قال صندوق النقد الدولي في أحدث تقرير له إن الأزمة المالية الحالية تشكل واحدة من أشد النوبات في الولايات المتحدة ومن أكثرها انتشاراً بشكل عام، مما يؤثر على جميع بلدان العالم. وأشار إلى أن إرساء نظم مالية أكثر اعتماداً عن المنافسة الحرة زاد من تعرض النظم العالمية لمخاطر انكماشات حادة.
واستند التقرير على مؤشر للضغط المالي في أسواق الصيرفة والأوراق المالية والنقد الأجنبي في 17 اقتصاداً صاعداً على مدار الثلاثين عاماً الماضية، يحدد 113 نوبة ضغط مالي، نصفها تقريباً يتعلق بالقطاع المصرفي بينما يتركز بقيتها بصفة أساسية في أسواق الأوراق المالية أو النقد الأجنبي.
وأوضح أنه بالنظر إلى نوبات الضغط المالي المذكورة يتبين أنها ليست جميعاً مؤدية لتباطؤ الاقتصاد أو الركود. والواقع أن ذلك لم يحدث إلا في حوالي نصف الحالات حددها المؤشر.
غير أن تباطؤ النشاط أو الركود الذي يسبقه ضغط مالي عادة ما يكون أكثر حدة بكثير عنه في الحالات التي لا يكون مسبوقاً فيها بهذا الضغط. وعلى وجه التحديد غالباً ما تنطوي حالات التباطؤ أو الركود المسبوقة بضغوط تتعلق بالقطاع المصرفي على خسائر تراكمية في الناتج تزيد مرتين إلى ثلاث مرات على الحالات الأخرى وغالباً ما تستمر لمدة أطول مرتين إلى 4 مرات من الحالات الأخرى.
ويكون احتمال الضغط المالي المتبوع بهبوط النشاط الاقتصادي مرتبطاً بمدى ارتفاع أسعار المساكن والائتمان الكلي قبل نوبة الضغط المالي.
وإضافة إلى ذلك، بينما ترتبط زيادة اعتماد الشركات غير المالية على الاقتراض بحدوث تباطؤ أكثر حدة في أعقاب نوبة من الضغط المالي، يمثل حجم الاختلالات المالية في قطاع الإقراض بحدوث تباطؤ أكثر حدة في أعقاب نوبة من الضغط المالي، يمثل حجم الاختلالات المالية في قطاع الأسر عنصراً حاسماً في تحديد ما إذا كان التباطؤ سوف يتحول إلى ركود.
والنشاط الاقتصادي غالباً ما يؤول إلى الضعف بالفعل في حالات الركود التي تسبقها ضغوط مالية في البلدان التي تتسم بنظمها المالية الأكثر اعتماداً على المنافسة الحرة.
ويرجع ذلك إلى أن الرفع المالي في الأجهزة المصرفية، أي الأصول كنسبة من حصص الملكية، يبدو أكثر مسايرة للاتجاهات الدورية في البلدان التي حققت تقدماً أكبر في تطوير الوساطة المالية القائمة على قواعد السوق. غير أن هذا لا يعني أن النظام المالي القائم على المنافسة الحرة يكون أكثر عرضة للضغوط.
وبعقد مقارنة بين نوبة الضغط المالي الحالية والنوبات السابقة، يظل الاحتمال كبيراً في أن تشهد الولايات المتحدة هبوطاً حاداً في نشاطها الاقتصادي. فيبدو أن أنماط أسعار الأصول والائتمان الكلي وصافي اقتراض الأسر في الولايات المتحدة خلال نوبة الضغط المالي الحالية تشبه مثيلاتها في النوبات السابقة التي أعقبتها حالات ركود.
وتتمثل العوامل الموازنة التي قد تتيح بعض القدرة على الصمود أمام هذه التطورات في قوة أوضاع الميزانيات العمومية نسبياً في بداية الأزمة والتيسير النقدي الكبير الذي أجراه الاحتياطي الفيدرالي.
وفي منطقة اليورو، تؤدي القوة النسبية التي تتمتع بها الميزانيات العمومية في قطاع الأسر إلى بعض الحماية من الهبوط الاقتصادي الحاد، بالرغم من الارتفاعات الكبيرة في أسعار الأصول ونسب الائتمان قبل وقوع الاضطرابات المالية.
