رغم الفرحة الكبيرة التي انتابت الرئيس الأميركي جورج بوش عقب إقرار خطة إنقاذ القطاع المالي التي تقدم بها البيت الأبيض والبالغة كلفتها 700 مليار دولار، إلا أن الخطة وآلياتها ربما تكون بداية لدق المسمار في نعش الاقتصاد الأميركي، وبالتالي مجمل الاقتصاد العالمي، فالمعروف أن الولايات المتحدة تشكل ربع الاقتصاد العالمي وبالتالي فإن جناح الفراشة عندما يرف في «وول ستريت» يحدث لا محالة هزة في كل أصقاع الدنيا.

ومكمن المخاوف يتمثل في أن هذه المبالغ التي ستكون تحت تصرف وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون ليستخدمها في إعادة الحياة للمؤسسات المالية المنهارة ستشكل دورة ثانية من الأنشطة المصرفية غير النزيهة والتي تعتمد على جني مكاسب ضخمة من القروض الموجهة لشرائح لا تمتلك أصولاً أو ضمانات، حيث تفرض عليها المصارف معدلات فائدة فلكية تصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 30% الأمر الذي يسبب في ما بعد عنصر ضغط على مستهلكي القروض ويلقي بهم في حظائر «العبدوية المصرفية».

كل شيء بدأ مع الحادي عشر من سبتمبر 2001 عندما انتابت «وول ستريت» مخاوف كبيرة من احتمال انهيار واسع النطاق في أسعار الأسهم والأنشطة المالية المختلة.

ومنذ ذلك الحين بدأت رحلة المعاناة ليس على مستوى الرهون العقارية فحسب بل امتدت لتصحب معها العديد من الشركات الكبرى التي تراجعت أنشطتها بشكل دراماتيكي واضطرت إلى التخلص من جل موظفيها وتحولت مساحمتها إلى أعمدة يحيط بها الصدى ويسكنها عديمو المأوى، بل تحول جزء منها إلى وكر للجريمة.

وخلال السنوات الثلاث الماضية حولت الأنشطة المصرفية الاستقلالية الأميركية إلى مجتمع مدين من الدرجة الأولى، وتزايدت الحملات والإعلانات المصرفية غير المسؤولة التي تجر الكل نحو منتجات استهلاكية من قروض وبطاقات ائتمانية وغيرها، مما أوجد بيئة خصبة للمشكلات الاجتماعية التي باتت تتفاقم يوماً بعد الآخر.

وازداد الأمر سوءً خلال الأشهر القليلة الماضية بعد تفاقم أزمة الرهن العقاري، حيث وجدت عشرات الآلاف من الأسر نفسها أمام حتمية التشرد بعد أن عجزوا عن سداد الأقساط المترتبة عليها، وبالطبع مرة أخرى تدخلت اللصوصية المصرفية لتستفيد من ذلك الواقع عن طريق إعادة بيع الرهون إلى مؤسسات تتغذى من أموال الضرائب وصناديق المعاشات، الأمر الذي أدى إلى حالات إفلاس في أوساط بعض المؤسسات لتلقي بثقل همومها على المستهلك العادي من جديد وتدخله في دوامة كلفة مواجهة حالة الانهيار تلك عن طريق الاقتطاع من دخله لتغذية مؤسسات وول ستريت المفلسة.

ووفقاً لأحد الخبراء فإن جذور الأزمة الحالية تعود إلى سياسة الانفلات المالية الأميركية، التي بدئ بتطبيقها عام 1971 وأسفرت عن تخلي الإدارة الأميركية عن التغطية الذهبية للدولار، وبلغت هذه السياسة أوجها في عامي 1983 ـ 1984 خلال عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغان، التي تلخصت نظريته الاقتصادية في إطلاق العنان للسلطات المالية لطبع ما تشاء من العملة دون غطاء إنتاجي حقيقي ولتخفيض سعر الفائدة الحاد والإفراط في الإقراض دون التدقيق في الجدارة الائتمانية للمقترضين، كل ذلك في سبيل تحفيز الاستهلاك والائتمان العقاري وتمويل السوق المعلوماتية الصاعدة والبرامج العسكرية والفضائية.

