برزت خلال الساعات الماضية مؤشرات عديدة على وجود انقسامات حادة داخل الكيان الأوروبي حول آليات وطرق معالجة الأزمة المصرفية والمالية التي بدأت تتفاقم داخل بلدان القارة الأوروبية، وسط مخاوف من نزوح جماعي للمدخرات في ظل الإجراءات التي اتخذتها بعض البلدان لحماية الودائع المصرفية.

وعبرت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل عن تحفظات تجاه مبادرة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الخاصة بحل الأزمة المالية والتي تقدم بها قبل نحو يومين، وقالت إنه يريد «قيادة» الرد العالمي على الأزمة المالية فيما رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو إلى «تعاون اوثق» بين الحكومات في مواجهة الأزمة.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية ان برلين تعارض بشدة الاقتراح الفرنسي بانشاء صندوق أوروبي لمنع إفلاس أي مصرف كما طرحته وزيرة الاقتصاد الفرنسية في مقابلة مع صحيفة «هاندلسبلات» الألمانية. واثارت مسألة تمويل هذا الصندوق الأوروبي التباسا بينما تحدث مصدر حكومي أوروبي في برلين عن رأسمال يبلغ 300 مليار يورو لهذا الصندوق.

وقال رئيس وزراء لوكسمبورغ ان صندوقا كهذا مثل الذي اقترح في خطة وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون «ليس ضروريا في أوروبا» حيث الوضع المالي «أكثر استقرارا» من الولايات المتحدة. الا ان الوزيرة الفرنسية حاولت ان تنزع فتيل الخلاف مع ألمانيا مؤكدا ان إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار يورو أمر ليس واردا.

وقال مصدر قريب من الملف ان هذا المبلغ هو في الواقع اقتراح هولندي لا تشارك فيه فرنسا. لكن وزارة المالية الهولندية أكدت بدورها انها «لا تعرف شيئا عن خطة كهذه» للإنقاذ. وتدعو ألمانيا التي تؤكد ان قطاعها المالي متين إلى إدارة الأزمات المصرفية كل واحدة على حدة.

وأعربت الحكومة البريطانية عن قلقها من قرار الحكومة الأيرلندية ضمان الودائع والمدخرات في البنوك الرئيسية الستة بأيرلندا. وكان وزارة المالية الأيرلندية قد أعلنت في وقت سابق اعتزام الحكومة ضمان كافة الودائع لدى البنوك في أيرلندا.

وذكرت تقارير أن وزير الخزانة البريطاني أليستر دارلينج اتصل هاتفيا مرتين بنظيره الأيرلندي بريان لينهان في ظل مخاوف من أن يؤدي القرار الأيرلندي إلى نزوح للمدخرات المالية من البنوك البريطانية إلى البنوك الأيرلندية.

وكانت الحكومة الأيرلندية قد أعلنت في وقت سابق اعتزامها ضمان الودائع حتى 100 ألف يورو (144 ألف دولار) ولكنها عادت ومدت بعد ذلك نطاق الضمان ليشمل كافة الودائع. وذكرت مصادر بريطانية أن دارلينج أبلغ وزير المالية الأيرلندي أن قرار دبلن يمثل مشكلة بالنسبة لبريطانيا. وأضاف لينهان إن قرار ضمان الودائع المصرفية في البنوك الرئيسية الست هو إجراء وقائي لم يكن مخططا ولكنه اتخذ لحماية أحد البنوك الأيرلندية من الانهيار وما سيتلوه من انهيارات أخرى.

ويغطي نظام ضمان المخدرات في أيرلندا الودائع في البنوك الست الرئيسية وهي أليد أيرش بنك وبنك أوف أيرلاند وأنجلو أيرش بنك وأيرش لايف أند بريمنينت وآيرش نيشن وايد بيلدنج سوسايتي وإيديوكشين بيلدنج سوسايتي التي يصل إجمالي المدخرات لديها إلى حوالي 400 مليار يورو (560 مليار دولار) .

كما قررت الحكومة ضمان كافة الأموال التي تقترضها البنوك الأيرلندية من أي مؤسسات أخرى مع التعهد بالتحرك في حالة تعرض أي بنك أيرلندي لاضطرابات خطيرة. وذكرت وزارة المالية الأيرلندية أن هذا لإجراء يهدف إلى القضاء على أي شكوك تحيط باستقرار البنوك الأيرلندية.

وجاء تحرك وزير الخزانة البريطاني في أعقاب تقارير عن اتجاه المودعين نحو سحب ودائعهم من البنوك البريطانية ووضعها في بنوك أيرلندية بما في ذلك خدمة الادخار لدى شركة البريد البريطانية التي يقدمها بنك أوف أيرلاند من خلال الشركة البريطانية.

وذكرت تقارير أن دارلينج طالب من نظيره الأيرلندي توسيع نطاق ضمان الودائع ليغطي أيضا البنوك البريطانية العاملة في أيرلندا. وأعلنت الرئاسة الفرنسية ان رؤساء دول وحكومات الدول الأوروبية الاربع في مجموعة السبع (المانيا وفرنسا وبريطانيا وايطاليا) ستعقد اجتماعا غد السبت في باريس لبحث رد أوروبي مشترك على الأزمة المالية الدولية.

