اقترح ناصر السعيدي كبير الاقتصاديين في سلطة مركز دبي المالي العالمي عدة أولويات تشكل محاور عمل لاستقطاب المزيد من قيد الاكتتابات العامة الأولية وتشمل تأسيس اللوائح التنظيمية والتشريعية التي من شأنها أن تساعد على تأسيس أعمال الشركات العائلية، كمكاتب العائلة.
وبالتالي، يكون في مقدورها التواجد في المركز للحصول على مصادر التمويل والعمل على فتح الأسواق للشركات الأجنبية لكي تقوم بإدراج وقيد أسهمها في المركز، حيث تتوافر السيولة واللوائح والقوانين المنظمة لعمل الشركات، إلى جانب وضع القوانين لمكافحة التداول بناءً على تسريب معلومات داخلية، مشيراً إلى أن هذه مجرد مقترحات وليست تعبيراً عن الموقف الرسمي لمركز دبي المالي العالمي. وقال ناصر السعيدي في ندوة عقدت أمس بعنوان «الاكتتابات العامة الأولية في منطقة الخليج» ان مركز دبي المالي العالمي مفتوح للمستثمرين من دون قيود، ويمكن الاستثمار فيه بعملات مختلفة كالدولار واليورو والدرهم. ومن ثم، يتيح المركز فرصاً ضخمة، بحكم امتلاك المنطقة مستويات عالية من السيولة، في ضوء التحول الجاري للثروة باتجاه دول المنطقة التي توفر موارد مالية ضخمة بحاجة إلى إعادة توظيف. ومن ثم، تتركز الأولوية على فتح الأبواب أمام الشركات الأجنبية فضلاً عن الحكومات لكي تقوم بقيد إصداراتها في بورصة دبي العالمية، ومن ثم يجب علينا أن نكون أكثر نشاطاً في مجالي رأسمال المغامر وحقوق الملكية الخاصة. وتابع حديثه بقوله: يجب أن نكون نشيطين في مجال جذب الشركات الأجنبية العاملة في الإمارات المتحدة خاصة تلك المتواجدة من المناطق الحرة كمنطقة جبل علي التي تحضن نحو 6 آلاف شركة، وهذه هي الشركات التي يجب علينا التحدث معها، لكي تكون على معرفة بشروط وقواعد القيد وعلى دراية كذلك بالفرص الاستثمارية البديلة والمتاحة في السوق، وانه مع وضع شرط رأسمال صغير للقيد، سيكون بمقدورنا جذب الكثير من هذه الشركات، خاصة الشركات العائلية.
وأضاف ان المجال الآخر المطلوب ضخ استثمارات رئيسية فيه هو مجال حوكمة الشركات لأنه يعني تحقيق شفافية وإفصاح كبيرين، فالشركات والمصارف التي انهارت في أزمة الائتمان كان نتيجة إخفاقها في مجال حوكمة الشركات، حيث لم تؤد المجالس التنفيذية وإدارات المحاسبة والتعويض وظيفتها على ما يرام، ونحن هنا لدينا الفرصة، فمع تحسين مقاييس حوكمة الشركات، نقوي شركاتنا ونقوي الثقة فيها.
وتابع سرده لمقترحاته للأولويات بقوله: المجال الذي نحن بحاجة إلى أن نؤدي فيه بعض العمل هو مجال «الإطلاع على المعلومات الداخلية» فنحن نريد قوانين لمكافحة التداول بناءً على تسريب المعلومات الداخلية والتي تثبط معنويات المستثمرين.
الاكتتابات العامة الأولية
وقال ناصر السعيدي، ان قيمة الاكتتابات العامة الأولية في دول مجلس التعاون الخليجي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري قفزت إلى 7, 11 مليار دولار، أي بزيادة نسبتها تقريباً 100% بالمقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي.
ونحن نتوقع إصدار 151 اكتتاباً عاماً أولياً من الآن وحتى نهاية عام 2011، بقيمة تزيد على 30 مليار دولار، مشيراً إلى أنه خلال السنوات الأخيرة بين عامي 2003 ـ 2008، تجاوزت قيمة الاكتتابات العامة الأولية في منطقة مجلس التعاون الخليجي مستوى 4 مليارات دولار، في حين بلغت قيمة الاكتتابات العامة الأولية في الولايات المتحدة مليار دولار فقط، وأوروبا 4 مليارات دولار.
