تشير الأصوات المخنوقة التي تبثها المحطات الإذاعية والتلفزيونية وتحكي قصصا حول فقد الوظائف وسحب ملكية المنازل وتراكم الديون وحالة البؤس الشديد إلى التحول الهائل في الاقتصاد الإيرلندي الذي باغت الآلاف على حين غفلة.

ومن بين تلك الأصوات صوت كاثلين الأم لأربعة أطفال، حيث كانت تبكي بشدة وهي تصف كيف أنها حصلت على قرض عالي المخاطر لإعادة طلاء بيت العائلة الذي ورثته. ومع تراكم متأخرات القرض عليها إلى سبعة آلاف يورو، تواجه كاثلين حاليا شبح فقدان هذا المنزل، حيث ان ارتفاع معدلات الفائدة أدى إلى زيادة قسط السداد الشهري من 1600 إلى 2300 يورو.

وقالت كاثلين: لا أستطيع تحمله أكثر من ذلك. ومع تناقص دخل زوجها الذي يعتمد على قطاع البناء المتعثر وتهديد شركة الرهون العقارية باللجوء للقضاء، فإنها لا ترى مخرجا أمامها وتشعر بالرغبة في الانتحار.

ويبلغ دخل الزوجين معا ثلاثة آلاف يورو شهريا، مما يعني أنه لا يمكن للزوجة الحصول على قرض عقاري تتجاوز قيمته 90 ألف يورو، ومع ذلك حصلت على قرض عالي المخاطر بقيمة 260 ألف يورو من شركة تابعة لبنك الاستثمار الأميركي المفلس ليمان براذرز.

وقالت كاثلين التي كشفت عن اسمها الأول فقط عندما تحدثت إلى إذاعة (آر تي إي) الوطنية الأيرلندية الأسبوع الماضي: لا أرى لذلك مخرجا.. أريد فقط أن أعود إلى ما كنت عليه سابقا.. كل ما أريده هو السعادة لأطفالي.

وتختلف هذه القصص تماما عن قصص فترة ازدهار الاقتصاد الأيرلندي التي تعرف باسم نمر أوروبا، كما أن أيرلندا تشعر بالصدمة إزاء السرعة التي تتفاقم بها الأزمة. ويقول فيرجوس جابهان ـ وهو مهندس في العقد الخامس من عمره تلقى إخطارا بأنه سيفقد وظيفته في غضون شهر ـ إن الناس تتساقط من قطاع البناء والهندسة كما تسقط الأوراق.

وأضاف جابهان الذي فقد بعض ماله أيضا في نظام ادخار روجت إليه الحكومة والذي تهاوت قيمته: إنه يتغير بأكمله. وذكر هذا يعني أن مدخراتي قد نفدت، ولا وقت لدي للجلوس وانتظار انقضاء هذه النكبة. لا أستطيع حقا تحمل البقاء هنا الآن.

وقد تغيرت حالة طريق رحلته اليومية إلى العمل في منطقة رينجاسكيدي ـ التي تعد معقلا لصناعة الأدوية بالقرب من مدينة كورك جنوب غربي أيرلندا ـ بصورة جذرية. يقول جابهان: لقد تلاشى الازدحام المروري تماما.

وصارت أماكن انتظار السيارات خاوية.. لقد شهدنا انحدارا من قبل، لكنك كنت ستجد وظائف صغيرة تمكنك من الاستمرار.. أما في وقتنا هذا فقد ألغيت كافة المشروعات الكبرى، وتلاشت جميع الوظائف الصغرى أيضا.

ويشعر جابهان وكأنه لا خيار أمامه سوى المغادرة، قائلا: لقد فعلتها من قبل، بيد أن تلك هي المرة الأولى التي يتعين علي فعل ذلك ولدي أطفال صغار، وأنا لا أتطلع لذلك. وأعربت جاكي جوران ـ إحدى أصحاب الأعمال الحرة ـ عن أملها في الانتقال من منزلها المكون من أربع غرف إلى آخر يتألف من ثلاث غرف فقط، بيد أن انحدار مؤشر سوق الإسكان أدى إلى عجزها عن بيع منزلها بعد عام من اتخاذ قرارها.

وقالت: إن الأزمة المالية تحد من خياراتك. لم يكن أمرا حيويا لي أن أبيع (منزلي) لكن الحقيقة هي أنني أردت الانتقال إلى منزل أصغر، ولم أستطع القيام بذلك. أما عن العمل الحر، فإنه يجعلك تنتظر متيقظا. لدي عمل يكفي للأشهر الستة المقبلة، لكن الأمر قد يختلف بعد ذلك.

ومع تباطؤ نمو الاقتصاد الإسباني وتزايد حدة أزمة الائتمان في اسبانيا خلال العام الحالي تراجعت معدلات الطلاق في اسبانيا. ويقول أنطونيو برادا المحامي المتخصص في قضايا الطلاق إنه يعتقد أن عدد حالات الطلاق انخفض خلال العام الحالي بنسبة 30%.

