ليس شديد التفاؤل ولا هو مغرق في تشاؤمه. في نهاية المطاف، فإن عواطف التشاؤم والتفاؤل والتطيّر والمبالغات هي من أدوات الشعراء، لكن خالد بن كلبان، العضو المنتدب وكبير المسؤولين التنفيذيين في «مجموعة دبي للاستثمار«، ليس شاعرا، بل هو رجل أعمال وخبير اقتصادي على درجة عالية من الواقعية. وربما قلنا أنه في مرحلة «بعد الواقعية»، ان أردنا خلط الاقتصاد بالفلسفة.
فكثيرة هي الآراء التي تصدر عن مسؤولين على رأس شركات أخرى، تحاول أن تضفي على طروحاتها صفة «الواقعية»، فإذا بتلك الطروحات عالقة بين الخوف والمصلحة الشخصية. تقول كي لا تقول. وتفتي كي لا تعني. وكما يصفها الفرنسيون فهي طروحات تعكس «لغة خشبية» لا نكهة لها ولا فائدة.يحاول بن كلبان أن يضع النقاط على الحروف: مبلغ ال50 مليار الذي وفره البنك المركزي للبنوك عند الحاجة، هو خليط من جزء من الاحتياطات الإلزامية لتلك البنوك ذاتها لدى المصرف ذاته، وبجزء آخر إقراض بضمان شهادات الإيداع التي اشترتها البنوك من المركزي. هذه نقطة على درجة عالية من الأهمية.
لا تخيف، لكنها أيضا لا تطمئن. المركزي إذا قد يكون مطالبا بخطوات تتجاوز خطة ال«50 مليار». ال«قد» واجبة هنا، خاصة في ظل مؤشرات تقول ان تأثر الاقتصاد المحلي بالأزمة المالية العالمية ليس مؤكدا ولا هو تأثر قوي، «اللهم إلا فترة قصيرة من الإحجام والتردد عن الإنفاق قد تصيب الأفراد والشركات في الفترة المقبلة، لكنها لن تستمر طويلا». نقطة أخرى: على السوق المالي أن يلتفت إلى التجارب العالمية في أوروبا وأميركا.
بن كلبان ما فتئ يطالب بتعديل قوانين أسواق المال ويتهمها بأنها تفتقر إلى «النضج» وأنه يجب أن يكون هناك تعديل جذري للقانون الذي لا يسمح للشركات بأن تطرح أي نسبة أقل من 55% على الاكتتاب العام، وهذا برأيه، يعرقل توجه الكثير من الشركات للتحول إلى مساهمة عامة.
تلك دعوة مستمرة بلا انقطاع. «لماذا لا يستمعون إليك». «اسألهم!». نقطة ثالثة: الحديث عن الاندماجات برأي بن كلبان، بين مؤسسات مصرفية أو تمويلية في السوق المحلي، يمتزج به الواقع مع المغالاة». الواقع يقول «إن على مؤسسات مثل أملاك وتمويل أن تندمج.. المبالغة تفتئ بأنه على بنوك مثل أبو ظبي التجاري وأبو ظبي الوطني أن تندمج». يقول متحدثا عن أسباب نفسية تعيق الاندماج، وأخرى عملية، مشيرا إلى أنه في «سوق تتزايد فيه أعداد المصارف كل يوم، كيف علينا أن نصدق الحاجة الحقيقية الى الاندماج».
نقطة رابعة: العقارات في دبي مستقرة. لا تصحيح في 2010 ولو كره الكارهون. «من يستطيع أن يتنبأ بالطلب؟»، يسأل، معرجا على نشاط شركة «دبي للاستثمار العقاري» التي يعتبر أنها أضخم مطور عقاري غير حكومي في البلد اليوم:« خطط الشركة ومشاريعها تسير وفق السياسات المرسومة، والتأخيرات التي حصلت في بعض المشاريع حدثت نتيجة تأخر المقاولين وليس للشركة أي دخل بها..
