فقد أكثر من 22 ألف موظف مصرفي وظائفهم في 10 مصارف أوروبية كبرى خلال الفترة الأخيرة بسبب تأثر أنشطة وأصول تلك المصارف بتداعيات الأزمة المالية التي ضربت الأسواق العالمية خلال الأسابيع القليلة الماضية.
ويأتي هذا في وقت شهدت فيه تلك المصارف عمليات شطب واسعة النطاق للأصول بلغت في مجملها منذ اندلاع الأزمة وحتى الآن نحو 150 مليار دولار.
ودفعت موجة من خفض الوظائف في أعقاب انهيار الأسواق المالية آلاف المصرفيين إلى مصير مجهول، وبدأوا يجوبون أحياء المال في لندن والمدن الأوروبية الكبرى بحثاً عن وظائف جديدة تؤمن لهم مصادر رزق وسط تفاقم مشكلات البطالة في القارة الأوروبية. وأكد عدد من وكالات التوظيف أنها ظلت تتلقى سيلاً هائلاً من الطلبات على مدار الساعة.
وأوضحت وكالة التوظيف الأوروبية «فورام 3» ان نحو 500 مصرفي ممن يبحثون عن عمل في القطاع تقدموا بطلبات إليها في الأسابيع القليلة الماضية بزيادة قدرها 30% عن نفس الفترة من العام الماضي.
ومن المتوقع أن تواجه المصارف الأوروبية المزيد من المشكلات خلال الفترة المقبلة، إذ يتخوف الخبراء المصرفيون من حدوث حالات نزوح جماعية للودائع في ظل لجوء بعض بلدان القارة الأوروبية لآلية تأمين الودائع المصرفية دون الالتزام بسقف معين لذلك، وهو أمر دفع بالعديد من المسؤولين لإبداء مخاوف علنية من حدوث انتهاكات صارخة لقواعد المنافسة الأوروبية.
ووقعت رئيسة أيرلندا ماري مكاليس رسميا أول من أمس الخميس مشروع قانون يضمن التزامات البنوك الايرلندية البالغة 558 مليار دولار، وذلك من أجل تعزيز الثقة في النظام المالي للبلاد.
وبذلك يصبح المشروع قانونا ساريا. وتحدى البرلمان الايرلندي معارضة لندن وهواجس بروكسل بتمرير تشريع يقضي بضمان كل الودائع في البنوك الايرلندية فقط مما أدى إلى إطلاق موجة نزوح للسيولة من البنوك البريطانية إلى تلك الايرلندية. وكانت الحكومة كشفت عن التشريع الذي أوقد بالفعل شرارة تدفقات نقدية من بريطانيا على البنوك الايرلندية يوم الثلاثاء الماضي في أعقاب يوم من الخسائر الحادة لأسهم الشركات المالية الايرلندية.
وكانت الحكومة البريطانية قد أعربت عن قلقها من قرار الحكومة الأيرلندية ضمان الودائع والمدخرات في البنوك الرئيسية الستة بأيرلندا. وأبلغ وزير الخزانة البريطاني أليستر دارلينج نظيره الأيرلندي بريان لينهان أن قرار دبلن يمثل مشكلة بالنسبة لبريطانيا.
لكن ايرلندا قالت إن قرار ضمان الودائع المصرفية يمثل إجراء وقائيا لم يكن مخططا وإنما اتخذ لحماية أحد البنوك الأيرلندية من الانهيار وما سيتلوه من انهيارات أخرى. وجاء تحرك وزير الخزانة البريطاني في أعقاب تقارير عن اتجاه المودعين نحو سحب ودائعهم من البنوك البريطانية ووضعها في بنوك أيرلندية بما في ذلك خدمة الادخار لدى شركة البريد البريطانية التي يقدمها بنك أوف أيرلاند من خلال الشركة البريطانية.
وفي مؤشر يعكس المخاوف المتزايدة في الأوساط الأوروبية، سارعت هولندا لتأييد فكرة إقامة صندوق إنقاذ للمصارف بقيمة 300 مليار يورو تحدثت تقارير عن أن فرنسا اقترحتها، لكن مصادر فرنسية رسمية نفت تلك التقارير فيما بعد.
وقالت هولندا إنه ينبغي لدول الاتحاد الأوروبي أن تخصص 3% من إجمالي الناتج المحلي في صناديق إنقاذ للبنوك الوطنية يمكن استخدامها بطريقة منسقة. ومن جانبها قالت وزارة الاقتصاد الاسبانية إنها ستؤيد مسعى أوروبيا منسقا لزيادة ضمانات الودائع المصرفية من الحد الأدنى الحالي على مستوى أوروبا وهو 20 الف يورو.
وأعلن البنك المركزي السويدي إطلاق خط ائتمان بقيمة 7,8 مليارات دولار، لتخفيف حدة أزمة السيولة في النظام المصرفي بالبلاد. وتقول دوائر مصرفية سويدية إنه وعلى الرغم من وجود أموال وودائع كثيرة لدى البنوك السويدية وأن ما تعرضت له من خسائر كان أقل مما حدث في بلدان أوروبية أخرى، إلا أن نظام القروض طويلة الأمد المعمول به حالياً قد يهدد بآثار سلبية على إمدادات الائتمان بالنسبة للبنوك والشركات والأسر.
وتتأتي معظم المخاوف السويدية من حقيقة أن البنوك السويدية تنتشر في بلدان تتسم اقتصاداتها بالهشاشة وهو الأمر الذي قد يعرض أنشطتها في تلك البلدان لآثار سلبية بالغة الخطورة إذا ما استمرت الأوضاع الحالية على ما هي عليه.
