تواصلت أمس المحاولات الدولية لتطويق الأزمة دون أن يلوح في الأفق أي مخرج في الأفق، وبدأ وزراء المالية وحكام المصارف المركزية في دول مجموعة السبع (ألمانيا وكندا والولايات المتحدة وفرنسا وايطاليا واليابان وبريطانيا) اجتماعات في واشنطن لإيجاد معالجات للازمة المالية التي تواصل زعزعة العالم. وطلب زعيما الكونغرس الديمقراطي والجمهوري في رسالة إلى بوش الدعوة إلى عقد قمة أزمة لمجموعة الثماني (مجموعة السبع وروسيا) في محاولة لإيجاد حل للمأزق المالي العالمي.

وقال رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون إن الأزمة المالية العالمية تستدعي حلا عالميا وحث الدول الأخرى على ان تتبنى الإجراءات التي اتخذتها بريطانيا لإنقاذ النظام المصرفي.» وكتب براون في مقالة في صحيفة التايمز انه ينبغي للحكومات ان تحذو حذو بريطانيا في ضخ أموال إلى البنوك المتعثرة وعرض ضمانات بمئات المليارات لإقناع البنوك بالبدء في إقراض بعضها البعض.

وأوضح براون «برنامج الاستقرار وإعادة الهيكلة في بريطانيا الذي اعلناه هذا الأسبوع هو الأول الذي يعالج مرة واحدة وفي ان واحد المكونات الأساسية الثلاثة لنظام مصرفي حديث .. السيولة الكافية والتمويل ورأس المال.» «لكن لان هذه أزمة عالمية فإنها تستدعي حلا عالميا».

واقترح براون ان يعقد بعد اجتماعات مجموعة السبع وصندوق النقد الدولي «اجتماع للزعماء يتعين علينا أن نرسي فيه المبادئ والسياسات الجديدة لإعادة هيكلة نظامنا المصرفي والمالي حول العالم.» ودعا الحكومات إلى تبني قواعد عبر الحدود بشأن الشفافية وأعلى معايير الإدارة لمنع عمليات المخاطرة غير المسؤولة.

وقال انه ينبغي استحداث نظام جديد للاشراف للتعامل مع التدفقات الضخمة لرؤوس الأموال بين المؤسسات المالية. وأضاف قائلا «حلول الأمس القديمة لن تفيدنا كثيرا في مواجهة تحديات اليوم والغد. ولهذا يتعين علينا ان ننبذ وراء ظهورنا العقائد البالية وان نتبنى حلولا جديدة».

وقال براون إن الأنظمة الوطنية للإشراف غير كافية للتعامل مع تدفقات رؤوس الاموال الضخمة عبر القارات في عالم اليوم الجديد والذي يتزايد فيه الاعتماد المتبادل أكثر من أي وقت مضى. وأضاف قائلا «أعرف أن المؤسسات المالية الكبيرة سترحب بالنظام المقترح لهيئات للإشراف عبر الحدود والذي ينبغي استحداثه على الفور.

منتدى الاستقرار المالي وصندوق النقد الدولي بعد إصلاحه يجب ان يقوما بدورهما ليس فقط في حل الأزمات بل أيضا منع الأزمات». وناشد براون زملاءه الزعماء الأوروبيين بان يتبنوا جوانب رئيسية بحزمة إنقاذ البنوك البريطانية التي تبلغ عدة مليارات بالجنيه الإسترليني في إطار «نهج دولي متفق عليه » لعلاج الأزمة المالية العالمية الحالية.

وفي رسالة بعث بها إلى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي يتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، وأرسلت نسخة منها إلى مفوضية الاتحاد الأوروبي والحكومات الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، عرض براون الخطوط العريضة للأسس التي تقوم عليها الخطة البريطانية التي تمت الموافقة عليها.

وأشار براون بصفة خاصة إلى انه يتعين على الدول الأوروبية الأخرى ان تحذو حذو بريطانيا وتقدم ضمانات لعمليات الإقراض بين البنوك التي توقفت مع أزمة الائتمان، وذلك وفقا لما ذكرته الرسالة. وقال براون فيما يتعلق بضمانات القروض «كنت أريد بصفة خاصة ان الفت الانتباه إلى اخر خطوة من هذه الخطوات لان هذا مجال يمكن ان يكون لاتباع نهج دولي متفق عليه تأثير قوي للغاية».

