بات السؤال المتعلق بـ «ما العمل اذا حدثت هوجة صامتة لسحب الودائع من بنك ولم يعلم أحد بذلك؟» هو أكثر الاسئلة التي تحتل عقول الناس. وفي الايام الاخيرة ركزت بعض وسائل الاعلام الأميركية على «هوجة صامتة» على سحب الودائع من بنك واكوفيا الذي اصبح الان محور عملية استحواذ بعد توقف خطة لإنقاذه وتولي السلطات أمر منافسه واشنطن ميوتيوال.
وسلط معلقون من بينهم نورييل روبيني أستاذ الاقتصاد بكلية ستيرن للأعمال في جامعة نيويورك الضوء على حجم عمليات السحب الهادئة من جانب المودعين الذين تتجاوز أصولهم المستويات التي تتمتع بضمانات. الا أن انهيار مصرف بارز اخر في أوروبا وجه الاهتمام إلى ظاهرة مختلفة من ظواهر القرن الحادي والعشرين وهي أن الاسر والشركات والاعمال تتجه على نحو متزايد لادارة شؤونها المالية عن طريق الانترنت ولذلك فان عمليات السحب الجماعية قد لا تكون ملحوظة.
فقد كان بنك فورتيس محور عملية انقاذ شملت أكثر من دولة الأسبوع الماضي وكان أيضا ضحية هوجة صامتة من الاقبال الهائل على سحب الودائع. ودفع هذا الإقبال وانخفاض حاد في قيمة أسهمه حكومات دول البنيلوكس للتدخل وضخ سيولة في المجموعة التي تشمل أنشطتها عمليات مصرفية وتأمينية.
وقالت الطالبة فريدريك شيلته خارج فرع للبنك في أمستردام حيث كانت تسدد فاتورة « اذا كان فورتيس واقعا في مشكلة فسأحول أموالي عبر الانترنت إلى حساب والداي».
وفي الكساد العظيم الذي استمر من عام 1929 إلى عام 1933 تحقق قدر كبير من الضرر من تدافع المودعين على سحب أموالهم من البنوك في هوجة تصاعدت كلما شاهد الناس طوابير مصطفة خارج البنوك تنتظر انقاذ ما يمكن انقاذه من مدخراتها. وفي حالة فورتيس كانت ضغطة فأرة هي السر وراء سحب الودائع.
وقالت مجموعة فورتيس انها فقدت نحو ثلاثة في المئة من ودائعها منذ بداية العام أي نحو خمسة مليارات يورو «سبعة مليارات دولار» من ودائع العملاء الافراد أو الشركات على حد سواء.
وأشار وزير المالية الهولندي فوتر بوس إلى أن فورتيس واجه مشاكل في الحفاظ على عملائه من الشركات وانه واجه مشاكل متزايدة في السيولة في الانشطة المصرفية.
وقال البروفسور سيلفستر ايجفينجر الاستاذ بجامعة تلبورج الذي يعمل أيضا مستشارا للسياسات الاقتصادية بالبرلمان الهولندي «سحب عملاء من الافراد والشركات مبالغ كبيرة لاسيما في بلجيكا». وأضاف «ورأس المال الذي قدمته «حكومات البنيلوكس» تبدد وكان عليها التحرك بسرعة».
وبدا هذا الاسبوع أن التدخل الرسمي بدأ يؤتي ثماره. فقد قالت عميلة هولندية لدى فورتيس رفضت ذكر اسمها ولكن قالت انها وزوجها من عملاء البنك منذ 28 عاما «كنا قلقين في الاسبوع الماضي. أما الان وقد أصبح جزءا من الحكومة الهولندية فسنبقى عملاء لدى فورتيس».
وفي سبتمبر من العام الماضي شهد بنك نورذرن روك البريطاني أول موجة تهافت من العملاء على سحب الودائع من بنك أوروبي كبير منذ أكثر من 140 عاما واصطف عملاؤه أكثر من ثلاثة أيام أمام فروعه عندما تبخرت ثقتهم وسط مشاهد دفعت أحد الساسة إلى القول إنها جعلت بريطانيا تبدو وكأنها احدى جمهوريات الموز.
لكن السحب من الفروع هدأ بعد أن ضمنت الحكومة الودائع. وتحقق القدر الرئيسي من الضرر من خلال عمليات السحب عن طريق الانترنت والبريد والهاتف. فقد سحب العملاء من نورذرن بنك نحو 14 مليار جنيه استرليني «25 مليار دولار» من المدخرات منذ بداية موجة الذعر وحتى نهاية 2007 أي أكثر من نصف ودائع التجزئة.