وعندما واجه الأميركيون في نهاية السبعينات عقبة إيجاد أسواق جديدة يُصدّر إليها رأسمالهم المتراكم في ظل بدء تنامي اقتصادات الدول النامية، بدأ تكدس فائض الأموال في القطاع المالي، حيث كانت تنتفخ «الفقاعات المالية»، وتنفجر أحيانا، كما حدث عام 2000 عندما انهارت شركات «الدوت كوم».

وتقف الولايات المتحدة على شفا كارثة اقتصادية اعتبرها رئيس المصرف المركزي الأوروبي جان كلود تريشيه الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.

وبرأي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي هي الأخطر منذ أزمة «الكساد العظيم» عام 1929 عندما انهارت سوق الأموال الأميركية. حتى الحلم أصبح غير مباح بالنسبة للأميركيين وهو ما عبر عنه النائب الجمهوري جيم رامستاد عندما قال إن الأزمة المالية الحالية باتت تغتال الحلم الأميركي وتدمر الوظائف وصناديق التقاعد.

وضربت الأزمة كل شيء حيث فقد أكثر من 131 ألف مصرفي وظائفهم وباتوا حائرين تائهين في دهاليز أحياء المال العالمية، في محاولة لإيجاد فرص جديدة وسط توجس وخوف في العديد من البلدان من أن تؤدي التراكمات المهنية لبعض هؤلاء المصرفيين والقائمة على الممارسات الخاطئة التي أوصلت القطاع المصرفي إلى ما هو عليه الآن إلى نشر السموم في أنظمتها المصرفية. وأظهر تقرير البطالة في أميركا لشهر سبتمبر أن الاقتصاد الأميركي خسر نحو 159 ألف وظيفة الأمر الذي أدى إلى خيبة أمل كبيرة.

وكان من الطبيعي أن تنتقل العدوى إلى خارج الحدود الأميركية لتضرب بقوة ودون هوادة في كل الاتجاهات، فالأسواق الناشئة خسرت خلال الأسابيع الثلاثة الماضية وحدها 4,4 تريليونات دولار، وبعد أن نأت بنفسها عن الأزمة في بداية الأمر عادت أوروبا لتقف على خط الخوف وتدق أجراس الإنذار بعد أن تمكن مرض الائتمان من مصارفها ومؤسساتها المالية.

وعلى عكس للأزمات السابقة التي اتسمت بضيق نطاقاتها وتأثيراتها، برزت مؤشرات قوية على أن الأزمة الحالية باتت تهدد النمو العالمي بأجمله، وبدأت بوادر الانكماش تظهر حتى في الاقتصادات التي كانت تعتبر قطاعاتها المصرفية قلعة محصنة مثل فرنسا التي اعترفت صراحة على لسان وزيرة ماليتها كريستين لاغارد التي قالت إن خطر تسجيل نمو سلبي في الخريف للفصل الثاني على التوالي بات حقيقيا. وبات أكثر من 86% من الفرنسيين يتخوفون من أن انعكاس الأزمة المالية على حياتهم يؤثر على قدراتهم الشرائية.

وبحسب بيانات حديثة فإن فرنسا التي تعتبر القوة الاقتصادية الثانية في منطقة اليورو ستشهد تدنيا في ناتجها الإجمالي الداخلي بنسبة 1,0% في الفصلين الثالث والرابع من السنة بعد تراجع بنسبة 3,0% في الفصل الثاني. واعتبرت صحيفة ليزيكو الاقتصادية أن فرنسا انتقلت إلى مرحلة الانكماش بالفعل.