وبموجب الخطة البريطانية، تقدم الحكومة ضمانات تصل إلى 250 مليار جنية إسترليني (437 مليار دولار) لتغطية الديون الجديدة ومتوسطة الأجل، بالإضافة إلى دعم السيولة ببنك انجلترا بـ 200 مليار جنية إسترليني وضخ 50 مليار جنيه استرليني نقدا للبنوك التي تأثرت بالأزمة الحالية.

وقالت الرسالة ان اتباع نهج متفق عليه يعد ضروريا أيضا لتنسيق البرامج الوطنية وتقوية عملية الإشراف والتنظيم. وبقيت الأسواق متوترة على الرغم من التحفيز الذي صدر عن رئيس البنك المركزي الأوروبي جان كلود تريشيه عندما قال «عودوا إلى رشدكم».

لكن المشكلة الأساسية مستمرة وتكمن في ان سوق التعامل بين المصارف مشلولة لأن البنوك توقفت عن إقراض بعضها البعض بسبب الهلع من فكرة افلاسات ممكنة. ويعاني المدخرون في العالم تداعيات الأزمة: ففي ألمانيا، تبين ل30800 زبون ألماني في اكبر بنك في أيسلندا تم تأميمه ان حساباتهم قد جمدت.

وقالت الهيئة الألمانية للرقابة على القطاع المالي ان المؤسسة الام «لم تعد قادرة» على «تقديم ما يكفي من السيولة». وأثارت حكومة ايسلندا غضب رئيس الوزراء البريطاني ان براون الذي اخذ عليها تجميد حسابات 300 الف زبون بريطاني في البنك الالكتروني «آيس سيف»، فرع بنك لاندسبنكي الايسلندي المؤمم». وفي الوقت نفسه، تكثف الدول إجراءاتها التي يمكن ان تطمئن المدخرين.

وأعلنت هولندا انها ستضع في تصرف القطاع المالي 20 مليار يورو لمساعدته على مواجهة الأزمة الاقتصادية وانها ستضمن مدخرات 120 ألف زبون هولندي في «آيس سيف». ووسعت ايرلندا ضمانتها التامة لتشمل الودائع المصرفية في خمسة مصارف اجنبية تعمل بقوة في البلاد.

وهبت بلجيكا وفرنسا ولوكسمبورغ إلى نجدة بنك التأمين «دكسيا» الفرنسي البلجيكي الذي جرى تأميمه جزئيا الأسبوع الماضي، عندما قدمت له ضمانتها بما يسمح له بالاستدانة من الأسواق. وحذر وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون من «ان بعض المؤسسات المالية ستعلن افلاسها» في الولايات المتحدة على الرغم من الإجراءات الأخيرة المتخذة.

وبحسب نيويورك تايمز، فان واشنطن تعتزم شراء حصص في رأسمال «عدد كبير من المصارف الأميركية في محاولة لاستعادة الثقة في النظام المالي». وفي ألمانيا أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل رغبتها في اتخاذ تدابير سياسية لمواجهة الأزمة المالية العالمية الراهنة على المستوى المحلي والعالمي.

وقالت ميركل في حديث لصحيفة «لايبزيجر فولكستسايتونج» «إننا إن لم نتخذ هذه الإجراءات، سيصبح الخطر أكبر وسيقترح القوميون والمتطرفون حلولا تبدو بسيطة لكنها بالتأكيد ستقودنا إلى الشقاء». وذكرت المستشارة أن «ما نريده هو اقتصاد سوق يتسم بالإنسانية وعندئذ تتحول الأزمة الراهنة إلى اقتصاد السوق الذي يراعي البعد الاجتماعي، هذا إذا تحلت السياسة بالإرادة».

وأضافت أن «ما يمكن أن نعول عليه الآن هو السلوك الحاسم والمتدبر في الوقت ذاته». وذكرت أن «المهم في الوقت الحالي هو أن نعمل سويا مع جميع المهتمين على اجتياز أزمة الثقة في سوق الأموال العالمية وأن نقلل من آثارها على الاقتصاد الفعلي».

وأوضحت أنه حتى يتحقق ذلك لابد من خلق الثقة المطلوبة. وأكدت ميركل: «نريد مثلا تحديد قواعد تقييم البنوك بصورة لا تجعل البنوك الأوروبية في وضع أضعف من البنوك الدولية» وقالت «إن وزراء مالية الاتحاد الأوروبي أعلنوا ضمانهم لأموال المودعين، ولا شك أن هذه الأهداف المشتركة تسهم في إرساء منافسة عادلة».