تحطمت الخطة الأميركية الضخمة لإنقاذ أسواق المال من عثرتها على صخرة الكونغرس الذي شهد «تحالفاً غير مقدس» بين الجمهوريين الذين تنتمي إليهم إدارة الرئيس جورج بوش صاحبة الخطة وبين الأغلبية الديمقراطية المعارضة من أجل عرقلة هذه الخطة التي تتضمن إنفاق ما يصل إلى 700 مليار دولار لإنقاذ الأسواق والنظام المالي.

ولعل أهم أسباب رفض مجلس النواب الأميركي للخطة تتمثل في الشكوك التي باتت تحيط بمدى تأثير الأزمة الطاحنة التي تواجهها مؤسسات التمويل وأسواق المال في الولايات المتحدة على المواطنين العاديين. كما أن هناك حالة من الرفض الشعبي لاستخدام أموال دافعي الضرائب لإنقاذ إمبراطوريات العمل المالي الأميركية.

ويتمثل الهدف الرئيسي للخطة الأميركية في ضمان توافر القروض التي تستخدم في تمويل كل شيء من شراء منزل إلى شراء سيارة وحتى لتمويل الدراسة الجامعية. وحذر كبار المسؤولين من «تجفيف منابع» تمويل هذه الأنشطة إذا لم تجد البنوك إمدادات كافية من السيولة النقدية لكي تواصل تقديم القروض للمواطنين العاديين.

ولكن هذه الخطة أثارت استياءً واضحاً في صفوف عامة الأميركيين الذين أغرقوا نوابهم في الكونجرس بالرسائل البريدية والاتصالات الهاتفية لإبلاغهم رفضهم للخطة الرامية لإنقاذ مستثمري وول ستريت.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والنيابية في الولايات المتحدة بعد نحو خمسة أسابيع كان من الصعب جداً على أعضاء الكونغرس تجاهل مواقف الناخبين.

وحذر وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون مهندس خطة الإنقاذ والتي فشلت في الكونجرس من أن الحكومة الاتحادية ليس لديها الوسائل الكافية للتصدي للأزمة المالية الهائلة التي تمسك بخناق الاقتصاد الأميركي. وأعرب بولسون عن خيبة أمله بسبب رفض مجلس النواب للخطة.

وتعهد بالاستمرار في العمل مع زعماء الكونجرس من أجل الوصول لنوع من الحلول الوسط «بأسرع وقت ممكن». وأضاف «لدينا الكثير من العمل لننجزه وهذا أهم من أن ندعه ببساطة يفشل».

وأوضح بولسون إن الأسواق المالية حول العالم تعاني من «اضطراب كبير». وتعمل وزارة الخزانة مع مجلس الاحتياطي الاتحادي من أجل إبقاء النظام المالي قائماً وضخ السيولة في القطاع المصرفي. وقال بولسن إن الولايات المتحدة في حاجة إلى وضع خطة إنقاذ النظام المالي في أسرع ما يمكن. وأوضح «من الضروري أن نعمل بأسرع ما يمكن. ومن الضروري القيام بشيء ما.

وسأواصل مشاوراتي مع قادة الكونغرس لإيجاد وسيلة لإحراز تقدم والقيام بشيء ما بأسرع ما يمكن». وأضاف «أصبت بخيبة أمل شديدة جراء التصويت اليوم، مكرراً التزامه العمل مع الكونغرس لتبني «خطة شاملة لاستقرار النظام المالي وحماية الشعب الأميركي، وخفض إمكانات إصابة اقتصادنا بمزيد من التدهور». وأكد بولسن «لدينا كثير من العمل.

والرهان مهم جداً ونحن لا نسمح لأنفسنا بالفشل»، مشيراً إلى «التوتر في الأسواق المالية في كل أنحاء العالم» وانهيار مصرفين أميركيين والمشكلات التي تواجهها مصارف أوروبية.

وقالت مذكرة أذاعها البيت الأبيض إن الرئيس جورج بوش خول وزارة الخزانة استخدام أموال من صندوق تثبيت الصرف لدعم بعض صناديق سوق النقد القصير الأجل. وقال بوش في مذكرته الموجهة إلى وزير الخزانة هنري بولسون «إنني أوافق على استخدام أموال من صندوق تثبيت الصرف كضمانات لبعض الصناديق في سوق النقد القصير الأجل».

