بلغ حجم الدعم الذي قدمته الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية واليابان لمؤسسات القطاع المالي التي كانت تعمل قبل اندلاع أزمة الائتمان الأخيرة بمعزل عن أي تدخلات حكومية نحو 4 تريليونان دولار حتى أمس لتأذن بمرحلة جديدة ربما تكون بداية لنشوء فكر مختلف عن الأفكار الاقتصادية المعروفة سابقاً والتي كانت تتركز في اتجاهين الأول رأسمالي بحت نضج وترعرع في أوروبا الغربية والولايات المتحدة وبعض البلدان الآسيوية قبل أن ينتشر بقوة المؤسسات المالية الدولية التي نشأت في نهاية أربعينات القرن الماضي.
أما الثاني فيتمثل في الفكر الاشتراكي الذي رعته روسيا سيدة الاتحاد السوفييتي السابق، لكنه بدأ يضمحل شيئاً فشيئا خلال العقد الأخير من القرن الماضي. وفيما حددت واشنطن 700 مليار دولار كمبلغ مبدئي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مؤسسات مالية تعرضت لانهيارات بعضها مفاجئ وبعضها نتاج تراكمات سياسات خاطئة، ضخت بلدان أوروبا مجتمعة 3 تريليونات دولار مقابل نحو 300 مليار لليابان. وخارج منظومة هذه البلدان سارعت دول ناشئة مثل الهند وتايوان وغيرها للإعلان عن خطوات تمثل معظمها في تدخل حكومي مباشر.
مصطلح التأميم
ورغم أن واشنطن والعواصم الأوروبية لم تستخدم مصطلح «تأميم» بشكل مباشر ربما من منطلق الحساسية تجاه ذلك المبدأ، إلا أن الواضح هو أن المبالغ الضخمة التي ضختها خزائن تلك الحكومات مضت في اتجاه وضع اليد على مجموعة من المصارف والمؤسسات المالية. وبدأت الإدارة الأميركية في ضخ رأسمال بشكل مباشر في مؤسسات مالية من خلال شراء حصص من الأسهم في مسعى للمساعدة في فك جمود أسواق الائتمان الناجم عن انهيار سوق الإسكان.
وتشمل الخطوة مصارف معروفة من بينها بنك أوف أميركا وويلز فارجو وسيتي جروب وجيه.بي مورجان وجولدمان ساكس ومورجان ستانلي وبنك اوف نيويورك ميلون كورب. واستبق الرئيس الأميركي جورج بوش أية انتقادات قد توجه له وتتهمه بالتخلي عن الفكر الاقتصادي الليبرالي الحر وقال عقب اجتماع مع كبار مستشاريه الاقتصاديين إن الإجراء لا يعدو أن يكون إجراءً قصير الأجل اقتضته ضرورة ضمان قدرة المصارف على البقاء في وقت يتعرض له النظام المالي بأكمله لهزه عنيفة. وحرص بوش على القول إن الخطوة ستكون محدودة ولن تقوض أسس حرية الأسواق.
فشل زريع
واعتبر محللون إن الخطوة تعكس فشل إدارة بوش في معالجة الأزمة المصرفية من خلال الأسس الرأسمالية المتبعة واللجوء إلى ما هو أشبه بالفكر الاشتراكي والذي يتمثل في جزء كبير منه في تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي. وفي الواقع تشكل الخطوة تراجعاً كبيراً في الفكر الأميركي الذي كان سائداً حتى بعد اندلاع الأزمة، فقد أكد وزير الخزانة هنري بولسون في وقت سابق من الشهر الحالي أن أي تدخل مباشر من قبل الحكومة الأميركية في رؤوس أموال المصارف التي تواجه مشكلات ائتمانية يندرج تحت طائلة الفشل في التمسك بمبدأ الاقتصاد الحر.
أوروبياً بدأت الحكومة البريطانية في التجاوب مع دعوة لتقديم دعم مالي مباشر لأكبر أربع مصارف عاملة في البلاد وهي «اتش بي أو اس» و«رويال بنك اوف سكوتلند» و«لويدز تي اس بي» و«باركليز» وضخ نحو 60 مليار دولار لإنقاذها من انهيار محتمل. وفي حال حدوث هذا الأمر غير المسبوق فإن الحكومة البريطانية ستكون صاحبة حصة كبيرة من أسهم تلك البنوك.
ويسعى رويال بنك اوف سكوتلند الذي هبطت قيمته السوقية لأقل من 12 مليار إسترليني لضمان الحصول على نحو 22 مليار دولار، فيما يحاول اتش بي أو اس وهو اكبر بنك يقدم قروضا عقارية في بريطانيا للحصول على نحو 17 مليار دولار. وبالمثل وضعت فرنسا والتي أصرت طوال الأيام التي أعقبت اندلاع الأزمة على متانة نظامها المصرفي والتشديد على عدم نيتها لإحداث أي تحول فيما يتعلق بعلاقتها مع المؤسسات المالية، خطة تبلغ كلفتها نحو 490 مليار دولار لضمان إعادة تمويل البنوك وهيكلة رؤوس الأموال المتعثرة.
الخلطة الفكرية
وكشف واضعو السياسات المالية في ألمانيا عن حزمة إنقاذ بقيمة 549 مليار دولار تشمل ضخ رأسمال بقيمة تزيد على عشرة مليارات دولار في البنوك وضمانات للإقراض بين المؤسسات المصرفية.
