اتسع نطاق تأثيرات الأزمة المالية العالمية بشكل ملحوظ لتظلل خريطة العالم شرقاً وغرباً. وبرزت العديد من المؤشرات التي تعكس واقعاً اقتصادياً مؤلماً في مختلف بلدان العالم. ففي الولايات المتحدة الأميركية تراجعت ثقة المستهلكين وأنشطة بناء المساكن الجديدة وذلك في مؤشر جديد على تفاقم الأزمة. كما برزت مؤشرات سلبية عديدة في قارتي أوروبا وآسيا الأمر الذي زاد من المخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي.

وأظهر مسح أجرته جامعة ميشيجان للمستهلكين ان مؤشرها للثقة تراجع إلى 5, 57 في أكتوبر من 3, 70 في سبتمبر. وجاء ذلك عقب تقرير حكومي أميركي أظهر تراجع بدء مشروعات البناء الجديدة إلى أدنى وتيرة منذ يناير 1991.

وتواصل سوق بناء المنازل في الولايات المتحدة تدهورها مع تسجيل انخفاض اضافي في عدد الورش الجديدة في سبتمبر وصولا إلى ادنى مستوياته منذ يناير 1991. وتراجعت سوق بناء المنازل في سبتمبر بنسبة 3, 6% عن اغسطس لتنخفض إلى 817 ألف وحدة بوتيرة سنوية. والواقع ان التراجع اكبر من النسبة المعلنة اذ ان ارقام الشهر السابق خفضت من 895 ألف وحدة إلى 872 الفا.

واشارت التقارير إلى انخفاض رخص البناء في سبتمبر بنسبة 3, 8% إلى 786 ألف رخصة بوتيرة سنوية مسجلة ادنى مستوياتها منذ نوفمبر 1981. وتتخطى هذه الارقام توقعات المحللين الذين تحدثوا بمجملهم عن تراجع المؤشر إلى 840 ألف رخصة. وتم تخفيض ارقام الشهر السابق بشكل طفيف إلى 857 ألف رخصة عوضا عن 854 الفا.

ويرى امين تازي الخبير الاقتصادي في مصرف ناتيكسيس ان هذه الارقام تعبر عن «تدهور النشاط في قطاع البناء بوتيرة سريعة». واعتبر ان «تشديد شروط الحصول على القروض وضعف سوق العمل وتدهور أوضاع العائلات، كل ذلك سيواصل الضغط على سوق المساكن في الاشهر المقبلة». وبالمقارنة مع سبتمبر 2007، فان عدد ورش بناء المنازل تراجع بنسبة 31, 1% فيما تراجع عدد رخص البناء بنسبة 4, 38% بحسب ارقام الوزارة.

وهذه الارقام تأتي في اتجاه توقعات صندوق النقد الدولي وعدد من المسؤولين في الاحتياطي الفدرالي الأميركي الذين اعتبروا اخيرا ان سوق العقارات في الولايات المتحدة لم تتدهور بعد إلى ادنى مستوياتها. واشار يان شيفردسون الخبير الاقتصادي في معهد اتش اف اي إلى ان الوضع قد لا يكون «سيئا إلى الحد الذي يبدو عليه» موضحا ان تراجع عدد ورش المنازل في سبتمبر قد يكون ناتجا أيضاً عن الاعاصير، ورأى ان «النشاط لا يمكن ان يتراجع اكثر من ذلك بكثير».

والواقع ان وتيرة انخفاض المؤشرين تباطأت حيث ان تراجع عدد الورش ب3, 6% في سبتمبر يعقب نسبتي 5, 8% و9, 12% في اغسطس ويوليو على التوالي، في حين ان تراجع عدد الرخص بنسبة 3, 8% سبقه تراجع بنسبة 0, 8 في اغسطس.

وفي أوروبا أعلنت ايسلندا أنه ستقرر في غضون أسبوع ما إذا كانت ستقترض من صندوق النقد الدولي. واقتربت ايسلندا من الإفلاس بعدما تسببت أزمة الائتمان في انهيار بنوك لديها. وقالت متحدثة باسم الرئاسة الأوكرانية سيجتمع الرئيس فيكتور يوشينكو مع مسؤولين من صندوق النقد الدولي المستعد لمنح أوكرانيا ائتمانا بقيمة 14 مليار دولار من أجل إرساء الاستقرار بالقطاع المالي ببلدنا».

وفي روسيا التي تضررت بشدة بسبب الأزمة والقلق الدولي بعد حرب قصيرة مع جورجيا قال وزير المالية اليكسي كودرين ان المستثمرين سحبوا 33 مليار دولار خلال شهري أغسطس وسبتمبر.