وقد تم سحب حوالي ثلث هذا المبلغ من الفروع لكن الثلثين الاخرين أي نحو عشرة مليارات دولار سحبها عملاء اخرون. وسواء كان الاقبال مرئيا وملموسا أم لا فان الاثر النفسي واحد في النهاية. فقد كانت باربره وليامز وهي من العملاء المتقاعدين لدى البنك واحدة من مئات اصطفوا خارج فروع البنك في العام الماضي.
وقالت في ذلك الوقت «لم أجزع في البداية لكنك كلما شاهدت نشرات الاخبار وقرأت الجرائد تقول لنفسك أنه ربما كان من الافضل أن تفعل الشيء نفسه».
وأضافت «كنا نعتقد أننا سنفعل ما يفعله الاخرون كلهم. وسواء كنا على حق أو على باطل كانت مغامرة لا نستطيع أن نتحملها».
والاقبال على سحب الودائع الكترونيا قد يوفر على البنوك مشقة التعامل مع طوفان العملاء المتدفقين على الفروع لسحب أموالهم. لكن الاموال في هذه الحالة تنتقل بسرعة أكبر وبمبالغ أضخم كثيرا بمجرد الضغط على الفأرة أو اجراء مكالمة هاتفية.
وهذا أحد مصادر القلق وراء اندفاع الحكومات في أوروبا في الاونة الاخيرة لزيادة سقف ضمان الودائع. ولجأت عدة دول أوروبية لعرض ضمان جميع الودائع لتهدئة المستثمرين.
ومن المفارقات أن بنكا هولنديا اخر هو بنك اي.ان.جي الذي بدأ نمو عمليات الصيرفة الالكترونية باطلاق وحدة اي.ان.جي دايركت قبل أكثر من عشر سنوات وتراكم لديه 192 مليار يورو من الودائع الادخارية وودائع الحسابات الجارية وأصبح الان البنك رقم 12 على مستوى العالم من حيث الحجم.
وتعمل وحدة اي.ان.جي دايركت دون فروع فعلية اذ يفتح العملاء حساباتهم ويديرونها عن طريق الهاتف أو الانترنت. وهذه الوحدة ليست نشطة في سوقها المحلية بسبب وجود شبكة من الفروع التي تغطي أنشطة التجزئة المصرفية ولذلك اتجهت لتكوين شبكة من الاعمال في أميركا الشمالية وأوروبا واستراليا.
وتميل البنوك دائما لاقراض عملائها مبالغ أكبر مما يحتفظون به من ودائع لديها لتخاطر بذلك باحتمال ألا تجد ما يكفي من السيولة لتلبية جميع الطلبات اذا ظهر كل العملاء فجأة وطلبوا أموالهم. وفي الثلاثينات من القرن الماضي واجه المودعون احتمال فقد كل أموالهم اذا انهار أحد البنوك.
ويتذكر اتيليو فيانللو «98 عاما» كيف أنه تسلم في الثلاثينات عمله الجديد في بنك كريديتو فنيتو الصغير في بادوا بايطاليا مع انتشار الازمة من وول ستريت إلى أوروبا.
ويقول فيانللو «كانت البنوك تنهار كل يوم وأغلب الناس لم يتمكنوا من انقاذ مدخراتهم لان الاوان كان قد فات عندما علموا بالامر. كانوا يجدون الابواب مغلقة».
والمقابل الالكتروني لهذه النتيجة اليوم هو انهيار أحد أجهزة الخادم أو اغلاق موقع على الانترنت. لكن المديرين التنفيذيين يقولون ان أسوأ ما في الهوجة الصامتة لسحب الودائع هو السرعة التي يتحرك بها العملاء.
وقال كارلوس ايفانز المدير التنفيذي لاعمال الشركات في بنك واكوفيا في تصريح نشر بصحيفة كانساس سيتي ستار ان سحب الودائع من البنك اشتد في 26 سبتمبر الماضي وما تلاه من أيام.وأضاف إن البنك يتحول في هذه الحالة «من بنك ضعيف إلى بنك يواجه مشكلة في غضون أيام.
لا أعتقد أن الناس يفهمون مدى السرعة التي تطورت بها الاحداث». ويمكن للثقة أن تعود لكن ذلك لا يحدث في الغالب الا بعد تدخل الدولة على نطاق كبير.
ففي الاونة الاخيرة اضطر مصرف نورذرن بنك المملوك للدولة الان إلى رفض قبول ودائع من مدخرين جدد بعد أن اجتذب ستة مليارات جنيه استرليني هذا العام من عملاء أغرتهم الضمانات الحكومية.
(الوكالات)
