نظم مركز شؤون الإعلام بمقره في أبوظبي أمس الأول ندوة تناولت الأزمة المالية العالمية وانعكاساتها على النظام المالي العالمي والدول العربية شارك فيها نخبة من رجال الاقتصاد في صندوق النقد العربي وهم: الخبير الاقتصادي الدكتور عدي قصيور الخبير الاقتصادي، والدكتور إبراهيم عاكوم، والدكتور خالد عبد القادر من معهد السياسات الاقتصادية، وعمر تيون من دائرة الاستثمارات بصندوق النقد العربي.
بدأت الندوة بورقة عمل قدمها الدكتور عدي قصيور حيث أشاد فيها بقرار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة القاضي بضمان الودائع والقروض المصرفية مبينا أنه القرار أعاد الثقة في للسوق المحلي وهو ما يساعد في حماية ودعم القطاع المالي والاقتصادي وتطمين المستثمرين المحليين والأجانب العاملين في الدولة. مشيرا إلى أن دولة الإمارات قامت بتأسيس صندوق لدعم البنوك وخصصت له 50 مليار درهم كإحدى آليات التعامل مع تداعيات الأزمة المالية العالمية. وأوضح أن الاقتصاديات العربية لم تكن بعيدة عن تداعيات الأزمة، حيث خسرت أسعار النفط 39 % من قيمتها وقد تستمر في الهبوط بسبب الخوف من الكساد مشيرا إلى أنه يمكن أن يؤثر في عائدات الدول العربية المصدرة للنفط.
واستعرض المحاضر أسباب الأزمة المالية الراهنة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن جذورها بدأت مع انهيار سوق العقارات في الولايات المتحدة الأميركية نتيجة ارتفاع أسعار فائدة الرهونات الذي تسبب في انتشار حالة من عدم الثقة في السوق المالي مما ترتب عليه خسائر كبيرة وأزمة في الائتمان ونقص في السيولة.
وقال الخبير الاقتصادي إن هذه الأزمة انعكست بعمق على العالم وطالت مختلف الأسواق في الدول التي لحقتها خسائر كبيرة وأحدثت اضطرابات في مختلف القطاعات الاقتصادية، ونجم عنها إعلان إفلاس العديد من المؤسسات المالية والاستثمارية وهي مرشحة للاستمرار، كما سجلت البورصات العالمية تراجعا في مؤشراتها ووصلت هذه الخسائر إلى أرقام فلكية وهي خاضعة للتغيير مع الوقت.
واستعرض السياسات النقدية والمبادرات المالية التي اتخذتها دول العالم للتعامل مع هذه الأزمة مبرزا اتجاه البنوك المركزية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية وغيرها إلى تخفيض أسعار الفائدة الرسمية التي لا مناص عنها، إلى جانب ضخ الأموال في الأسواق بعد يومين من حدوثها لمنع انهيار المؤسسات المالية والتي وصلت إلى أرقام ضخمة وهو ما قد يؤدي إلى عجز كبير في الميزانيات العامة.
وتوقع الخبير الاقتصادي أن تزداد بسبب هذه الأزمة عمليات استحواذ واندماج خلال الفترة القادمة خاصة في قطاع البنوك حيث تجاوزت 250 مليار دولار مشيرا إلى أن الأصول الموجودة في المصارف المركزية الأجنبية وهي أساسا مستثمرة بشكل أوراق مالية مضمونة فوائد عائداتها يمكن أن تعاني من خسارة، مبينا أن هذه الأزمة تمنح للصناديق السيادية العربية فرصا فريدة للاستحواذ على مؤسسات وأصول مالية عالمية بأسعار منخفضة شريطة أن تكون للدول العربية الخبرة اللازمة لذلك.
وأوضح الدكتور قصيور أن الدول الخليجية تتمتع بانفتاح على المستوى الداخلي والخارجي، وان هذه المسألة تكون إيجابية في فترات الاستقرار لأنه سيزيد من تدفق السيولة المقدمة إلى الاقتصاد، منوها إلى أنه قد تكون لهذه المسألة في أوقات الأزمات مضاعفات سلبية لأن الدول التي تستقبل هذه الأموال قد تشهد تحولات مفاجئة في انتقال كبير لرؤوس الأموال إلى الخارج.
