قال محللون إن الأزمة المالية الحالية أجبرت حماة الرأسمالية على التخلي عن النهج الليبرالي المتشدد. ودعا صندوق النقد الدولي إلى تدخل اكبر للسلطات العامة لتهدئة التوتر في القطاع المصرفي الذي يواجه خسائر محتملة قد تصل إلى 4,1 تريليون دولار. ورأت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل ميركل أن العالم لم يشهد مثل هذه الأزمة من قبل وأن هذه الأزمة قلبت الكثير من الموازين التي كانت بديهية حتى وقت قريب وأن بعض الأحكام المسبقة التي اتهمت بعض الأطراف في سوق المال بالجشع وعدم المسؤولية قد تأكدت.

وقال خايمي كاروانا مدير دائرة الأسواق المالية في صندوق النقد الدولي خلال مؤتمر صحافي في واشنطن «لا نريد أن نقترح على الدول إجراء محددا لكننا نعتبر أن عليها أن تعالج ثلاث مشاكل ملحة وتثير قلقاً كبيراً وهي الأصول الخاصة للمصارف والأصول الهالكة والتمويل».

ورفع الصندوق بشكل كبير من تقديراته للخسائر المرتبطة بتراجع قيمة الأصول المالية الأميركية وبات يقدرها الآن بحوالي 4,1 تريليون دولار في مقابل 945 مليار دولار سابقا. وتم الإعلان حتى الآن عن 580 مليار دولار منها 40% تقريبا من مصارف أوروبية. وقال الصندوق إن على المصارف جمع مبلغ 675 مليار دولار على شكل رؤوس أموال في السنوات الخمس المقبلة.

وأوضح التقرير «لتخفيف صعوبات التمويل بين المصارف، ينبغي على السلطات العامة اتخاذ تدابير ترمي إلى معالجة مشاكل القروض والسيولة المترابطة». وردا على سؤال لمعرفة ما إذا كان صندوق النقد الدولي يتخذ بذلك منحى أقل ليبرالية قال كاروانا ان «هشاشة النظام تشكل حافزا قويا» لتدخل السلطات العامة.

وذهب صندوق النقد إلى حد توصية الدولة بضخ أموال عامة بشكل مباشر في «المؤسسات المالية القابلة للاستمرار» معربا بذلك عن موافقته على عمليات مثل تأميم مصرف «فورتيس» في هولندا. ولخص كاروانا الوضع بقوله «سيكون من الصعب على القطاع الخاص القيام بذلك في السنوات القليلة المقبلة.

لذا نعتبر أن المبادرة يمكن ان تأتي من القطاع العام». واقترح كذلك أن تلجأ دول أخرى غير الولايات المتحدة إلى برنامج تقوم الدولة بموجبه بشراء الأصول الهالكة. واعتبر أن خطة وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون «تذهب في الاتجاه الصحيح».

ودعا الصندوق إلى التنسيق بين الدول ليكون «هناك تناسق بين التدابير المختلفة» على ما أوضح الخبير الاقتصادي موضحا «رأينا ما يمكن أن يحدث في الأسواق المالية عندما لا يكون التحرك منسقا». واخذ كاروانا مثالا على ذلك الضمانات المصرفية للمودعين الأفراد في حال إفلاس مصارف في الاتحاد الأوروبي. وأوضح «يجب أن يكون هناك تناسق ليس فقط لإدارة الأزمة بل أيضا لتعزيز تكامل الأنظمة المالية».

وفي خطاب ألقاه في واشنطن دعا المسؤول الثاني في صندوق النقد الدولي جون ليبسكي إلى التنسيق بين هيئات المراقبة. وأوضح أن «أزمة الأسواق العالمية أظهرت عدم وضوح بشأن دور واضعي الضوابط والمشرفين والمصارف المركزية وسلطات الميزانية عند حصول أزمة مالية تضرب النظام» برمته.

وفي محاولة لتهدئة التوتر على صعيد التسليفات دعا صندوق النقد إلى مساعدة من المصارف المركزية إلى سوق الاقتراض بين المصارف على شكل «دعم محدود وغير مباشر».

ورأى الصندوق الذي يديره دومينيك ستروس ـ كان ان أزمة القروض عبر دفعها إلى رفع نسبة الفائدة المفروضة بين المصارف المقرضة لبعضها البعض، أدت إلى تراجع تأثير الوسيلة التقليدية التي تعتمدها السياسة النقدية أي نسب الفائدة الرئيسية.

واعتبر أن على المصارف المركزية أن «تقدم حوافز حتى يبدأ المتعاملون في السوق التعامل في ما بينهم والسماح تاليا بانسحاب المصرف المركزي بشكل منظم ما أن يهدأ التوتر المالي الكبير». كما أوصى صندوق النقد بـ «المساهمة في إزالة الغموض الذي يكتنف تقييم المخاطر الائتمانية من قبل المساهمين في السوق».

وبذلت الحكومات والسلطات النقدية في العالم جهودا حثيثة ساعية لإعادة الاستقرار والهدوء إلى الأسواق المالية القلقة فتعهدت بمساعدة المصارف التي تواجه مأزقا وبضمان الودائع المصرفية.

وقال رئيس الاحتياطي الفدرالي بن برنانكي انه سيتعين على البنك المركزي الأميركي مراجعة سياسته النقدية على ضوء الأزمة معتبرا أن «المخاطر التي تحدق بالنمو ازدادت» وتوقع أن «يكون النشاط الاقتصادي ضعيفا حتى نهاية السنة وما بعد». وتحرك الاحتياطي الفدرالي في مسعى لاحتواء الأزمة في قطاع القروض الذي بدأت فيه، فأعلن انه سيشتري سندات خزينة للسماح للمؤسسات بضمان حاجاتها غير المتوقعة من السيولة.

كما تعهدت الدول الأوروبية ب»تنسيق خطواتها بشكل وثيق والأخذ بالاعتبار الانعكاسات المحتملة للقرارات الوطنية عبر الحدود». وبحث الرئيس الأميركي جورج بوش الأزمة المالية العالمية مع قادة فرنسا وبريطانيا وايطاليا، مشددا على ضرورة قيام تعاون بين مختلف الدول، بحسب ما أعلن البيت الأبيض. وبالرغم من هذه المساعي، بقي التخوف مخيما.

غير ان المستشارة الألمانية انجيلا ميركل اعتبرت ان ألمانيا، القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا، «قوية ومسلحة بشكل جيد» لمقاومة الأزمة المالية العالمية. وطالبت ميركل باستحداث آلية جديدة لإدارة الأزمات المالية كأحد الدروس المستخلصة من الاضطرابات الحالية.

ووصفت ميركل الوضع الحالي في قطاع الأموال والبنوك بالحرج وقالت إن تداعيات الأزمة الحالية لم تتضح بعد بشكل نهائي «غير أني أقول في هذه الساعة العصيبة إن ألمانيا قوية».

وطالبت ميركل جميع المعنيين باعتماد آلية جديدة في قطاع المال للحيلولة دون حدوث أزمات مستقبلا وقالت إن الحكومة الألمانية ستستمر في التعامل بسرعة في جميع الأوقات لمنع هذه الأزمات وستستمر في تبني الإدارة التقليدية لهذه الأزمات. كما رأت ميركل أن «الثقة التي هي أهم عملة في أسواق المال قد ضاعت».

ودعت ميركل خلال أول زيارة لبرلسكوني للعاصمة الألمانية برلين منذ توليه مهام منصبه إلى التنسيق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتأمين أسواق المال وأضافت «على كل بلد أن يكون على مستوى المسؤولية».

(الوكالات)