تغيرت التعبيرات والألفاظ وبقي المعنى واحداً وهو أن الولايات المتحدة الأميركية «عرابة» النظام الرأسمالي ومعها البلدان الأوروبية والغربية الأخرى بدأت تتخلى عن أسس «الرأسمالية المفرطة» في ظل عاصفة الانهيار التي اجتاحت الأسواق العالمية خلال الأسابيع الماضية والتي أدت إلى انهيارات تاريخية غير مسبوقة.

ووجد وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون نفسه «مضطراً» للتخلي عن مبادئ رأسمالية السوق «غير المنضبط» التي نضجت عندما خرج إلى الدنيا في مارس 1946 مع بداية عهد إقامة المؤسسات المالية الدولية الحامية للرأسمالية والخصخصة مثل صندوق النقد والبنك الدوليين واللذين أعلنا صراحة من جانبهما خلال الأيام الماضية الحاجة إلى تغيير جذري في أسس الاقتصاد العالمي ويتحمل بولسون، الذي تنتهي ولايته لوزارة الخزانة وربما يودع كرسيها الساخن إلى الأبد بعد بضعة أشهر، هذه الأيام أعباء ثقيلة تجعله الشخصية الأكثر ظهوراً على المشهد العالمي. فكل الأسواق تنظر باهتمام إلى ما يمكن أن تفعله خطة الإنقاذ التي اقترحها في الثاني والعشرين من سبتمبر الماضي والتي لم تنجح حتى الآن في تهدئة روع الأسواق .

وتدور شكوك كبيرة حول إمكانية نجاحها على المدى البعيد الأمر الذي أدى إلى أن توجه معارضة كبيرة من قبل المشرعين الأميركيين قبل إقرارها بشق الأنفس قبل بضعة أيام. وتتضمن الخطة التي تبلغ كلفتها نحو 800 مليار دولار شراء ديون الرهونات العقارية السيئة التي كانت أحد أسباب الأزمة الحالية.

ومنذ توليه وزارة الخزانة في الثلاثين من يونيو 2006 بدا بولسون الحاصل على الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد وكأنه يمسك بقلم من نار، فقد ورث اقتصادا أميركيا متآكلا تشوبه الكثير من السلبيات التي أفرزت تراجعات متتالية في مؤشرات أسواق العمل واتجاهات الاستهلاك.

وفي الواقع يعتبر بولسون جزءا من الخلل الذي حدث في النظام المالي الأميركي فهو بالإضافة إلى إمساكه بمفاتيح الخزانة عمل لفترة طويلة في مؤسسة غولدمان ساكس وأصبح شريكاً فيها في عام 1982، وتدرج في مناصبها إلى أن أصبح في عام 1994 رئيساً لمجلس الإدارة والرئيس التنفيذي.

وبإعلانه عن خطته الأخيرة ضرب بولسون في وتر حساس كان يعتبر في الماضي من المحرمات، حيث حافظت الولايات المتحدة طوال السنوات الماضية على آلية ترك الحرية المطلقة للأسواق وعدم السماح بأي نوع من أنواع التدخل الحكومي. وتضمنت خطته تقديم دعم حكومي للمؤسسات المترهلة وكشفت تفاصيلها فيما بعد عن إمكانية وضع اليد على تلك المؤسسات.

وأشار بولسون إلى أن الولايات المتحدة تدرس شراء حصص في بنوك مثقلة بالديون في محاولة لإعادة الثقة الى سوق قروض ما بين البنوك التي ظلت مصابة بالشلل بعد خفض عالمي منسق لم يسبق له مثيل لأسعار الفائدة. وشدد بولسون على أن خطة الإنقاذ المالي تمنحه صلاحية واسعة النطاق لضخ رؤوس أموال في النظام المصرفي.

