بدأت العاصفة المالية العالمية التي أشعل فتيلها انهيار قطاع الرهن العقاري عالي المخاطر في الولايات المتحدة في اجتياح نواح من الحياة كان يبدو أنها محصنة أمام الهزات في البورصة والنظام المصرفي. بيد أنه بعد مرور 15 شهراً على بداية الأزمة ومع تنامي الشكوك الاقتصادية ونضوب الائتمان فإن تأثيرات الاضطرابات في القطاع المالي بدأت تلقي بظلالها الثقيلة على مجموعة واسعة من الأنشطة.
مكاتب التعارف
ويبدو أن عبارة «لا أموال لا زواج» تنطبق على مكاتب التعارف للزواج التي تشهد ركودا مع الأزمة العالمية كما أن الكساد الذي بدأ يلوح في الأفق يؤثر على الحياة الاجتماعية في البلاد. قالت المكاتب في سنغافورة إن الأزمة المالية أجبرت الكثير من الرجال على التفكير أكثر من مرة قبل إنفاق آلاف الدولارات على الزواج.
وقال مارك لين الذي يدير مؤسسة فيتنام برايدز انترناشيونال ماتشميكر في سنغافورة «نحو 10 في المئة من عملائي يقولون (الاقتصاد يتباطأ.. ليس معي مال)». وأضاف جالسا في مكتب صغير للغاية «في الماضي كانت الفتيات يتزوجن خلال أسبوع أو اثنين. الآن يستغرق زواجهن شهرا أو شهرين».
وكان يجلس في المكتب خمس فيتناميات يتجاذبن أطراف الحديث وسط جدران مغطاة بصور العرسان الجدد. ومضى لين يقول إن ثلاثة إلى أربعة عملاء ينسحبون من مشروع الزواج شهريا الآن فيخسرون بذلك المبالغ التي يدفعونها للوكالات بعد أن كان عدد المنسحبين عميلا أو اثنين شهريا قبل ذلك.
اضطرابات البنوك
وتجاوزت الأزمة التي أشعلت اضطرابات في البنوك من الولايات المتحدة إلى أيسلندا الأسواق المالية إلى الاقتصاد الفعلي في الوقت الذي أجبر فيه تراجع أسعار المنازل ومخاوف من فقد فرص العمل المستهلكين على خفض النفقات.
وقالت هانا التي تعمل في وكالة ترو لاف انترناشيونال ماتشميكر في سنغافورة ورفضت ذكر اسمها بالكامل «تضررت الأعمال بشدة من هذه الأزمة. في الماضي كنت أتلقى نحو 20 مكالمة يوميا. الآن لا تصلني تقريبا أي مكالمات».
وقالت «البعض يقول إن الضغوط المالية التي يسببها الزواج كبيرة للغاية» في بلد كان يمر بفترة انتعاش في العام الماضي ولكن من المتوقع أن يشهد كسادا خلال الربع الثالث من العام. وعادة ما ينفق الخطاب في سنغافورة آلاف الدولارات عندما يتزوجون، لأن المتزوجين حديثا يستقبلون الأهل والأصدقاء في حفل عشاء فاخر احتفالا بهذه المناسبة.
معاهد الحاخامات
وقال فالتر هومولكا عميد معهد «أابراهام جايجر» بمدينة بوتسدام العاصمة التاريخية لولاية براندنبورغ التي تطوق برلين: «دون مساعدة فعالة وسريعة سنضطر لأن نغلق أبوابنا». وبعد أن نجا المعهد من التراجع الكبير في سعر الدولار مؤخرا فإنه يواجه الآن انهيارا في التبرعات القادمة من الولايات المتحدة وأوروبا نتيجة أكبر أزمة مالية يشهدها العالم منذ «الكساد الكبير» في ثلاثينات القرن الماضي.
ويوفر المعهد التابع لجامعة بوتسدام أول دورات تعليمية للحاخامات في منطقة وسط أوروبا منذ الهولوكوست (المحرقة النازية لليهود). وقال هومولكا إن إغلاق المعهد سيمثل خسارة كبرى لألمانيا ونكسة لمسيرتها الرامية لإحياء الجالية اليهودية في البلاد بعد مرور أكثر من 70 عاما على تآمر النازي لمحو الحياة اليهودية في ألمانيا.
وأضاف هومولوكا ان المعهد الذي قام بأول رسامة كهنوتية عام 2006 هو دليل على «انبعاث الحياة اليهودية من جديد» في ألمانيا. وتولى حاخامات تخرجوا من المعهد مناصب في كيب تاون وبرشلونة وهانوفر. وتحدد شهر يونيو عام 2009 موعداً للرسامة التالية.
ويقول هومولوكا إنه إلى جانب الانتكاسة التي ستلحق بجهود إحياء الجالية اليهودية في ألمانيا، فإن إغلاق المعهد سيضر بصورة البلاد «بشكل يصعب فهمه». ومضى إلى القول انه لا يوجد موقع بديل للمعهد الذي تأسس قبل نحو 10 سنوات. غير أن المعهد ينتظر منذ نحو عامين دعما ماليا من حكومات الولايات الألمانية.
وأعلنت وزارة الثقافة في بوتسدام أن ولاية براندنبورغ التي تدعم المعهد بمبلغ 50 ألف يورو سنوياً تعتزم الضغط على وزارات الثقافة في ولايات أخرى لجمع نحو 200 ألف يورو (273 ألف دولار) لمساعدة المعهد على اجتياز الأزمة الحالية. كما تقدم الحكومة الاتحادية الألمانية والمجلس الأعلى لليهود في ألمانيا مساعدات مالية للمعهد.
وأشار هومولكا إلى أنه بسبب نقص التمويل والتبرعات فإن موازنة المعهد لعام 2009 توجد بها فجوة كبيرة وأن المعهد لم يدبر حتى الآن سوى 50% تقريبا من الأموال اللازمة للقيام بأنشطته. وأضاف الرجل ان «برنامجا لتدريب الحاخامات في ألمانيا يحظى باعتراف دولي سيختفي نهائياً» إذا لم يحدث تحسن كبير في أوضاع المعهد المالية.
وقال هومولكا إن «الأزمة المالية وتأثيرها على التبرعات تظهر أن تدريب الحاخامات في ألمانيا لا يمكن أن يعتمد على المساعدات المالية من المواطنين الأميركيين لفترة طويلة».
(د ب أ)