واوضحت الرئاسة الفرنسية ان القمة ستضم ايضا رؤساء المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو والمجموعة الاوروبية جان كلود يونكر والبنك المركزي الأوروبي جان كلود تريشيه. وأضاف بيان الرئاسة الفرنسية ان «هذه القمة تهدف إلى تحضير مساهمة الأعضاء الأوروبيين في مجموعة الثماني في اللقاءات المقبلة لهذه المنظمة المخصصة للازمة المالية الدولية».

من جهة أخرى، نفت مصادر قريبة من وزيرة الاقتصاد الفرنسية كريستين لاغارد ان تكون باريس اقترحت انشاء صندوق أوروبي لانقاذ المصارف. وقالت هذه المصادر «طرحت افكار تم تبادلها ولكن ليست مقترحات فرنسية ولا خطة فرنسية ولا صندوق فرنسي». لكن في لاهاي، صرحت متحدثة باسم وزارة المالية الهولندية ان هولندا اقترحت على بلدان الاتحاد الأوروبي إنشاء صندوق مشترك لانقاذ المصارف.

وقالت هندريينكي بولهار ان «الفكرة هي ان تضع كل من الدول الأعضاء جانبا وسائل لضخ رأسمال في مؤسسات مالية في حال واجهت هذه المؤسسات صعوبات»، موضحة ان التفاصيل المتعلقة بهذا الصندوق «يجب ان تتقرر لاحقا».

وتابعت ان الخطة ستناقش خلال لقاء في باريس بين ساركوزي الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي ورئيس الوزراء الهولندي يان بيتر بالكينيندي. وذكرت الصحف الهولندية ان الهولنديين يقترحون ان يستثمر كل بلد 3% من اجمالي ناتجه الداخلي في الصندوق. وحتى هذا الاعلان كانت هذه القمة التي يريد الرئيس الفرنسي عقدها تثير التباسا بعد انقسامات عميقة بين دول الاتحاد الأوروبي حول الطريقة المثلى لإنقاذ المصارف التي تواجه صعوبات.

واكد ساركوزي الأربعاء تصميمه على تنظيم الرد الأوروبي على الأزمة المالية على الرغم من تحفظات ألمانيا التي تعارض فكرة باريس وضع خطة أوروبية للمصارف وتفضل معالجة كل حالة من حالات إفلاس المصارف على حدة. وطالبت المستشارة الألمانية بتحسين «نظم التأمين والإنذار المبكر» في القطاع المالي لتدارك الأزمة المالية الأخيرة.

وقالت ميركل إنه لا يمكن أن يتم العمل في ألمانيا وفقا لقواعد المعهد الألماني لتوحيد المعايير وأن تفحص الرابطة الألمانية للمراقبة التقنية الكثير من الأجهزة في حين أن العديد من المنتجات التي تقدر بالمليارات تطرح في الأسواق المالية دون أن تنطبق عليها المعايير الكافية.

وفي المقابل أعربت ميركل عن ثقتها في إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة حول وضع معايير ملائمة لأسواق المال. ورفضت ميركل التعهد مسبقا لجميع البنوك الألمانية بتقديم الدعم الشامل لها لتدارك الأزمة المالية على غرار دعم الدولة لبنك «هيبو ريل ستيت» العقاري العملاق وذلك بتقديم حزمة إنقاذ بقيمة 35 مليار يورو .

وقالت «لا تستطيع الحكومة الاتحادية ولا ترغب في تقديم شيك على بياض لجميع البنوك سواء كانت هذه البنوك تتصرف بشكل مسئول أم لا». وأكدت ميركل أن حكومتها ستفعل ما في وسعها للحد من أزمة الأسواق المالية، وقالت «الثقة هي العملة الأهم في الاقتصاد ، وستعمل الدولة على حمايتها، وعلى المواطنين أن يعلموا أن الحكومة مهتمة بالأمر».

وأشارت المستشارة إلى أن نظام البنوك في ألمانيا أكثر استقرارا من أي مكان آخر ، مؤكدة أن عملية إنقاذ بنك «هيبو ريل ستيت» ما هي إلا دعم مقدم من الدولة لم يدخل فيه حتى الآن أي أموال ضريبية، موضحة أن هذا الدعم ضروري للحد من الخسائر التي قد يتعرض لها الاقتصاد الألماني كله وبالتالي حماية أموال جميع المواطنين.

واجرى ساركوزي مشاورات مع رئيس المفوضية الأوروبية ورئيس مجموعة اليورو جان كلود يونكر ورئيس البنك المركزي الأوروبي جان كلود تريشيه، لتنظيم اجتماع لرؤساء دول وحكومات الدول الأوروبية الاربع الأعضاء في مجموعة البلدان الصناعية السبعة، اي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وايطاليا. وقال مصدر قريب من الاليزيه «الهدف هو تنظيم هذا الاجتماع بسرعة اي قبل نهاية الأسبوع الجاري ويبدو ان الأمور تتقدم».

ووافق رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلوسكوني والمستشارة الألمانية ميركل على المشاركة في اجتماع باريس وكذلك باروزو ويونكر وتريشيه.

(الوكالات)