ظهرت بوادر خلال الساعات الماضية على تعرض العديد من قلاع المال العالمية للاهتزاز بسبب تداعيات أزمة الائتمان الحالية. وحمل الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز ما أسماه بالأنظمة الرأسمالية المتطرفة المسؤولية وقال «حيثما وجدت الرأسمالية وجد النهب والاستغلال والفقر».
وقال دونالد تسانج زعيم هونغ كونغ إن الإقليم يواجه الآن «تسونامي مالي»، مشيراً إلى أن المدينة ستحتاج إلى قدر من التماسك والمثابرة لتجاوزه. وأضاف تسانج الذي كان يتحدث خلال احتفال أقيم بمناسبة أحد الأعياد الوطنية الصينية أنه ينبغي على الشعب في المدينة البالغ تعداد سكانها 9, 6 ملايين نسمة أن يستحضر روح الصين التي تجلت عقب الزلزال الذي ضرب سيتشوان في مايو الماضي لمواجهة الأزمة التي تحدق بنا.
وقال زعيم هونغ كونغ أمام ألفي شخص حضروا حفل الاستقبال «لقد استطعنا تجاوز الكارثة بفضل القوة الهائلة والتكاتف اللذين أظهرتهما الأمة بأسرها في أعقابها».
وتابع تسانج « بدءا من الزلزال في سيتشوان إلى تنظيم الألعاب الاولمبية في بكين ونجاح إطلاق مركبة الفضاء سينتشو - 7 فإن الامة الصينية أظهرت للعالم مرة أخرى قدرتها على الإصرار والمثابرة». وكان مؤشر هانج سينج في هونغ كونغ قد انخفض إلى أدنى مستوى له خلال عامين تقريبا حيث خسر قرابة نصف قيمته منذ القفزة الهائلة التي حققها ليقترب من 32 ألف نقطة في شهر أكتوبر الماضي.
و أنحى شافيز ونظيره البوليفي إيفو موراليس باللائمة على «الرأسمالية» و«الإمبريالية» في الأزمة المالية التي تهز أسواق العالم. وقال شافيز في مدينة ماناوس البرازيلية « لا أحد يعلم إلى أي مدى سيصل هذا الانهيار. أنا من بين من يعتقدون أن انهيار الليبرالية الجديدة «الرأسمالية المتطرفة» سوف يكون أسوأ من ذاك الذي حدث في عام 1929.
سوف يؤثر على العالم أجمع. ولن يكون بوسع أي بلد أن يقول إنه لن يتأثر». وفي المدينة ذاتها، جدد موراليس القول إنه ومن المقرر أن يلتقي شافيز وموراليس في ماناوس بالرئيس الإكوادوري رافائيل كوريا والرئيس البرازيلي لويس اناسيو لولا دا سيلفا، وجميعهم من أصحاب التوجهات اليسارية.
وانتقد الرئيس البوليفي خطة الإنقاذ الأميركية التي اقترحتها إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش، وقال « كيف يمكن أن يجبر الفقراء على دفع ثمن أزمة الأغنياء؟ في بوليفيا، نأمم الموارد الطبيعية لكي يحصل الفقراء على الأموال. أما في أميركا فيريدون تأميم الديون».
ودعا الرئيس البرازيلي في وقت سابق الولايات المتحدة إلى التحلي ب«الحكمة» في مواجهة أزمة الائتمان الحالية. وقال دا سيلفا «لا يمكن للأسواق الناشئة التي تعمل بشكل صحيح أن تكون ضحايا الآن لنادي القمار الذي أنشأه المصرفيون في الولايات المتحدة».
وأشار دا سيلفا إلى أن الاقتصاد البرازيلي الذي يحتل المرتبة العاشرة عالميا لن « يصاب بضرر» نتيجة الاضطراب المالي في الولايات المتحدة.