وأضاف ان هذه المذكرة تجب مذكرة مماثلة وقعها بوش في وقت سابق من هذا الشهر. وكانت الخزانة قالت في 19 من سبتمبر إنها سوف تستخدم 50 مليار دولار لدعم مثل هذه الصناديق التي هبطت قيم وحداتها دون دولار وهي خطوة أخرى على الطريق إلى احتواء الأزمة المالية التي تعصف بالأسواق.

ويمكن القول إن «تمرد» مجلس النواب على الإدارة الأميركية يعود إلى أسباب متباينة منها الفلسفة المثالية الخاصة بحرية السوق والسياسات الشعبوية.

فقد رأى البعض أن التدخل الحكومي في النظام المالي على النحو الذي تقترحه الخطة لا يتفق مع قواعد السوق الحرة التي تترك المستثمرين يدفعون ثمن مغامراتهم غير الضرورية. وهناك من يرى أن هذه الخطة لن تحقق أي نتائج إيجابية وأن الأموال المرصودة لها لن تكون إلا بداية جولة جديدة من الاستدانة بالنسبة للحكومة.

وقال جيف فليك النائب الجمهوري من ولاية أريزونا خلال المناقشات التي سبقت التصويت على الخطة: «هؤلاء الذين يعتقدون أن بوسعهم السيطرة على الأيدي الخفية في الأسواق سيذبحون بها في نهاية المطاف».

وذكر أعضاء آخرون أن العدالة الاجتماعية تقتضي أن يقدم القانون الجديد المزيد من المساعدة لأصحاب المنازل الذين يواجهون خطر الإفلاس بسبب عجزهم عن سداد ديونهم العقارية.

ويتركز الجدل الآن حول مدى تأثير الأزمة المالية الحالية على عامة الأميركيين بمعنى، هل إذا فشل الكونجرس في التحرك سيمتد تأثير الأزمة المؤلم من شارع المال إلى رجل الشارع العادي؟

ويقول النائب الجمهوري عن ولاية تكساس جون كالبرسون: «التصويت هو في تصوري مفاضلة بين إفلاس ابنتي وأطفالنا من ناحية وإفلاس عدد قليل من بنوك وول ستريت بسبب قراراتها الخاطئة».

وهكذا عادت قضية خطة الإنقاذ المالي الأميركي مرة أخرى إلى المربع رقم واحد حيث ستجرى جولة جديدة من المحادثات بين قادة الكونجرس ومسؤولي الإدارة الأميركية من أجل التوصل إلى صيغة تكون مقبولة لدى «قواعد الكونغرس».

مخاطر الانكماش قد ترغم المشرعين الأميركيين على التراجع

على الرغم من الرفض المدوي لخطة إنقاذ النظام المالي الأميركي في مجلس النواب رأى اقتصاديون أن خطر مواجهة انكماش عميق وطويل الأمد سيرغم الكونغرس الأميركي على العودة عن قراره واعتماد الخطة.

وماذا لو أدى رفض الخطة التي اقترحها وزير الخزانة هنري بولسون والبالغة قيمتها 700 مليار دولار، أخيرا، وبعد أسبوع من مفاوضات شاقة، إلى «لحظة من صفاء الذهن» لدى المسؤولين السياسيين الأميركيين؟.

وهذه وجهة نظر المحلل في مؤسسة «ميسيروي فايننشال» ادولفو لورنتي الذي يقول إن الخطة أدت منذ طرحها «إلى انقسام عميق ليس بين السياسيين وحسب وانما أيضا بين الأميركيين الذين كان الكثيرون منهم يعتقدون أن ضخ الأموال هدفه وول ستريت وحدها».

وأضاف لورنتي «اعتقد أن أمرا ما سيحصل». وقال إن «السياسيين عملوا كثيرا حول هذه المسالة، أنهم بحاجة للتوصل إلى أمر ما».

ويعتقد روبرت ماكنتوش الاقتصادي لدى مؤسسة «ايتون فانس» أيضا أن الكونغرس سينتهي إلى الموافقة على خطة الانقاذ الرامية إلى استيعاب الديون المشكوك في تحصيلها والتي تراكمت لدى البنوك بسبب أزمة الرهن العقاري.