وقال ناصر السعيدي ان الاكتتابات العامة الأولية حققت نجاحاً مبهراً خاصة في قطاعات الأعمال الجديدة على غرار قطاع الاتصالات والمرافق العامة، ولكن جرى الاستثمار الضخم للحكومات بعيداً عن ملكية الأصول في مجال الاكتتابات العامة الأولية، ولكن الشيء المهم في هذا المجال، هو جلب المعنيين بالمرافق العامة في السوق.
وهذا يعني أن الناس لم تعد مهتمة فحسب بالسوق، وإنما كذلك مهتمة بتحركات الحكومات في السوق، وهذا الأمر ينطوي على أهمية بالغة، وذلك لأنه على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، هناك تحولات في السوق مؤداها أن الناس أصبح لها صوت واحد فيما يتعلق بالسوق والاقتصاد على حد سواء.
ورصد ملمحاً آخر للاكتتابات العامة الأولية بإشارته إلى أنها أضحت وثيقة الصلة بما يمكن أن يطلق عليه «عملية التدمير المبتكر»، حيث تطفوا على السطح شركات جديدة، وتختفي أخرى قديمة، فمثلاً عند مستهل إطلاق مؤشر «داو جونز» في 1986 كان يتألف من 12 شركة، وقد تبقت شركة واحدة فقط من إجمالي هذه الشركات.
وأرجع أسباب الاهتمام بالاكتتابات العامة الأولية في المنطقة إلى كونها تعيش في ظل تحولات ضخمة لخريطة المال والاقتصاد في العالم، وهو ما تظهره الأرقام، حيث انه في عام 1999، بلغت القيمة السوقية للأسهم في العالم 1, 36 تريليون دولار، واستحوذت الولايات المتحدة منها على حصة قيمتها 6, 16 تريليون دولار، فيما بلغت قيمة حصة الأسواق الصاعدة 3 تريليونات دولار فقط.
ولكن بحلول عام 2007، ارتفعت القيمة السوقية للأسهم في العالم طفيفاً لتبلغ 6, 64 تريليون دولار، استحوذت منها الولايات المتحدة على حصة قيمتها 9, 19 تريليون دولار، فيما ارتفعت حصة الأسواق الصاعدة لتبلغ قيمتها 9, 10 تريليونات دولار، وهذا يعني أن حصة هذه الأسواق قفزت ثلاث مرات على مدى ثماني سنوات.
وما نشهده الآن هو أن الأسواق الصاعدة بما في ذلك روسيا والهند والبرازيل صارت تشغل مكانة «القوى المسيطرة»، وينسحب الأمر ذاته على قيمة حجم تداول الأسهم في العالم الذي قفز من 4, 30 تريليون دولار في عام 1999 إلى 8, 98 تريليون دولار في عام 2007، كما صعدت حصة الأسواق الصاعدة من 9, 2 تريليون دولار في عام 1999 إلى 2, 10 تريليونات دولار في عام 2007، أي ما يوازي زيادة نسبتها 300% على مدى ثماني سنوات.
تحول الخريطة المالية
وخلص إلى أن هناك تحولاً تدريجياً في مراكز الثقل الاقتصادي على الخريطة المالية والاقتصادية للعالم من الأسواق المتطورة في الغرب نحو الشرق، وهو أمر صحيح سواء من زاوية الأسواق أو من ناحية اقتصادات مناطق العالم المختلفة، حيث ان الأسواق الصاعدة ساهمت بحوالي 70% من نمو الاقتصاد العالمي على مدى السنوات الخمس الماضية، كما أنها ساهمت خلال الفترة المذكورة بحصة نسبتها 40% من الناتج العالمي.
وأضاف ان هذا التحول رافقه تحول آخر وهو تزايد الاكتتابات العامة الأولية ونشاط الأسواق، فمنذ عشر سنوات مضت، جمعت الدول الكبرى 6 مليارات دولار،أي ما يوازي نسبته 5% من إجمالي عوائد الاكتتابات العامة الأولية على مستوى العالم، وقد سيطرت كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا على سوق الاكتتابات العامة الأولية، ولكن بحلول عام 2007، جمعت الدول الكبرى 119 مليار دولار.
