تسارعت وتيرة الأزمة المالية العالمية أمس حيث عصفت المخاوف من كساد عميق بالأسواق المالية حتى رغم سعي الحكومات لمزيد من الإجراءات للحيلولة دون إصابة الاقتصاد العالمي بالشلل التام. وقال رئيس الوزراء الياباني تارو اسو ان واشنطن قد تحتاج لضخ مزيد من الأموال في بنوكها لاستعادة ثقة المستثمرين التي بددتها الأزمة المالية التي بدأت بانهيار سوق المساكن الأمريكية وتهدد الآن الاقتصادات في شتى أنحاء العالم.
وأظهر مسح أجرته مؤسسة ميريل لنيش أن 84 بالمئة من مديري الصناديق الاستثمارية يرون أن العالم يتجه نحو كساد. وقال مارينو فالنسيز كبير مديري الاستثمار في بيرنج اسيت مانجمنت في هونغ كونغ «هذه نهاية البداية. إننا نتحول من وضع كانت البنوك فيه هي اللاعب الرئيسي في الأزمة إلى وضع سيأتي فيه الدور على الاقتصادات الحقيقية».
وقال البنك المركزي الأوروبي انه سيقدم ما يصل إلى خمسة مليارات يورو (83. 6 مليارات دولار) للمجر من أجل دعم السيولة. ويجري صندوق النقد الدولي محادثات لإيجاد سبل لمساعدة اقتصاد أوكرانيا.
بيد أن خسائر أسواق الأسهم ألقت بظلالها على هذه التحركات. وقال مراقبون إن الأسواق تبيع الأسهم بكميات هائلة لان المستثمرين لا يزالون يعتقدون أن الخطوات التي تأخذها السلطات الأميركية ليست كافية. وتعهدت الحكومات في شتى أنحاء العالم بالفعل باجراءات طارئة، لكن انعدام الثقة ظل العنصر السائد بين المؤسسات المالية.
وأودعت البنوك مبلغا قياسيا بلغ 8. 210 مليارات يورو في البنك المركزي الأوروبي خلال الليل بدلا من أن تقدم قروضا لبعضها البعض. وتراجعت تكلفة القروض بين البنوك قليلا مع استمرار البنوك المركزية في توفير السيولة لكن تحرك البنوك المركزية يعني أن البنوك التجارية ليست مضطرة للاقتراض من بعضها البعض.
المورد الوحيد
وقال جيوم بارون المحلل الاستراتيجي في سوسيتيه جنرال في باريس «المورد الوحيد للسيولة الآن هو البنك المركزي». والى أن تبدأ الائتمانات من خلال قروض ما بين البنوك في التدفق بحرية مرة أخرى فمن المستبعد أن ينتعش نشاط الشركات وإنفاق المستهلكين.
وعادت المخاوف من الكساد إلى بؤرة اهتمام الأسواق بعد أن ساعدت تريليونات الدولارات التي جرى التعهد بها لإنقاذ البنوك في أوروبا واسيا في تبديد المخاوف من انهيار مالي وشيك. وقال فرنسوا شوليه محلل السوق في شركة مونسيجور للتمويل لأسواق ما زالت في حالة اهتزاز شديدة ولكننا على المسار الصحيح إلى استعادة الثقة».
وقال رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون إن الكساد في الولايات المتحدة سيكون له انعكاساته في أوروبا. وأوضح فيون لراديو ار.تي.ال. الفرنسي «إذا ما دخلت أميركا في كساد سيكون ذلك بالطبع أنباء سيئة للغاية لنا لان ذلك سيعني ان كل الدول المتقدمة ستواجه عاما صعبا للغاية في 2009».
وقالت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل إن الأزمة المالية العالمية ستضرب الاقتصاد الألماني أيضا ولكنها لن تؤدي إلى كساد كبير ودائم. وأوضحت ميركل التي كانت تتحدث في مجلس النواب بالبرلمان الألماني ان ألمانيا قوية ولكنها تواجه فترة صعبة.
وقالت «علينا ان نتوقع ضعف النمو» غير أنها أضافت ان اتجاها هبوطيا مستمرا في الاقتصاد لا يلوح في الأفق. ومن المتوقع ان تقلص ألمانيا توقعات النمو الاقتصادي لعام 2009 إلى 2. 0 في المئة من 2. 1 في المئة سابقا وقال وزير المالية بيتر شتاينبروك ان اكبر اقتصاد في أوروبا يمكن ان ينزلق إلى الكساد.
