أكدت المؤشرات التي برزت خلال الفترة الأخيرة انتقال الأزمة المالية من الأسواق إلى الاقتصاد «الواقعي» مما يؤثر بشدة على قطاع التوظيف، ويرفع الهوة بين الأغنياء والفقراء ويزيد من المتاعب الاقتصادية في العديد من البلدان. وتوقعت الأمم المتحدة أن يتحول الركود إلى أزمة اجتماعية حقيقية.
والمؤشر الآخر على الأزمة هو التراجع في الطلب العالمي على الطاقة والذي انعكس على أسعار النفط التي واصلت انخفاضها لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ مايو. وقالت مسؤولة في الأمم المتحدة مكلفة برنامج الإسكان ان الأزمة يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات بين سكان المدن الذين يتزايد عددهم في العالم بينما لم يعد معظمهم قادرا على تسديد إيجارات منازلهم وتتضرر الشركات والبنوك بشدة من المخاوف بأن تبدأ البلدان في التخلف عن الوفاء بديونها وان تتمخض الأحوال عن الكثير من القروض المتعسرة. وفي ظل الأوضاع الحالية أعلنت العديد من الشركات عن نتائج مخيبة للآمال وعن رؤى مستقبلية متشائمة وتراجعت أرباح المجموعة الصيدلانية العملاقة «ميرك» بمقدار الثلث وأعلنت عن إلغاء 7200 وظيفة بحلول 2011. وانطبق الشيء نفسه على شركات عملاقة في قطاع التكنولوجيا مثل ياهو وغيرها من الشركات الأخرى. وأكد وزير النقل النمساوي فيرنر فايمان اعتزام حكومته التدخل لإنقاذ شركة الطيران الوطني أوستوريان أيرلاينز إذا فشلت عملية خصخصتها.
جاء ذلك خلال إعلانه تأهل عرض واحد فقط من بين العروض المقدمة لشراء أوستوريان ايرلاينز. ورغم أن فايمان ترك الباب مفتوحا أمام إمكانية وصول عروض أخرى أكدت مؤسسة (أو إي آي ايه جي) الحكومية المسؤولة عن إدارة أصول الدولة الاستثمارية التزامها بالجدول الزمني وقرارها المعلن ببيع 75. 42% من أسهم أوستوريان أيرلاينز.
وفي ظل الغموض الذي يحيط بمصير عملية الخصخصة انخفض سهم الشركة في بورصة فيينا بنسبة 9. 28% من قيمته. ولم يشر لا فايمان ولا مؤسسة (أو إي آي ايه جي) إلى ما إذا كانت شركة الطيران الألمانية العملاقة لوفتهانزا تقدمت بعرض أم لا.
وكانت إدارة أوستوريان ايرلاينز قد أصدرت الأسبوع الماضي تحذيرا الأسبوع الماضي من وصول العجز المالي لديها بنهاية العام الحالي إلى 125 مليون يورو (178 مليون دولار) بسبب أسعار الوقود المرتفعة بشكل أساسي. كما تراجع عدد ركاب الشركة النمساوية الشهر الماضي بنسبة 4% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
وبرزت مشكلة فقدان الوظائف كأكثر المشكلات إلحاحاً في الوقت الحالي. وتوقع خبير في صناعة السيارات في ألمانيا أن يفقد القطاع بحلول عام 2015 نسبا تتراوح ما بين 10 و15% من إجمالي عدد العاملين في قطاع السيارات في ألمانيا.
وذكر الخبير فيلي ديز مدير معهد اقتصاد السيارات لصحيفة «زود فيست بريسة» أن نحو 115 ألف وظيفة مهددة بالشطب من إجمالي 763 ألف وظيفة حالية بسبب الظروف التي تواجه قطاع السيارات والصناعات المغذية. وأكد الخبير أن صناعة السيارات لن تتمكن من الحفاظ على دورها كمحرك لزيادة أعداد الوظائف، وأشار إلى أن الهبوط سيحدث بتوقف الوظائف الجديدة وسيعقب ذلك انخفاض أعدادها الحالية.