وفي هذه الظروف، يبدو من الأهمية بمكان أن يتخذ صانعو السياسات إجراءات حازمة لمعالجة الضغوط ودعم استعادة رأس المال في النظام المالي. وهناك خلاصة مهمة نخرج بها من هذا التحليل، وهي أهمية جهات الوساطة المالية الأساسية، بما في ذلك السماسرة والوسطاء وبنوك الاستثمار، في نقل الصدمات المالية إلى الاقتصاد الحقيقي. ويؤكد ذلك أهمية استعادة القواعد الرأسمالية لهذه المؤسسات من أجل المساهمة في تخفيف حدة الهبوط الاقتصادي.
ويخلص التقرير إلى أن سياسة المالية العامة الاستنسابية تستخدم بمعدل تواتر أقل من السياسة النقدية أثناء فترات الهبوط الاقتصادي، وأنها تستغرق وقتا أطول حتى تعمل غالبا بعد انقضاء وقت الحاجة إليها، وإضافة إلى ذلك، غالبا ما تبدي السياسة الاستنسابية تحيزا توسعياً ـ فالدفعة إلى التنشيطية أثناء فترات الهبوط الاقتصادي عادة ما تكون أكثر من درجة التشديد الذي تشهده فترات التوسع ـ الأمر الذي يعني أن الدين العام عادة ما يزحف في اتجاه صعودي مطرد.
وفي المقابل، تصدر أدوات الضبط التلقائي استجابة متسقة. ففي الاقتصادات المتقدمة، عادة ما تكون سياسة المالية العامة الاستنسابية مضادة للاتجاهات الدورية، ولكنها تساير هذه الاتجاهات في الاقتصادات الصاعدة ـ حيث تضاف الدفعة التنشيطية في أوقات اليسر وتلغى في فترات الهبوط.
كما أن سياسة المالية العامة الاستنسابية يمكن أن تحدث آثاراً مضادة للاتجاهات الدورية في حدود معتدلة ـ وإن كانت هناك محاذير مهمة في هذا الخصوص.
ويقدم التقرير أدلة جديدة علي أوجود اختلافات ملحوظة بين الاقتصادات المتقدمة والصاعدة. ففي متوسط الحالات، ترتبط مجموعة التدابير التنشيطية الاستنسابية التي تعادل نقطة مئوية واحدة بزيادة فورية في إجمالي الناتج المحلي تتراوح بين 1, 0% و 2, 0% ولكن الآثار الأطول أجلا تتحول إلى السالب في حالة الاقتصادات الصاعدة، مقارنة بالاقتصادات المتقدمة التي تصبح فيها هذه الآثار موجبة أو قد تزداد ارتفاعا.
وقد يكون للمخاوف المتعلقة بمدى استمرارية القدرة على تحمل الديون دور مهم أيضا في هذا الصدد ـ فقد تستشرف الأسر والشركات المحلية ارتفاع الضرائب أو التضخم في المستقبل، وتبادر أسواق رأس المال الدولية بفرض أسعار فائدة أعلى للوقاية من هذه المخاطر.
وحتى تنجح سياسة المالية العامة الاستنسابية، ينبغي أن تضمن الحكومات تحسين أوضاع المالية العامة في فترات اليسر وأن تلتزم التزاما موثقا بأن يكون استخدام التدابير التنشيطية على أساس مؤقت. ويشكل تكوين التدابير التنشيطية عاملا مهما أيضا فتغيرات السياسية القائمة على الإيرادات تبدو أكثر نجاحا في تنشيط النمو من التغيرات القائمة على النفقات، ربما بسبب صعوبة الرجوع عن زيادات الإنفاق.
ويمكن أن تصبح سياسة المالية العامة أكثر فعالية كأداة مضادة للاتجاهات الدورية عن طريق إفساح المجال لعمل أدوات الضبط التلقائي وزيادة فعالياتها أو تقوية مبادئ الحكومة التي ترتكز عليها المالية العامة. وهناك سبيل ممكن أمام الحكومات يتمثل في زيادة استجابة أدوات الضبط التلقائي بطرق مثل ربط الضرائب أو التحويلات أو برامج الإنفاق بحالة الاقتصاد.
وتتمثل ميزة إعطاء دفعة لأدوات الضبط التلقائي في أن العمل المتسق على مدار الدورة الاقتصادية، ومن اجتناب التحيز للديون، يمكن أن يحقق آثارا فورية في فترات الهبوط ويكون أقل عرضة للتحيز السياسي.
ومن السبل الأخرى أيضا تعزيز مصداقية التدابير الاستنسابية، بغية تخفيض التحيز للديون، عن طريق تقوية مبادئ الحكومة التي ترتكز عليها المالية العامة، كأن يتم ذلك من خلال زيادة التركيز على التقييم الشفاف لحالة الاقتصاد والانعكاسات الأطول أجلا لتدابير المالية العامة.
( الوكالات)