وفي كلمتها أمام البرلمان دافعت ميركل عن إقرار مجلس وزرائها لخطة إنقاذ تبلغ 500 مليار يورو تشمل 400 مليار يورو من الضمانات لمساعدة البنوك في التغلب على نقص السيولة ومليار يورو من أموال الدولة تستخدم بصفة رئيسية في إعادة رسملة البنوك.
وقالت ميركل ان ألمانيا ستدفع باتجاه قواعد دولية جديدة للنظام المالي مكررة مطالبها بأن يتولى صندوق النقد الدولي دورا إشرافيا اكبر. وستشكل الحكومة أيضا مجموعة خبراء جديدة لتقييم نظام سوق المال.
الأسواق تشتعل
وقال وزير المالية الألماني بيتر شتاينبروك للبرلمان «اذا كانت الأسواق المالية العالمية تشتعل ..أيها السيدات والسادة .. فعلينا إذن أن نخمد هذه النار. حتى لو كان إشعال النار متعمدا. ولكن بعد ذلك يتعين منع مشعلي النار المتعمدين من عمل أي شيء مثل ذلك ثانية».
وتحركت اليونان أيضا لإخماد النار. وقال وزير المالية جورج لوجوسكوفيس ان البلاد مستعدة لانفاق 4. 11 في المئة من إجمالي ناتجها القومي لمساعدة بنوكها على التعامل مع أزمة الائتمان والحد من تأثيرها على الاقتصاد الحقيقي. وقال الوجوسكوفيس للصحافيين بعد اجتماع الحكومة «الهدف ليس هو إنقاذ البنوك أو إنقاذ النظام المصرفي بل الهدف هو حماية الاقتصاد من أثار أزمة غير مسبوقة على مستوى دولي».
وتقدم الخطة ما يصل إلى 28 مليار يورو لاستعادة السيولة إلى المؤسسات المالية وتقوية قاعدة رأسمالها. وقال الوزير ان التشريع سيتم تقديمه إلى البرلمان «في اقرب وقت». وفي ظل الخطة تعد الحكومة مستعدة لتعزيز رأسمال البنوك اليونانية بما يصل إلى خمسة مليارات يورو بشراء الاسهم الممتازة التي تتمتع بحقوق التصويت.
وتعهدت الحكومة بضمان ما يصل إلى 15 مليار يورو من الإقراض بين البنوك لمعالجة احتياجات السيولة الملحة في البنوك وهي مستعدة لإصدار ثمانية مليارات يورو من السندات الخاصة لكي تتمكن من ضخ سيولة في البنوك.
المركزي اليوناني
وأشاد جورج بروفوبولوس محافظ البنك المركزي ياليونان بالتحرك مضيفا ان كفاية رأس المال في البنوك اليونانية من المرجح أن «تنخفض نوعا ما» كنتيجة للازمة المالية. وقال بروفوبولوس «بهذا التحرك فان وجود الدولة وحده سيعمل كمحفز يسمح للبنوك بتعزيز قاعدة رأسمالها بأفضل صورة ممكنة.
وهناك شروط بان الدولة سترفع يدها بعد فترة محددة فالدولة لم تأت للبقاء بل إنها فترة مؤقتة فقط». وفي الأسبوع الماضي رفعت اليونان الضمانات على ودائع البنوك إلى 100 ألف يورو من 20 الف يورو على الرغم من أن البلاد نجت إلى حد كبير من تداعيات أزمة الائتمان العالمية.
علامات قوية
تزايدت العلامات على ركود يلوح في الأفق. وقالت الحكومة الأميركية إن مبيعات التجزئة انخفضت بنسبة 2. 1 في المئة في سبتمبر في اكبر هبوط في ثلاثة أعوام وان أسعار الجملة تراجعت 4. 0 في المئة. وتراجع نشاط التصنيع في ولاية نيويورك في أكتوبر.
وقال بنك جي.بي مورجان تشيس إن أرباحه للربع الثالث هبطت بنسبة 84 في المئة بينما أعلن بنك ويلز فارجو عن انخفاض في الأرباح بلغ 25 في المئة. وأظهرت ارقام رسمية ان البطالة في بريطانيا ارتفعت إلى 7. 5 في المئة وهو أعلى مستوى لها في ثمانية أعوام.
وقال البنك المركزي الأوروبي أيضا انه سيسمح للبنوك بمبادلة نطاق اكبر من أصولها مقابل الحصول على أموال من البنك المركزي وانه سيوفر سيولة نقدية إضافية من الدولارات عبر مبادلات النقد الأجنبي.
وكانت دول جنوب شرق آسيا التي تلقت دعما قدره عشرة مليارات دولار من البنك الدولي الأخيرة في الانضمام إلى جهود الإنقاذ بموافقتها على إنشاء صندوق بقيمة عدة مليارات من الدولارات لمساعدة البنوك.