وفي خضم المخاوف من حدوث هزة كبيرة في أوساط المستثمرين أو حدوث عمليات سحب جماعي للودائع من مصارفها أعلنت ايطاليا أنها ستتخذ إجراءات سرعة للحيلولة دون وقوع انهيارات كبيرة وتعهدت بالدفاع بشراسة عن البنوك الايطالية التي تضررت من جراء التباطؤ في الأسواق العالمية ضد محاولات الاستحواذ عليها من قبل بنوك أجنبية.
وأظهرت تقارير صادرة عن «دوتش بانك» أن «يوني كريدت» وهي واحدة من أكبر مؤسسات الإقراض في ايطاليا والقارة الأوروبية تعرضت لهزة عنيفة خلال الأسبوعين الماضيين. وتعتبر «يوني كريديت» أحد أهم الأعمدة التي استند إليها القطاع المصرفي الإيطالي في نهضته التي سبقت اندلاع الأزمة لذلك فإن أية مخاوف من حدوث تراجع في أنشطتها قد تلقي بتأثيرات كبيرة على مجمل الاقتصاد الإيطالي.
وسرعان ما أصيبت المصارف والمؤسسات المالية الأوروبية بعدوى أزمة الرهن العقاري التي تفاقمت في الولايات المتحدة الأميركية في بداية النصف الثاني من العام الحالي رغم أن بداياتها تعود لعدة أشهر مضت. وأشارت تقارير نشرتها صحايفة «فاينانشيال تايمز» إلى أن البنوك الأسبانية تعرضت لهزات عنيفة خلال الأسابيع الماضية الأمر الذي ألقى بظلال قاتمة على موقف القطاع العقاري. وتزايدت حدة المشكلات المتعلقة بالقروض الهالكة.
وأكد العديد من المصارف أن أنشطتها تعرضت لتراجع كبير. وفي أعقاب الإعلان عن انهيار شركة الرهن العقاري «مارتيناس فيديسا» تراجع حجم القروض الممنوحة من قبل المصارف الأسبانية إلى 9 مليارات يورو في يونيو مقابل 40 مليار في شهر مايو، الأمر الذي يعكس حالة عدم الثقة في الأوساط المالية والخوف من حدوث المزيد من الانهيارات. وعلى الرغم من أن معظم البنوك الأسبانية تعتمد بشكل كبير على خدمات التجزئة إلا أن القروض التجارية والعقارية التي تشكل نسبة 40% من مجمل الأنشطة المصرفية تراجعت بشكل مخيف.
«يو.بي.إس» يلغي 2000 وظيفة أخرى
قال بنك يو.بي.اس السويسري انه سيقلص حجم وحدة الاستثمار المصرفي المتعثرة التابعة له ليلغي ألفي وظيفة أخرى ويغلق معظم أعماله الخاصة بالسلع ولمح إلى أنه ربما يرغب في التمسك بتلك الأعمال.
وتأتي هذه الخطوة بعد يوم من إعلان البنك وهو أكبر مؤسسة لإدارة الثروات في العالم تحقيق أرباح قليلة في الربع الثالث بعد عام من الخسائر فيما يشير إلى أنه خرج بسلام من أزمته حتى في وقت تبتلع فيه أزمة الائتمان كثيرا من نظرائه.
ويأتي خفض 2000 وظيفة بعد خفض 4100 وظيفة في أعمال الاستثمار المصرفي العام الماضي. وبسبب اندفاع وحدة الاستثمار المصرفي لشراء أصول محفوفة بالمخاطر مثل الرهون العقارية الأميركية عالية المخاطر اضطر يو.بي.اس لشطب أصول بقيمة 42 مليار دولار وهو أكبر شطب من جانب بنك أوروبي.
وقالت متحدثة باسم البنك ان أكبر قدر من الخفض سيتم في الولايات المتحدة وبريطانيا وسيحدث خفض أيضا في سويسرا واسيا. وسينفذ الخفض «سريعا» وسيكون أغلبه من خلال خفض الوظائف المتكررة حيث يستهدف اكتمال الخفض بنهاية العام.
وكان يو.بي.اس أكبر مصرف في العالم لاستثمار ثروات الأغنياء قد أعلن عمليات شطب من الأصول تزيد عما أعلنه أي بنك آخر في أوروبا خلال العام الماضي بسبب وجود كثير من الأصول الأميركية عالية المخاطر لديه كما اضطر لخفض الوظائف.
وبهذا الخفض يكون يو.بي.اس قد خفض عدد الوظائف في وحدته الاستثمارية بنحو الربع إلى 17000 منذ الربع الثالث من عام 2007 كما ينخفض إجمالي عدد العاملين بالبنك إلى أقل من حوالي 80 ألفا.
وأطلق بيتر كورير رئيس البنك خطة إعادة هيكلة جذرية في أغسطس شملت فصل وحدة الاستثمار المصرفي بالبنك عن أعمال إدارة الثروات وإدارة الأصول الناجحة مما غذى تكهنات بأنه ربما يسعى لبيع وحدة الاستثمار المصرفي. لكن جيركر جوناسون الرئيس التنفيذي لوحدة الاستثمار المصرفي لمح إلى أن البنك ربما يرغب في التمسك بها في صورة مصغرة. وقال « إن بنكا ذو حجم مناسب يقف إلى جانب الوحدة الرائدة في العالم في إدارة الثروات وإدارة الأصول... سيمكن يو.بي.اس من وضع نفسه كواحد من ضمن المجموعة الأساسية من البنوك العالمية المرجح أن تهيمن في هذا الأفق».
كتب ـ كمال عبد الرحمن