وأضاف أن الأسهم ستواصل الهبوط. وقال مصدر انه سيتم تأميم بنك روسي اخر ليرتفع العدد إلى أربعة بنوك. وخفضت المجر توقعاتها للنمو في العام القادم بنحو نقطتين مئويتين فيما يظهر أن من المنتظر أن يعاني اقتصادها حتى إذا كان بإمكانها كبح القلق بالسوق بشأن بنوكها ووضعها المالي. و تراجعت في ايطاليا الطلبات الصناعية في أغسطس بنسبة 2, 5 في المئة. ويتوقع أصحاب العمل الايطاليون ان يتراجع إجمالي الناتج الداخلي بنسبة 2, 0 في المئة العام 2008.

وكانت ألمانيا توقعت ان يتراجع النمو العام المقبل بنسبة 2, 0 في المئة، فيما تشهد ايرلندا ركودا. اما الاستثمار في المؤسسات العقارية في ابرز الأسواق الأوروبية فتدهور بنسبة 33 في المئة في الفصل الثالث من هذا العام.

أما في آسيا كافحت الحكومات لإيجاد سبل لتعزيز بنوكها ومحاولة مواجهة التباطؤ الاقتصادي. وفيما يعكس تنامي القلق بشأن اتساع نطاق أزمة الائتمان قالت وكالة كيودو للأنباء ان لجنة من الحزب الديمقراطي الحر الحاكم باليابان تدرس برامج لإعادة رسملة البنوك الكبرى بأموال حكومية. وتعهدت كوريا الجنوبية بالتحرك لإرساء الاستقرار بالأسواق. وذكرت تقارير إعلامية أن خطوات من المقرر إعلانها اليوم الأحد قد تشمل تمويل البنوك المحلية التي تواجه مصاعب في العثور على بنوك دولية مستعدة لاقراضها بالدولار.

واجتمع رئيس الوزراء الاسترالي مع مسؤولين كبار بالقطاع المالي قالوا ان الائتمان بدأ ينضب وان شركات صغيرة بدأت تنهار رغم تطمينات بأن الاقتصاد في وضع جيد. وأعلنت سنغافورة وماليزيا أنهما ستضمنان جميع الودائع حتى ديسمبر عام 2010 بعد تحركات مماثلة في أنحاء العالم.

وفي الصين أعلنت شركة «سمارت يونيون» أكبر شركات لعب الأطفال في الصين إفلاسها بسبب تداعيات أزمة أسواق المال العالمية.وذكرت وكالة الأنباء الصينية «شينخوا» أن الشركة التي يقع مقرها في هونج كونج أغلقت مصنعين لها في إقليم جواندونج الصيني الأمر الذي تسبب في فقدان نحو سبعة آلاف عامل لوظائفهم. وأكد مسؤول محلي في الإقليم أن الوضع تدهور في أعقاب إيقاف التعامل بأسهم الشركة في البورصة.

وقالت الأمم المتحدة أن الشكوك المحيطة بالاقتصاد العالمي في الوقت الحالي قد تدفع نحو مئة مليون شخص إلى حافة الفقر.وأوضحت الأمم المتحدة أن نحو 4, 1 مليار شخص يعيشون حاليا في فقر مدقع، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة قد يؤدي إلى تدهور الأحوال المعيشية لملايين آخرين. وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إن «جهودنا للقضاء على الفقر يجب أن تتضمن ابداء الاهتمام عن كثب لاحترام حقوق الإنسان وكرامة الجميع».

وأضاف أنه يجب أن تتاح للفقراء الموارد التي يحتاجون إليها، ومنها الأرض والمال والمعرفة والمهارات، وذلك لمساعدتهم على النجاة من الفقر. وقالت ايفيلين هيرفكينز مؤسسة حملة أهداف الألفية للأمم المتحدة ان المساعدات المقدمة للدول الفقيرة تتضاءل بينما تضخ الدول الغنية تريليونات الدولارات في أنظمتها المالية المتداعية مما يهدد أهداف الأمم المتحدة لخفض الفقر.

وقالت: «عندما تعطس الأسواق المالية، يصاب الفقراء بالتهاب رئوي». وفي عام 2000 وضع أعضاء الأمم المتحدة أهداف الألفية للتنمية لخفض عدد من يعيشون بأقل من دولار واحد يوميا إلى النصف وخفض عدد من يعانون الجوع إلى النصف وتعزيز مساعدات التنمية بحلول العام 2015.

(الوكالات)