وتوقع أن يشهد تدفقات الأموال الأجنبية إلى الدول العربية نوع من التباطؤ نتيجة أن بعض البنوك لا تقدم قروضا للبنوك الأخرى في دولها وبعض الآخر خفض أنشطته في الخارج والبعض تقدم لإشهار إفلاسه والآخر اندمج في كيان جديد قد يكون له أولويات إقليمية.
واعتبر الخبير الاقتصادي أن قطاع العقارات هو أكثر القطاعات تأثرا في الدول العربية خاصة التي تعتمد على القطاع الخاص كما أن المصارف التي لها صلة بتمويل العقارات قد تكون الأكثر عرضة للمصاعب وتشهد ضعفاً في النشاط.
وقال الدكتور قصيور إن الأزمة تتطلب من الدول العربية تطوير القطاع العقاري والاستفادة من هذه الأخطاء وأنها تعد الآن قوانين وتشريعات لتفادي ما حصل، مؤكدا أن هناك فرصة مواتية لتعديل الخلل وإزالة الشوائب في النظام المالي وتجاوز السياسات النقدية الخاطئة التي يجب إيقاع اللوم عليها، وإيجاد علاقة متوازنة بين القطاع العقاري والقطاع المصرفي.
ومن جانبه أشاد الدكتور إبراهيم عاكوم في صندوق النقد العربي بالقرارات الحكيمة التي اتخذها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة في لمعالجة تداعيات الأزمة المالية العالمية على السوق المحلي وقال إنه أدى إلى عودة الطمأنينة والهدوء إلى السوق، مؤكداً أن الاقتصاد الإماراتي بخير وفي ازدهار مستمر.
وأشار إلى أن هناك أخطاء ارتكبتها بعض المؤسسات المالية العالمية أدت إلى هذه الأزمة مشددا على أن الخروج من حالة الضعف تحتاج إلى تطوير وتحديث، في النظام المالي العالمي بالاستعانة بنظم أخرى مثل النظام المالي الإسلامي حيث انه لا يوجد به كثير من مسببات ضعف الرأسمالية الحالية.
وأكد أن الدولار هو عملة الاحتياط الأولى في العالم ولا تستطيع عملة أخرى أن تحل محله في الوقت الحاضر، رغم تأثر الدولار بالأزمة الاقتصادية الراهنة.
وذكر تيون أن أسباب الأزمة المالية في أميركا تعود إلى التوسع في منح القروض العقارية الكبيرة وتكاليف الحرب الباهظة في العراق وأفغانستان والتي تصل إلى 12 مليار دولار شهريا مضيفا أنه من أسباب أزمة الائتمان في أميركا هو ضعف ثقة الدول الأخرى في قدرة المصارف الأميركية على الوفاء بالتزاماتها، مشيرا في هذا الصدد إلى التحرك الدولي لإنقاذ الاقتصاد الأميركي حيث إن بانهياره تنهار عدة اقتصاديات عالمية.
أزمة الائتمان تلحق أضراراً كبيرة بصناعة الزجاج التشيكية
«للمرة الأولى أرى رجالا أقوياء يبكون، إنها صدمة» هذا ما أسر به يوزف بوهيم مساعد رئيس بلدية سفيتلا ناد سازافو أحد معاقل صناعة الكريستال التشيكية التي دخلت في أوج أزمة الائتمان فقد أعلن مصنع سكلو بوهيميا الشهير بإنتاجه الكريستال الممزوج بالرصاص والذي يعتاش منه فرد من كل خمسة في هذه المدينة الصغيرة الاثنين وقف أنشطته وصرف العاملين فيه الـ 1250 من الخدمة.
وذلك بعد أن دخلت الشركة الأم «بوهيميا كريستاليكس تريدينغ» والشركة الشريكة لها «بورسيلا بلاس» المتخصصة بالمنتجات الخزفية (بورسيلين) في منتصف سبتمبر ضمن إجراء الإفلاس، علما أن الشركتين توظفان قرابة سبعة آلاف شخص.
وكانت «سكلو بوهيميا» الضحية الأولى مع توقف أفرانها التي يتم فيها صهر كريستال بوهيميا الشهير. وقد حمل أخصائيو صناعة البلور والعمال أغراضهم الشخصية في أكياس بلاستيكية إلى باحة المصنع ليرحلوا بخطى ثقيلة مع هدية وداع يتيمة كناية عن علبة شوكولاته. وعبر ستانيسلاف فانيك رئيس نقابات صناعة الكريستال عند الإعلان عن إغلاق المصنع عن شعوره ب«الخيبة واليأس والتشكيك وحتى الغدر».