وظهرت أنباء سيئة في القطاع المالي الأوروبي، فسويسرا التي كانت تعتبر قلعة للأنشطة المصرفية تضررت البنوك فيها بشكل ملحوظ، وألغى «يو.بي.اس» وهو أكثر البنوك الأوروبية تضررا بسبب ما يملك من أصول مرتبطة بأزمة الرهون العقارية عالية المخاطر 6100 وظيفة في وحدة التمويل العقاري التابعة له.

وشرخت طرق معالجة الأزمة الكيان الأوروبي خصوصاً بعد تطبيق أيرلندا إستراتيجية ضمان كافة الودائع لدى مصارفها الأمر الذي أبرز مخاوف من حدوث نزوح واسع النطاق للأموال المودعة في بنوك البلدان الأخرى، وسارعت بريطانيا إزاء تلك الوضعية لرفع حد ضمان الودائع الادخارية إلى 50 ألف جنيه إسترليني من 35 ألفا وذلك في خطة تهدف إلى دعم ثقة أصحاب المدخرات بعد انهيار أكثر من مصرف بسبب الأزمة. واتخذت روسيا مجموعة من الإجراءات في إطار خطة تتجاوز تكلفتها 50 مليار دولار لدعم أسواق المال.

وتشمل الإجراءات استخدام نحو عشرة احتياطيات روسيا من الذهب والنقد الأجنبي والبالغة نحو 595 مليار دولار لمساعدة الشركات على الوفاء بديونها والتزاماتها.

أما آسيا والتي لا تزال تدور في ذاكرتها أزمة تسعينات القرن الماضي، فبدت المخاوف فيها أكثر وضوحاً. فاليابان التي تعتمد النسبة الأكبر من صادراتها الصناعية على الأسواق الأميركية بدأت تستشعر خطورة الموقف في ظل حالة الشلل التي يعيشها الاقتصاد الأميركي.

ومن جانبها أعدت كوريا الجنوبية خططا طارئة لحماية البلاد من أسوأ الاحتمالات. وشهدت أسواق سيئول خلال الفترة الأخيرة عمليات سحب واسعة للأموال من المستثمرين العالميين مع نضوب السيولة في أسواق الائتمان العالمية مما أدى إلى نقص الدولار لدى الكثير من الشركات الكورية الصغيرة.

وبعيداً عن البلدان الصناعية أكد خبراء أفارقة أن تأثيرات الأزمة على قارتهم الغنية بالموارد ستكون أكبر بكثير من المتوقع حيث تعتمد الأسواق الإفريقية على حركة المصانع في أميركا وأوروبا كما تعتمد على تدفق الاستثمارات الخارجية التي ستقيدها الأزمة على أقل تقدير إن لم تحدث تراجعاً درامتيكياً في حجمها.

أما الدول المصدرة للنفط فهي أيضاً باتت عرضة للتأثر في ظل تقارير وكالة الطاقة الدولية وغيرها من الهيئات المتخصصة التي رسمت صورة قاتمة عن أوضاع الطلب العالمي على النفط خلال الفترة المقبلة الأمر الذي دفع بنك الاستثمار ميريل لينش إلى خفض توقعاته لسعر برميل النفط إلى 90 دولاراً من 107 دولارات.

وأبرزت الأزمة الحاجة الملحة إلى تعزيز الشفافية وتقدير المسؤولية في أسواق المال عن طريق تحسين القواعد وتشديد القيود على أجور مسؤولي الشركات وعدم الإفراط في المخاطرة.

وفتحت الباب واسعاً أمام الانتقادات للنظام المالي الأميركي لعل أبرزها وأكثرها مدلولاً كان ذلك الذي جاء على لسان الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف الذي قال في إشارة إلى الولايات المتحدة إن الأزمة المالية الحالية أكدت أن أي بلد مهما كان قويا سيكون غير قادر وحده على لعب دور «الضابط الأكبر» للنظام الاقتصادي العالمي.

كتب ـ كمال عبدالرحمن