وفي الواقع النظام الاقتصادي القائم على الخلطة الفكرية ليس بالأمر الجديد فهنالك العديد من النماذج التي تقوم على الجمع بين عدد من الأفكار والأيدلوجيات، فدول الاتحاد السوفييتي السابقة وبعض بلدان أوربا الشرقية والصين ظلت تجمع بين الليبرالية والاشتراكية، كما تجمع العديد من البلدان العربية بين مبادئ الاقتصاد الإسلامي والاندماج في العولمة والموازنة بين مختلف الأنظمة. لكن الأمر الجديد هو أن الدول التي كانت تعتبر أكثر تطرفاً في التمسك بالرأسمالية بدأت تكتشف سلبيات وشوائب هذا النظام.
فبعد أن تبنت تلك الدول نوعاً من الليبرالية الاقتصادية التي تضمن توفير أسس الحياة المهمة كالصحة والتعليم وغيرها من خلال العائدات الضريبية مع ترك الحرية لرؤوس الأموال للتحرك دون قيود سوقية ودون اعتبار للانتهاكات التي يمكن أن تحدث، تنبهت في خضم الأزمة الخطيرة لخطورة تجاهلها لمبادئ الشفافية والرقابة الأمر الذي ولد حالة من الطبقية الصارخة وجعل من المتحكمين في الأسواق ظاهرة ملحوظة الوجود.
وتجيء هذه التطورات على خلفية انكشاف مكامن الضعف في الأنظمة الاقتصادية الاشتراكية والتي تمثلت في الفشل في تحقيق حلم العدالة الاجتماعية الذي تقوم عليها مبادئها في الأساس، وأحدثت نوعاً من الخلل في التركيبة الإنتاجية وكانت النتيجة تزايد درجة التخلف والفقر.
المنهجية الغربية
ومهما كانت دواعي ومقتضيات المنهجية الأوروبية والغربية الجديدة فإن نتائجها لا تخلو من الغموض وليست بعيدة عن فرضية الفشل. وبرزت عدة أصوات معارضة حتى قبل البدء في تنفيذ تلك المنهجيات باعتبار أنها تحمل دافع الضرائب تبعات إخفاقات وأخطاء المؤسسات المالية والمصارف.
ويقول منتقدون إنها أظهرت عجز الحكومات عن الاضطلاع بدورها المنوط بها في إطار النظام الرأسمالي الليبرالي الحر والمتمثل في ضمان أسس الشفافية والنزاهة الإفصاح. ومضى البعض إلى أبعد من ذلك حيث اعتبر أن الأزمات الحالية هي صناعة أميركية أريد بها تغطية جوانب الفشل في السياسات الاقتصادية المعلنة، وتحميل دافعي الضرائب فاتورة الإنفاق العسكري والسياسي، وهو أمر قد تدعمه حقيقة ارتفاع حجم الدين الأميركي العام إلى أرقام غير مسبوقة حيث تشير الإحصاءات إلى وصوله إلى نحو 13 تريليون دولار.
ومن المتوقع حسب تقرير أصدرته مؤسسة «فيتش» للتصنيف الائتماني أن تشهد مستويات الدين الحكومي أعلى معدلات لها منذ خمسينات القرن الماضي وهي الفترة التي أعقبت خروج الولايات المتحدة الأميركية منهكة من تبعات الحرب العالمية الثانية.
وأبدى خبراء اقتصاديون مخاوف كبيرة من أن تؤدي عمليات الإنفاق الحالية التي تقوم بها الحكومة لإنقاذ مؤسسات متعثرة إلى صرف مبالغ إضافية ترفع من حجم الدين الذي يتحمل عبئه المواطن الأميركي العادي، على الرغم من المصير المجهول الذي قد تؤول إليه أوضاع المؤسسات المعنية بالإنقاذ، وهو ذات الأمر الذي ينطبق على بلدان القارة الأوروبية التي تواجه هي أيضاً مشكلات اقتصادية متفاقمة.
براون يطالب بإعادة بناء صندوق النقد الدولي
حض رئيس المفوضية الأوروبية ورئيس الوزراء البريطاني الأربعاء الولايات المتحدة على تعاون دولي اكبر لمراقبة النظام المالي بعد الأزمة، وتحدث غوردن براون عن ضرورة «إعادة بناء» صندوق النقد الدولي.
وقال جوزيه مانويل باروزو للصحافيين قبيل افتتاح قمة قادة الاتحاد الأوروبي ان «اوروبا تولت ردا عالميا» على الأزمة المالية عبر خطط مساعدة كبيرة للمصارف أعلنت هذا الأسبوع، وأضاف «علينا مواصلة هذا العمل» لاستخلاص العبر مما حصل. واضاف باروزو الذي سيبحث موضوع الأزمة المالية بعد غد السبت في كامب ديفيد مع الرئيس الأميركي جورج بوش ان «الأولوية القصوى تكمن في تعزيز التنسيق على الصعيد الدولي وخصوصا مع الولايات المتحدة».
وسيرافق المفوض الأوروبي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي يتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي. بدوره، حمل براون المسؤولية للولايات المتحدة التي اتهمت في الأعوام الأخيرة برفض تنظيم الأسواق. وقال انه بعد العملية العاجلة لانقاذ المصارف «ينبغي التأكد من عدم تكرار المشاكل التي برزت في النظام المالي، ونعلم ان هذه المشاكل بدأت في الولايات المتحدة».
كتب ـ كمال عبدالرحمن