وقال « نحن مدركون لخطورة الأزمة، لكننا على يقين من أن الصادرات والواردات لا تزال جيدة، وأن الصناعة لدينا في حالة طيبة، نحن واعون لما يحدث، لكننا هادئون». ومن المقرر أن يبحث الرؤساء الأربعة في اجتماعهم بمدينة ماناوس قضايا تتعلق بالتعاون الثنائي والتكامل الإقليمي والموقف الدولي إلى جانب مسألة تأخر إنشاء بنك لدول الجنوب.
وفي سياق متصل قال رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين إن ما سماه بالعدوى المالية التي ضربت أسواق المال في الولايات المتحدة الأميركية والتي لم تتمكن واشنطن من إيقافها، انتقلت إلى أسواق المال الأخرى. ومن أجل تحصين القطاع المالي بروسيا سمحت الحكومة الروسية لبنك روسيا المركزي بتقديم قروض تبلغ قيمتها الإجمالية 50 مليار دولار إلى البنوك والشركات الروسية التي ما زالت تلجأ إلى الاقتراض الخارجي، عن طريق مصرف «فنيش اكونوم بنك» الروسي.
ورصدت الحكومة الروسية في ميزانية العام الجاري وميزانية العام المقبل اعتمادات قدرها 250 مليار روبل لدعم سوق روسيا للأوراق المالية والأسهم.
ويرى الخبير الاقتصادي يفغيني نادورشين من بنك «تراست» الروسي إمكانية أن تنزع هذه الإجراءات فتيل التوتر في القطاعين المصرفي والمالي. وحسب تقديراته فإن الشركات الروسية مطالبة برد ديون تقارب قيمتها 11 مليار دولار في الربع الأول من العام الحالي.
وبالنسبة للروس الذين يدخرون ثروتهم في الأوراق النقدية الأميركية سيعني اعتماد خطة إنقاذ الاقتصاد الأميركي انخفاضا في قيمة مدخراتهم بحسب رأي بعض المحللين في حين يرى محللون آخرون أن تنفيذ سيؤدي إلى ارتفاع الدولار أمام اليورو والروبل.
وقال كبير الخبراء الاقتصاديين في شركة «ترويكا ديالوغ» الاستثمارية يفغيني غافريلينكوف إن الاحتياطات الدولية الروسية تقلصت بمقدار 40 مليار دولار بسبب الاضطرابات في النظام المالي العالمي.
وأوضح «في الأسابيع الماضية وعلى خلفية إفلاس العديد من المؤسسات المالية جرى تسويق جميع الموجودات المتوفرة، وفي روسيا أيضا تم سحب الأموال من الاقتصاد الروسي. وبناء على ذلك فقدت روسيا نحو 40 مليار دولار من احتياطاتها الدولية». وتحول البنك المركزي الروسي إلى استخدام مصطلح الاحتياطات الدولية لأن مصطلح «احتياطي الذهب والعملات الصعبة» لم يعد متداولا عالميا.
نطاق استخدام الدولار ينكمش مع تغير الأدوار على الساحة المالية
قال مسؤولون ومحللون إن الأزمة المالية الحالية كشفت خطورة الاعتماد على الدولار الأميركي كعملة تعتمد عليها معظم بلدان العالم في موازينها وتجارتها الخارجية وتربط عملاتها به، وذلك بسبب التقلبات الكبيرة في أسعار صرفه. وتوقعوا تراجعا تدريجيا لاستخدام الدولار. وأشاروا إلى أن دور الولايات المتحدة على الساحة المالية العالمية سيتغير مما سيؤدي إلى انكماش نطاق استخدام الدولار بمرور الوقت.
