بات التهديد المباشر للكارثة وراءنا، ولن تختفي الأزمة المصرفية العالمية. لكن ببطء وتردد، وبقليل من الحماسة، وباستعداد أقل لمواجهة الأخطار، ستبدأ الأعمال المصرفية العادية بالعودة إلى مجموعة الدول السبع.

السؤال إذن هو كم ستستمر فترة الركود الحتمية وما مدى عمقها. يجب تذكر أن اقتصاديات اليابان وفرنسا كانا يتراجعان في الربع الماضي من العالم الحالي، ومن المؤكد أن اقتصاد بريطانيا ومثله الإيطالي والألماني يتقلّصون في الربع الحالي، فيما اقتصاد الولايات المتحدة وكندا هما في أفضل الحالات كانا يمران في فترة جمود.

وهذا كثير بالنسبة لدول مجموعة السبع الاقتصادية، التي تشكل مجتمعة حوالي 60% من الناتج القومي على كوكب الأرض. ويصبح الأمر أكثر سوءا حين نرى أن روسيا التي تحتل الكرسي الثامن في مجموعة الثماني تتراقص نتيجة تراجع سعر برميل النفط من 148دولاراً إلى 70 دولاراً.

وأدى ذلك إلى انهيار سوقها المالية وتركت طبقة المستفيدين أمام أزمة سيولة حادة، زاد من حدتها انخفاض أسعار السلع الأخرى التي تصدرها مثل النيكل والألمنيوم والأحجار الكريمة.

ويزداد السوء أيضا لأن التباطؤ وصل الصين، حيث تبيّن خلال الأسبوع الحالي أن أكثر من نصف شركات تصدير الألعاب الصينية أوقفت علمياتها خلال العام الحالي، وأن حوالي 20 مليون صيني فقدوا وظائفهم خلال الأشهر التسع الماضية.

وتتكدس واردات الصين من قضبان الحديد الخام في المرافئ الصينية، فيما تعاني أسواق الصادرات الغربية من نقص في المادة.

وتدهورت كلفة نقل مستوعب بحجم 40 قدماً من مدينة شنغهاي إلى مرفأ روتردام في هولندا من حوالي 3 آلاف دولار إلى 900 دولار فقط.

ومع ذلك، أمام الصين خيار تحويل مصادرها إلى الاستهلاك الداخلي والذي قد يكون أمرا ذكيا بالنسبة لاقتصاد ينفق أكثر من نصف الدخل القومي على الاستثمار وبدأ يتضخم بشكل كبير.ولا يوجد حقاً اقتصادات عالمية يبلغ الناتج القومي فيها أكثر من 500 مليار دولار سنوياً، ومعظمها تواجه أزمات.

في أستراليا أزمة عرض إسكاني ويتباطأ الطلب على صادراتها من المواد الخام، وهي مشكلة تتقاسمها مع البرازيل. والاقتصاد الأسباني أصابه التقلّص. وتعتمد المكسيك على سوق الصادرات الأميركي وكذلك تايوان وكوريا الجنوبية. ولذلك دخل العالم في مرحلة بطء اقتصادي طويلة.

ومن بين الاقتصادات العشرة الكبرى في العالم، يمكن الشعور بالتفاؤل في اقتصاد وحيد هو الهند، لأنها لا ترتبط بشكل مباشر بالنظام العالمي للتجارة كباقي الاقتصادات العالمية، ولديها حجم كبير من المرونة في سوقها الداخلي وشهية كبيرة على الاستثمارات في البنى التحتية.

وقطاع الخدمات القليل الكلفة في مجال تقنية المعلومات، سيبقى شعبياً لدى الشركات الأجنبية، كما كانت تكتشف كميات كبيرة من الغاز في مياهها الإقليمية، لذا يجب أن تشعر الهند بأنها أفضل حالاَ من باقي اقتصادات العالم.

غير أن الهند لا تشكل سوى 2% من الناتج القومي العالمي وليست في موقع يتيح لها التصرف كقاطرة نمو لبقية الكوكب.

كما أنها تتجه نحو موسم انتخابات سيشجّع على الأرجح اتخاذ قرارات سياسة اقتصادية متهورة نتيجة محاولة الأحزاب رشوة الناخبين.. الإغراء الموروث من الأنظمة الديمقراطية.

وستكون هناك حتماً أجزاء من العالم في وضع سيء للغاية، خاصة في الدول التي تعتمد على إرساليات مواطنيها الذين يعملون في دول المهجر الأكثر ثراء. وهذا سيؤذي باكستان وبنغلادش والفلبين ووسط أميركا وشمال افريقيا وشرق أوروبا.

وبالفعل، مع التباطؤ الأوروبي السريع وغرق روسيا في مشاكل حقيقية والعديد من اقتصادياتها المدينة ومشكلة سعر صرف العملة، فإن أوروبا الشرقية قد تعاني من انخفاض حاد. هل يوجد بصيص نور يضيء العتمة المقبلة.. ربما يكون ذلك من نتائج الربع الأخير من العام الحالي غير المتوقعة وغير العادية في الولايات المتحدة.. ليس لأنها دولة معروفة بمرونتها الاقتصادية والجهود الخارقة لمستهلكيها للعيش فوق المستوى الذي تسمح به قدراتهم، وليس لأنها تملك نظاماً داخلياً للتوازن مثل تحويلات الحكومة الفدرالية للثروات بين الولايات المزدهرة والأخرى المتعثرة.

(الوكالات)