ويواجه الاقتصاد الأميركي حالياً الكثير من التحديات، حيث يسجل الدولار تأرجحاً كبيراً أمام العملات الرئيسية الأخرى كما أن الميزان التجاري يشهد عجوزات غير مسبوقة. وأبدى عدد من خبراء الاقتصاد والنقد في الولايات المتحدة قلقهم البالغ حيال مستقبل الوضع الاقتصادي في البلاد.

وفتحت التطورات الأخيرة المجال أمام سيل من الانتقادات. واتهمت صحيفة «يو إس توداي» بولسون ومعه المسؤولون الأميركيون بتخليهم عن سياسات السوق الحرة في مواجهة الأزمة الراهنة وقالت إنهم ينتهجون سياسات بعيدة عن قواعد السوق الحرة.

وأشارت الصحيفة إلى تراجع واضح في المواقف الأميركية حيال مبادئ الرأسمالية وقالت إنها في حين كانت تطالب في الماضي البلدان التي مرت بظروف اقتصادية عاصفة بضرورة ترك المجال للأسواق لتحريرها عادت وابتعدت عن هذا النهج في أزمتها الحالية وألقت بالعبء على دافعي الضرائب ودخلت في مراهنات ربما تكون خاسرة حيث تسعى لشراء مؤسسات يصعب انتشالها من وعكتها الحالية.

وأثار الدعم المالي الحكومي الضخم الذي قدمته وزارة الخزان الأميركية والبالغ 85 مليار دولار لإنقاذ شركة التأمين المنهارة أميركان انترناشونال جروب «إيه آي جي» جدلاً واسعاً في الأوساط الأميركية خصوصاً بعد أن تبين أن الشركة قامت حتى أول من أمس الجمعة بسحب نحو 70 ملياراً من مجمل المبلغ المخصص للدعم.

وفي أعقاب تقارير تحدثت عن أن مجموعة من مديري الشركة قاموا بقضاء إجازة مترفة في أحد المنتجعات وبكلفة بالغة للغاية في إشارة إلى إساءة استخدام أموال دافعي الضرائب. وفي ظل الوضعية الحالية وجد النقاد مادة دسمة تتيح لهم إطلاق التسميات الساخرة على الولايات المتحدة فبعضهم سماها بجمهورية الولايات المتحدة الاشتراكية فيما وصفها آخر بالمتخلية عن أسسها ومبادئها.

وبالطبع حظي بولسون بالقدر الأكبر من الانتقادات. واتهم محللون سياساته في الإسهام في تفاقم الأزمة، وقال أحد المحللين إنه في حين أن الأزمات الاقتصادية التي نشبت في نهاية تسعينات القرن الماضي ومطلع القرن الحالي في بلدان ناشئة أو نامية كانت نتاج تقلبات حدثت بفعل تدفق رؤوس الأموال عبر المؤسسات الدولية وما صحب ذلك من عدم القدرة على مواءمة أسعار الصرف بالتطورات التي شهدتها تلك الاقتصادات .

إضافة إلى الإفراط في الاقتراض، إلا أن الأزمة المالية الحالية كانت صناعة أميركية مئة بالمئة وكانت نتاج تراكمات لسياسات خاطئة انتهجتها وزارة الخزانة أدت إلى تفاقم انتهاك أسس الشفافية في الأسواق. ويرى الخبراء أن التدهور الذي شهده سوق الرهن العقاري نتج في الأصل عن فتح الباب أمام المواطنين الأميركيين للاقتراض دون ضوابط مما جعلهم يسقطون فريسة للتغيرات التي حدثت في معدلات أسعار فائدة القروض وما تلاه من مضاربات عصفت بمجمل السوق العقاري.

ووسط تلك الأجواء المضطربة وجدت الدول ذات الأمجاد الضائعة الفرصة لتنفض غبار سنوات النسيان عنها. وقال رئيس الحكومة الروسية فلاديمير بوتين في لقاء مع ممثلين عن الحزب الشيوعي الروسي في موسكو إن الثقة بالولايات المتحدة كرائدة الاقتصاد الحر في العالم مفقودة للأبد.