وقال «أننا بحاجة إليها، الأمر بهذا الوضوح. اعرف أن السياسيين يميلون إلى النهج السياسي ولا سيما في الفترات الانتخابية، لكن الاسواق تشعر بخيبة أمل وإحباط». وتابع محذرا انه في حال لم تعتمد الخطة «فاني اعتقد اننا سنشهد انكماشا طويلا بدلا من انكماش قصير الأمد».

من جهته، أوضح المحلل في موقع «ايكونومي.كوم» الالكتروني آرون سميث ان الأسواق المالية تبقى متوترة: فالمصارف تحافظ على سيولتها بدلا من تبادل الإقراض وتحتفظ بمعدلات فوائد مرتفعة يرافقها خطر تجميد التسليف الضروري لنمو الاقتصاد.

ورأى أن الخيار الوحيد المطروح لتهدئة الأجواء المتوترة يكمن في خفض الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) معدلات فوائده بالتنسيق مع المصارف المركزية الأخرى.

وأكد أن «التوتر في قطاع المال تحول بسرعة إلى مسالة تتعلق بظروف القطاعات الاقتصادية. نعيش أكثر الأيام اضطرابا في تاريخ المالية لكن الفرص التي تتيح للاحتياطي الفدرالي خفض معدلات فوائده ستزداد في الساعات الثماني والأربعين المقبلة».

وأضاف سميث أن خفض معدلات الفوائد بواقع 50 إلى 100 نقطة أساسية «لن يؤدي إلى خفض كلفة الاستدانة، لكنه سيتيح إعادة الثقة بالأسواق وقد يكون انعكاس ذلك اكبر أيضا في حال انضمت المصارف المركزية الأخرى إلى الاحتياطي الفدرالي». واعتبر ادولفو لورنتي انه خفض عام لكنه ليس مع ذلك «الانهيار الذي كان الكثيرون يخشونه»، ورأى «انه لا يزال لدينا الوقت لنرى كيف ستتم تسوية المسالة في واشنطن».

وأضاف «لا يمكننا بالتأكيد أن نعيش إلى الأبد أياما مثل هذا» اليوم. وقال «لو كنا سنعيش يوم ثلاثاء او أربعاء مثل اليوم، فسيكون المؤشر اننا على شفير النهاية». واعتبر المحلل في «بي ام او كابيتال ماركتس» اندرو بوش ان النواب الأميركيين لن يستطيعوا البقاء مكتوفي الأيدي امام العاصفة التي تهب على الأسواق المالية. وأوضح ان الجمهوريين والديمقراطيين «باتوا يعرفون تماما بأي سرعة تحركت وول ستريت حيال عدم تحركهم. ان الحزبين يعرفان انه ينبغي القيام بامر ما. اعتقد ان ذلك سيحصل قبل نهاية الأسبوع».

وقال المفوض الاوروبي لشؤون التجارة بيتر ماندلسون ان البرلمانين الأميركيين «فقدوا رشدهم» برفضهم خطة إنقاذ القطاع المالي. وأعلن ماندلسون الذي كان يتحدث في نشرة الأخبار المسائية للبي بي سي انه يأمل أن تكون السلطات الأوروبية من جهتها قادرة «على تفادي هذا النوع من اللامسؤولية وروح التحزب الذي شاهدناه في واشنطن».

ورأى انه من الأهمية بمكان ان تتحرك السلطات الأوروبية «بطريقة سريعة ومرنة» لكي «تهب لنجدة المصارف». وشدد على أهمية صياغة قواعد وتنظيمات أكثر إلزاما للنظام المالي لكي تقلل المصارف من المجازفات في المستقبل.

ولا يزال الغموض يشوب متابعة العملية. والرئيس بوش الذي أعرب عن «خيبة أمل» كبيرة من قرار النواب، أعلن انه سيعمل «مع أعضاء الكونغرس ومع زعيمي الأكثرية والأقلية على طريقة للتقدم». في المقابل، شهدت أوروبا منذ الاثنين تحركا عاما للحكومات لمصلحة مصارفها مع عدد من التأميمات الجزئية.