وعم التوتر الشوارع والمحال التجارية والمقاهي في المدينة التي تعد ستة آلاف نسمة. وقالت الينا كوتاروفا البائعة في احد محال الكريستال الذي يعد من أشهر المنتجات السياحية في الجمهورية التشيكية «إن الحزن صعقنا جميعا». وفي الواجهات المتلألئة «كل شيء يأتي من المصنع» من أوان وكؤوس منحوتة بدقة وفناجين ومزهريات وغرافات وأطباق.
وروى مساعد رئيس البلدية «ذهبت إلى البلدية كالمعتاد لكن كل شيء بدا لي غريبا فقلت في نفسي: ما الخطب؟ إلا أني لاحظت أن الشوارع كانت خالية تماما فيما تعودنا على رؤية عشرات الأشخاص يعودون من عملهم ليلا».
في هذه المدينة يعود تقليد صناعة الكريستال الممزوج بالرصاص إلى 1861. فبعد تأميمه في ظل النظام الشيوعي انتقل إلى الخصخصة في التسعينات في حقبة الانتقال إلى اقتصاد السوق، ثم تم توسيع المصنع مرات عدة حتى المرة الأخيرة في 2001. وواكب سكان المدينة التطور الصناعي ليرتفع عددهم من 2500 في 1970 إلى ستة آلاف اليوم. إلا أن السلطات باتت تخشى حركة نزوح.
وفي الواقع عرض بعضهم شققهم أو منازلهم على المكاتب العقارية، وقامت ربات عائلات بإخراج أطفالهن من دور الحضانة بسبب فقدانهن للعمل.
فإمكانات العمل محدودة في هذه المنطقة الجبلية البعيدة عن مجمعات المدن الكبيرة، بالرغم من أنها لا تبعد سوى حوالي خمسين كيلومترا من «تي بي تشي آ» (شركة السيارات) و«فوكسكون» (المنتجات الالكترونية) وبوش (مضخات ديزل) التي يعمل فيها عدد كبير من الموظفين. لكن بالنسبة لأسياد صناعة البلور خصوصا المعمرين منهم فإن اختفاء «سكلو بوهيميا» يعتبر مأساة.
أما ستانيسلاف فانيك فما زال على غرار الكثيرين، يأمل في أن يهب احد رجال الأعمال لإنقاذ الوضع. لكنه أضاف «لكن يجب أن يتم ذلك بسرعة لأنه إذا رحل اسياد الخبرة في هذه الصناعة الذين يعشقون المهنة المتوارثة من جيل إلى جيل، فإنها ستكون النهاية». وشركة «بي تشي تي» التي تعد المنتج التشيكي الأكبر وتحولت إلى مجموعة مشتركة في يناير 1994 وتم تخصيصها في 1997، هي ملك لرجلي الأعمال التشيكيين يان سوسيك ورادوفان كفيت بنسبة 50% بينما تملك الدولة 49% ومصرف «تشي اس أو بي» 1.
وقد رفضت الدولة حتى الآن المشاركة في خطة إنقاذ. وقال رئيس النقابات «ان الكثيرين يعتقدون ان المالكين الخاصين سارقون، في رأيي انهم فقط بالغوا في تقدير قوتهم وإمكاناتهم».
وأضاف أن أحد أخطائهم هو تخليهم الطوعي بعيد سقوط الشيوعية في 1989 عن السوق الروسي التقليدي «ليخوضوا على الفور غمار المنافسة» والتوجه نحو سوق الولايات المتحدة «القاضية» بسبب تدهور الورقة الخضراء وارتفاع العملة التشيكية. وفي الوقت نفسه ارتفعت أسعار الكهرباء والغاز والمواد الأولية مثل البوتاسيوم والألمنيوم وأصبحت المنافسة خاصة الآسيوية قاسية. والنتيجة هي أن هذه الصناعة التي كانت مزدهرة فيما مضى راكمت أربعة مليارات كورون من الديون أي ما يساوي 160 مليون يورو.
أبوظبي ـ إبراهيم السطري
(أ.ف.ب)