وأضاف «لقد أصبح من الصعب جدا بالنسبة لأي زوجين يريدان الطلاق أن يبيعا منزلهما بسعر معقول كما أن الأزمة المالية جعلت من الصعب على المرء تحمل عبء الحياة في منزل مستقل».

نتيجة لذلك أصبح أغلب الأزواج الذين وصلت الحياة الزوجية بينهما إلى طريق مسدود ولم يعد لدى أي منهما ما يقوله للآخر يفضلون استمرار الحياة تحت سقف واحد والاتفاق على ما يصفه برادا بأنه «أطر جديدة للحياة معا» بعيدا عن إطار الزواج السعيد.

انخفضت معدلات الطلاق في اسبانيا بوضوح في بداية العام الحالي عندما أدى انهيار قطاع العقارات وتباطؤ الاقتصاد العالمي إلى وضع نهاية لمسيرة النمو الاقتصادي التي استمرت نحو عقد من الزمان. فقد تراجع معدل النمو للاقتصاد الإسباني من 8. 3% العام الماضي إلى صفر في المئة العام الحالي وارتفع معدل البطالة إلى 10%.

وانخفضت أسعار المنازل بأكثر من 10% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي وفقا لبيانات شركة تينسا للتثمين العقاري. وتخطط الحكومة الإسبانية حاليا لضخ ما يصل إلى 150 مليار يورو (200 مليار دولار) إلى الأسواق المالية لتعزيز موقف البنوك. وإذا فشلت هذه الخطة فإن انخفاض أسعار العقارات بشدة وصعوبة الحصول على قروض عقارية سوف يقلل معدلات الطلاق بصورة أشد.

وقال المحامي برادا «الأزواج الذين يريدون الانفصال ربما يضطرون إلى الحياة معا إلى الأبد» بسبب الظروف الاقتصادية. ولذلك فإنه يمكن القول إن للأزمة المالية وجها مضيئا وهو «حماية الحياة الزوجية من الانهيار» في حالة وجود حد أدنى من الود بين الزوجين وإن كان ذلك لا يعني أن الحياة ستكون سعيدة لهؤلاء الأزواج.

كانت معدلات الطلاق قد تزايدت باطراد في اسبانيا منذ تقنين عملية الطلاق عام 1981 حيث يصل المعدل إلى 100 ألف حالة سنويا. وقد يسرت حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي خوسيه لويس رودرجيث ثاباتيرو إجراءات الطلاق عام 2005.

يقول المحامي برادا إن تيسير إجراءات الطلاق لم يؤد إلى زيادة حالات الطلاق على نطاق واسع لأن التعديل الأساسي في القوانين الجديدة كان مطبقا بالفعل قبل تقنينه. وكما أدت الأزمة الاقتصادية إلى تقليل حالات انفصال الأزواج فإنها أيضا أثرت على علاقة الآباء بأبنائهم الراشدين.

ففي حالات كثيرة لم يعد في مقدور الأبناء البالغين الانفصال عن آبائهم والحياة في منازل منفصلة بل إن بعض الأبناء الذين كانوا قد انتقلوا للحياة في منازل خاصة اضطروا إلى العودة إلى منزل الأسرة من جديد.

يقول خوسيه لويس أرويو من مجلس الشباب الإسباني إن هذه الظاهرة أصبحت واضحة تماما خلال العام الماضي عندما زاد عدد الشباب الذين انفصلوا عن الأسرة بنسبة 8. 2% مقابل 5% عام 2006.

وأضاف ان الأسرة في دول اسبانيا والبرتغال وإيطاليا مازالت تعلب دورا حيويا في حياة أبنائها مقارنة بدول شمال أوروبا التي تقدم فيها الحكومات الكثير من الدعم الاجتماعي والخدمات للشباب الذين يبحثون عن الاستقلال عن أسرهم.

جيوش من العاطلين

أدت الآثار المتراكمة للأزمة الائتمانية العالمية وتهاوي قطاع العقارات إلى ارتفاع عدد العاطلين في ايرلندا بنسبة 49 في المئة العام الماضي، بل ومن المتوقع أن يصل المعدل إلى 3. 7 في المئة العام المقبل.

وأظهرت الإحصاءات التي أصدرها المكتب المركزي للإحصاء عن شهر سبتمبر الماضي أن عدد الأشخاص الذين يتلقون إعانات بطالة ارتفع إلى 244500 شخص، وهو عدد يزيد بنسبة 48 في المئة عن الشهر ذاته من العام الماضي، ويعد الأكبر خلال 11 عاما. أما عن الأشخاص العاملين فإنهم يشعرون بالعجز إزاء تأمين أنفسهم ضد ما يمكن أن يكون وقتا عصيبا مقبلين عليه.