ويرى البعض أن ثقة السوق لن تستعاد ببساطة بالمساعدة التي ستقدمها خطة إنقاذ أسواق المال والتي تكلف 700 مليار دولار، وأن الأمر سيتطلب وقتا طويلا لحل أزمة السيولة الحالية وأزمة الاستثمار. كما تنبئوا بحدوث تقلبات قصيرة المدى للدولار نظرا لانخفاض الطلب عليه وأن تكون هناك «انباء سيئة» خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
وقال تشو مين نائب رئيس بنك الصين إنه يعتقد أن الولايات المتحدة لن تقوم على الأرجح ببيع المزيد من سندات الخزانة إلى دول أخرى للحصول على الأموال اللازمة لحل أزمة الأسواق المالية التي اجتاحها الاضطرابات لان هذا لن يؤدى سوى إلى تسريع التضخم في البلدان الأخرى.
وذكر انه بدلا من ذلك من الممكن أن تصدر الولايات المتحدة سندات أخرى لتمويل خطة الإنقاذ، وهو الأمر الذي قال تشو إنه سيؤدى حتما إلى انخفاض قيمة الدولار على المدى البعيد. وستصل تكاليف الإنقاذ إلى تريليون دولار، إذا مرر الكونجرس الأميركي خطة الإنقاذ المالي.
وفي ذات الإطار قال الخبير الاقتصادي الصيني تشينغ سى وى إن معدل انخفاض قيمة العملة الصينية، اليوان، لابد أن يكون أبطأ. وتقول الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية إن قيمة اليوان منخفضة للغاية، وهو ما يعرض المصدرين الصينيين «لمعاملة غير عادلة».
وشهد اليوان ارتفاعا مستمرا في السنوات الأخيرة، ولكن هذه المرة تشكو المزيد والمزيد من الشركات الصينية ومن بينها شركات النسيج من خسائر في العائدات وتقول إنها تواجه إغلاق محتمل. وارتفع سعر اليوان إلى مستوى عال خلال الأيام الماضية جديد مقابل الدولار الضعيف جراء انتعاش أسعار النفط في الأسواق العالمية.
وكان متوسط سعر اليوان 8009, 6 يوانات لكل دولار، طبقا لنظام تجارة النقد الأجنبي الصينية. وزاد المعدل 234 نقطة أساسية خلال يوم واحد. وكانت تلك هي المرة الأولى التي تتخطى فيها العملة الصينية حاجز 81, 6 بعد انفصالها عن الدولار في يوليو 2005.
والارتفاع السابق كان 8128, 6 يوانات في 16 يوليو. وارتفعت قيمة اليوان أكثر من 7 % أمام الدولار منذ بداية العام وأكثر من 21 % منذ يوليو 2005. ويعزي محللون الارتفاعات الأخيرة إلى ضعف الدولار وسط قلاقل حول النظام المالي الأميركي وانتعاش أسعار النفط في الأسواق العالمية.
وهبط الدولار مقابل اليورو في الأسواق الآسيوية أمس بعد يوم من ارتفاعه بسبب علميات نهاية الفصل والآمال ان يتوصل المشرعون الأميركيون إلى اتفاق على احياء خطة إنقاذ القطاع المالي المضطرب.
وقال متعاملون ان عمليات بيع محدودة أضرت بالدولار اذ اعتقد المستثمرون أن ارتفاعات اليوم السابق كان مبالغ فيها. وكان النشاط محدود في التعاملات في آسيا بسبب إغلاق الأسواق في الصين وسنغافورة وغيرها لعطلة رسمية.
وسجل الدولار أكبر ارتفاع أمام اليورو أول من أمس الثلاثاء منذ طرح العملة الأوروبية الموحدة في عام 1999 إذ راهن المستثمرون على أن واشنطن ستتمكن من إنقاذ الخطة بعد رفض مجلس النواب لها. وتدعم الدولار بالطلب على التمويل في نهاية الربع الثالث من العام.
وقال جيف كندريك محلل أسواق الصرف في يو.بي.اس نسبة كبيرة من المكاسب الأخيرة كانت بسبب الطلب على الدولار في نهاية الربع. وإضافة إلى ذلك كان هناك الأمل في ان خطة الإنقاذ ستمضي قدما والمخاوف على القطاع المصرفي في منطقة اليورو».
دبي ـ «البيان»
