقطة مئوية لتصل إلى 75. 3% في ثاني خفض لها خلال هذا الشهر.

وأوضح «ريكسبنك» أنه سيتم العمل بأسعار الفائدة الجديدة اعتبارا من يوم 29 أكتوبر الجاري. وقال مجلس محافظي البنك إن الهدف من خفض أسعار الفائدة هو التخفيف من حدة آثار الأزمة المالية على الأسواق. مضيفا أنه رغم خفض سعر الفائدة مازال متمسكا بمعدل التضخم المستهدف وهو لا يزيد على 2%.

وأشار البنك إلى أن السويد تعاني أيضا من آثار الأزمة المالية العالمية كما أن الاقتصاد تباطأ مضيفا أن تلك الآثار تشمل ارتفاع تكاليف الحصول على قروض سواء للشركات أو الأفراد. وكان البنك قد قلص أسعار الفائدة الرئيسية في وقت سابق من هذا الشهر بمقدار نصف نقطة مئوية في خطوة مشتركة مع بنك كندا المركزي وبنك انجلترا والبنك المركزي الأوروبي ومجلس الاحتياط الاتحادي الأميركي والبنك الوطني السويسري «المركزي».

معادن : توقعات ضعف الطلب تخفض سعر الزنك

انخفض سعر الزنك خمسة في المئة مع المعادن الأساسية الأخرى بفعل المخاوف من تأثر الطلب العالمي بتباطؤ النمو الاقتصادي. وتراجع سعر الزنك للتسليم بعد ثلاثة أشهر خمسة في المئة مقارنة بسعر الإغلاق في لندن أول من أمس ليصل إلى 1139 دولاراً للطن. وهبط سعر النحاس 5. 3 في المئة ليتجه بذلك إلى تسجيل ثاني أكبر خسائر أسبوعية له على الإطلاق. وانخفض سعر الرصاص أكثر من ثلاثة في المئة.

وتم وقف التعامل في الزنك في بورصة شنغهاي بعد أن انخفض بالحد الأقصى اليومي ثلاثة أيام متتالية. وشهدت أسعار المعادن الرئيسية تقلبات حادة خلال اليومين الماضيين متماشية مع المخاوف الاقتصادية المتزايدة والتي أثارت شكوكا في أوساط المستثمرين بشأن مستقبل الأسواق.

محفظة أصول

قال مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي إن محفظة للأصول العقارية بقيمة 5. 29 مليار دولار كانت مملوكة أصلا لبنك بير ستيرنز المنهار وأصبحت الحكومة الأميركية تملك معظمها الآن هبطت بنسبة 2. 9% في الربع الثالث من العام الحالي.

وآلت محفظة الأصول العقارية التي تبلغ قيمتها الآن 8. 26 مليار دولار بشكل أساسي إلى بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك في يونيو بعد أن وافق مصرف جيه. بي. مورجان تشيس على الاستحواذ على بير ستيرنز.

ووافق جيه. بي. مورجان على تحمل 15. 1 مليار دولار من الخسائر الأولى لمحفظة الأصول العقارية على أن يتحمل الباقي دافعو الضرائب الأميركيون. وبلغ الانخفاض في قيمة الأصول العقارية لبير ستيرنز حتى الآن حوالي 3 مليارات دولار وهو مبلغ يعادل حوالي ربع القيمة الدفترية للشركة.