وتابع حديثه بقوله: وفي عام 2007، كان لدينا في المنطقة 53 إصداراً لاكتتابات عامة أولية، ولكنها جمعت رؤوس أموال قيمتها 7, 30 مليار دولار، بما ذلك الاكتتاب العام لشركة موانئ دبي العالمية الذي يعد أكبر إصدار تشهده المنطقة في تاريخها والذي رفع رأسمال الشركة بقيمة 963, 4 مليارات دولار، وخلال الثلاثة أرباع الأولى من العام الجاري.
وعلى الرغم من أزمة الائتمان العالمية وأزمة وول ستريت، ظل وضع الاكتتابات العامة الأولية في المنطقة يتسم بالعافية والصحة وذلك بالمقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي، مع تجاوز قيمتها 13 مليارات دولار، واستكمال طرح 51 اكتتاباً عاماً أولياً، ومن ثم ظل سوق الاكتتاب العام الأولي في المنطقة يتميز بالقوة.
وأرجع أسباب تفاؤله بأفق الاكتتابات العامة الأولية في منطقة الخليج إلى عدة أسباب: من بينها، أولاً: ان المنطقة تشهد نهضة مالية واقتصادية حقيقية، فالأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام من لندن وول ستريت تبعث على الإحباط، حيث تنهار قيمة الأصول والأوراق المالية، وتجري هناك عملية أقلمة هيكلية، وهو ما يعني أيضاً انه صار هناك فرص استثمارية مع تراجع قيمة الأصول، وبالتالي، صارت هناك توقعات بأن تكون هناك المزيد من الصفقات والعوائد.
واستطرد في حديثه بقوله: ان الشيء المهم بالنسبة لمنطقتنا، هو أن آفاق النمو مازالت قوية، وذلك على الرغم من حقيقة أنه من المحتمل أن تدخل كل من الولايات المتحدة وأوروبا مرحلة الركود الاقتصادي. فالمحركان الرئيسيان للنمو في المنطقة هما الاستثمارات البنكية، خاصة الاستثمارات البنكية في قطاع البنية التحتية، وتزايد النمو السكاني الناتج عن انتقال المزيد من الأفراد إلى المنطقة للاستفادة من فرص النمو الاقتصادي.
مشيراً إلى انه لم يسبق أن شهدت المنطقة مثل هذا الازدهار السياحي وانتعاش الاستثمارات كما شهدته في السنوات الأخيرة، ومن المتوقع أن يستمر هذا الأداء الاقتصادي القوي مع المضي قدماً في عملية التكامل الاقتصادي التي يقفز في قلبها التكامل بين دول مجلس التعاون الخليجي، والتي نجحت على مدار السنوات الست الأخيرة من تحقيق فوائض ضخمة في ميزان الحساب الجاري تتراوح نسبتها بين 18 إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي.
فيما سجلت الميزانيات فوائض تتراوح نسبتها بين 15 إلى 18% من الناتج المحلي الإجمالي، وعندما يجري تجميع الاحتياطيات مع الأصول الدولية، يتضح أن دول مجلس التعاون الخليجي تتمتع بمركز أصول مريح قادر على الاستدامة والاستمرار، رغم التباطؤ المتوقع في نمو الاقتصاد العالمي، خاصة الاقتصادات الغربية.
وبالتالي، تتميز آفاق النمو في دول مجلس التعاون الخليجي بأنها جيدة، نتيجة لعوامل ومتغيرات محلية، فضلاً عن زيادة الروابط بين هذه الدول والأسواق الآسيوية الصاعدة، إلى جانب زيادة أواصر التكامل داخل المنطقة، وأعرب عن أمله أن تتجه دول مجلس التعاون الخليجي نحو الوحدة النقدية، بأن يكون لديها عملية خليجية موحدة ومصرف مركزي خليجي موحد، ومن ثم، سوف يمد العالم نظره إلى المنطقة من أجل الحصول على التمويل.
دبي ـ مجدي عبيد