وتوقع الخبير انتقال فرص العمل إلى خارج ألمانيا في ظل المشاكل التي تواجه صناعة السيارات الهجين وتراجع مبيعات السيارات في السوق الأميركي من 16 مليون سيارة في العام الماضي إلى 5. 12 مليون سيارة خلال العام الحالي بشكل سيؤثر على مبيعات دايملر وبي إم دبليو بشكل كبير لاعتمادهما على السوق الأميركي، كما ستتضرر مبيعات فولكس فاجن وأودي بشكل أقل هناك.
وفي تطور طبيعي اتسع نطاق الأزمة الاقتصادية من الشركات إلى البلدان. وطلبت باكستان التي تواجه صعوبات داخلية وبيلاروسيا التي تأثرت جدا بالأزمة المالية مساعدة صندوق النقد الدولي. وتجري اوكرانيا من جهتها مفاوضات مع هذه الهيئة المالية الدولية للحصول على قرض، بينما اعلنت ايسلندا انها على وشك الحصول على قرض ايضا. وقال الصندوق انه مستعد لمساعدة المجر.
وأكد الصندوق تقدم باكستان بطلب إلى الصندوق للحصول على مساعدة مالية في مواجهة الأزمة الطاحنة التي يواجهها الاقتصاد الباكستاني. وقال دومينيك ستروس رئيس الصندوق: «السلطات الباكستانية طلبت عقد مناقشات مع الصندوق بشأن برنامج اقتصادي باكستاني مدعوم بمساعدات مالية من الصندوق لمواجهة الصعوبات المالية التي تعاني منها باكستان نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأزمة المالية العالمية».
وأضاف كان في بيان نشره الصندوق في موقعه على الإنترنت ان «بعثة من الصندوق سوف تبدأ المناقشات مع السلطات الباكستانية خلال الأيام القليلة المقبلة بشأن برنامج يهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحسين الثقة في النظام المالي» لباكستان.
وأعلنت لندن عن إصلاح يهدف إلى الحد من إجراءات مصادرة المساكن. واعترف رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون بأنه يتوقع «ركودا في اميركا وفرنسا وايطاليا والمانيا واليابان لأنه ليست هناك دولة محصنة، وكذلك بريطانيا». ورفعت المجر أسعار الفائدة لحماية اقتصادها وطلبت أوكرانيا مساعدة من صندوق النقد الدولي وتحركت الأرجنتين لتأميم نظام معاشات التقاعد الخاص في البلاد.
وانخفضت قيمة «الفورينت» مؤخرا بشكل مفاجئ بعد أن أثار القلق بشأن السيولة في البنوك المجرية تخوف المستثمرين بشأن اقتصاد تلك الدولة الضعيف بالفعل. وخفض البنك المركزي في نيوزيلندا سعر الفائدة الرئيسي بشكل غير مسبوق بمقدار 1% ليصل إلى 5. 6%، وذلك في ثالث خفض خلال 13 أسبوعا، بعد أن ظل سعر الفائدة كما هو دون تغيير لمدة خمس سنوات.
وقال آلان بولارد محافظ بنك الاحتياط المركزي إن اضطراب سوق المال الراهن وتراجع التوقعات المستقبلية للنمو العالمي سببان رئيسيان لهذا الخفض القياسي لسعر الفائدة، الذي كان متوقعا على نطاق واسع. وقال بولارد إن النشاط الاقتصادي في نيوزلندا والذي يعيش حالة ركود رسميا بعد ربعين من النمو الاقتصادي السلبي، سيشهد مزيدا من القيود بسبب التطورات الدولية.
وأضاف انه «يمكن لنيوزيلندا أن تتوقع مواجهة تراجع الطلب على الصادرات وعدم توافر الائتمان» موضحا أنه «في مثل هذه الظروف يكون المستهلكون ورجال الأعمال أكثر حذرا ويقللون الإنفاق». وأشار إلى إمكانية إجراء مزيد من الخفض لأسعار الفائدة، قائلا إن توقيتها ومداها سيعتمدان على التخفيضات الحقيقية في ضغوط التكلفة المحلية والتطورات المالية العالمية.