وفي ذات الإطار قال زعيم الحزب الشيوعي الروسي غينادي زيوغانوف إنه يرى أن الولايات المتحدة لن تتمكن من الخروج من زاوية ضيقة حشرت نفسها فيها حين «حولت الاقتصاد العالمي إلى كازينو».

ومن جانبه حمل الرئيس الفنزويلي اليساري هوجو شافيز الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي مسؤولية الأزمة. بل مضى شافيز إلى أبعد من ذلك عندما طالب صندوق النقد الدولي بـ «الصمت أو الانتحار».

وأشار إلى أن التأثير السلبي للأزمة المالية ينعكس على دول أميركا اللاتينية بصورة مضاعفة مقارنة بغيرها، وهو ما يظهر في البؤس والفقر وسوء تغذية الأطفال الذي تعاني منه القارة. ودعا شافيز إلى إقامة نظام جديد يقوم على مؤسسات أخرى مثل «بنك دولي بترولي» أو بنوك وطنية مشتركة مثل تلك التي يعتزم إقامتها بالتعاون مع إيران وروسيا والصين.

ويبرز هنا سؤال مهم حول حجم فاتورة الخسائر السياسية التي قد تتحملها أميركا جراء التحولات الإجبارية الحالية. والمعروف أن الولايات المتحدة ظلت وعبر سيطرتها على مؤسسات التمويل الدولية تملي ما تشاء من سياسات على حكام الدول الأخرى دون أن تعبأ للأضرار التي ألحقتها تلك السياسات على السكان حيث زجت بهم في دهاليز الفقر وجعلتهم رهينة لقروض وتمويلات طويلة الأمد أكلت وظلت تأكل الأخضر واليابس من موارد بلدان لديها مقومات اقتصادية عالية مثل البرازيل والأرجنتين وغيرها من الدول الأخرى.

نقطة تحول

قال رئيس مجلس الاحتياطي الأميركي السابق آلان جرينسبان إنه يرى نقطة تحول للأزمة المالية الحالية تشهد تعافي البورصة الأميركية خلال النصف الأول من العام المقبل. وقال جرينسبان في مقال نشرته مطبوعة « إميرجينج ماركيتس» المالية البريطانية إنه يرى «ذوبانا لاحقا» في أسواق الائتمان المجمدة في العالم. وتوقع جرينسبان «ظهور إشارات أكثر حسما لاستقرار منتظر لأسعار العقارات خلال النصف الأول من 2009 ».

وبرغم الإشادة الواسعة التي لقيها جرينسبان خلال فترة رئاسته لمجلس الاحتياطي الاتحادي التي استمرت بين عامي 1987 و 2006 ، إلا أنه تعرض للانتقاد خلال الفترة الأخيرة، حيث يرى البعض أنه لعب دورا في ظهور الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الولايات المتحدة حالياً.

تمويل الشركات

أعلنت الحكومة الروسية أنها ستخصص مبلغ 50 مليار دولار لإعادة تمويل الشركات الروسية التي حصلت في السابق على قروض من الخارج. وتقدر وزارة التنمية الاقتصادية الروسية مجمل الديون الخارجية للشركات والبنوك الروسية بأكثر من 300 مليار دولار.

وأكد بيان حكومي أنه سيتم إعداد مشروع قانون حول تخصيص مبلغ 950 مليار روبل كقرض لمدة 10 سنوات للبنوك الروسية. وأكد البيان أن هذه الإجراءات ترمي إلى حل المشاكل المرتبطة بالسيولة التي تواجهها البنوك والشركات على خلفية الأزمة المالية العالمية.

وتخلت روسيا عقب انتهاء النظام الاشتراكي في نهاية ثمانينات القرن الماضي عن دعم البنوك والشركات الخاصة، لكن الأزمة المالية العالمية الحالية أجبرتها على تغيير استراتيجياتها الأمر الذي يعتبر مؤشراً لتحول أساسي في التوجهات الروسية خلال الفترة المقبلة.

كتب - كمال عبدالرحمن