وليس المهم هو حجم الوحدات التي ستدخل السوق مستقبلاً، بل في توقع الطلب المستقبلي على العقار بمختلف أنواعه. فليس باستطاعة أحد توقع أعداد القادمين إلى الدولة بهدف الإقامة والعمل مستقبلاً.
ولذلك فليس هناك نهاية لمعادلة العرض والطلب على المدى المنظور طالما أن الحكومة تبادر إلى إطلاق المزيد من المشاريع ذات القيمة الاقتصادية المضافة، التي ستستقطب المزيد من الوافدين للعمل فيها».
وإذا كان بن كلبان يقف اليوم على رأس هرم تنضوي في حافظته أكثر من 40 شركة، تبلغ قيمتها المالية أكثر من 30 مليار درهم، يضاف إليها بنهاية العام 8, 1 مليار هي قيمة شركة «مشاريع» (إحدى شركات المجموعة ومختصة بالاستحوذات وتطوير الشركات في المنطقة والعالم)..
فإنه يولي اهتمامه نحو توسيع رقعة عمل نشاطات هذا الهرم، في الدولة وخارجها. على بعد كيلومترات من دبي، تستثمر الشركة في أبو ظبي في مشاريع زجاج وعقارات، وفي الفجيرة تخطط في الفترة القريبة الممكنة لبناء مجمع للاستثمار على غرار ذلك الذي أنشأته في دبي، وعلى مساحة 10 كيلومترات مربعة.
في الفجيرة، حيث يرى بن كلبان مستقبلا استثماريا مشرقا، بفعل «خط النفط والمواصلات ومشروع الطاقة النووية» ستطلق الشركة مشاريع عقارية للسكن والفنادق والخدمات. مفاوضات مع حكومة عجمان قائمة أيضا:« عندما بدأنا المحادثات مع حكومة دبي في ما مضى، كنا نملك قطعة الأرض التي أقيم عليها المجمع، كان الاتجاه أن يكون منطقة صناعية لقربه من منطقة جبل علي.
ولكن بعد استشارات ودراسات جدوى موسعة اتجه الرأي لأن يكون مجمعاً استثمارياً. فمساحة الأرض 33 كيلومتراً مربعاً، وكان الاستثمار فيه يتم وفق نظام الـ 99 سنة، وهو نظام كان فريداً من نوعه في الإمارات والمنطقة، إذ كانت المدة القصوى للتأجير في المناطق الحرة 20 سنة فقط.
ووافقت الحكومة على مشروعنا الذي نما بسرعة في ضوء توفير البنية التحتية المناسبة مع ما يمثله الإيجار الطويل المدى من استقرار لشركات الاستثمار الأجنبية مع توفير كل الخدمات لها من الصفر إلى النهاية.هكذا ارتكزت الإستراتيجية الأولى على تأسيس مراكز وشركات صناعية وتطوير هذه المنطقة الاستثمارية وتأسيس عدد من الشركات بقصد تنشيط القطاع الصناعي الاستثماري». اليوم يبدو مجمع دبي جاهزا لأن يكون نموذجا ناجحا يتم تصديره إلى الخارج.
في المقابل، تطل «مشاريع» برأسها في مشهد الاستحواذات المحلية والعربية والعالمية. الشركة يقودها فريق إداري طموح، لا يتوانى عن الاهتمام بكافة التفاصيل التي قد تبدأ من استثمارات في شركات تصنع الحديد وبخاخ اللون والحشرات وصولا إلى تملك حصص في مصارف وشركات وأراض عقارية في «بيفرلي هيلز»:« أردنا باتخاذنا خطوة طرح الشركة أن نخلق نموذجا نطبقه على الشركات الأخرى».
وقد حققت «مشاريع» نموا كبيرا في حجم مبيعاتها، من 50 مليون درهم في عام 2001 إلى مليار درهم في العام الحالي، وتساهم ب25% من إيرادات المجموعة، فيما تصل أرباحها إلى 10% من الأرباح الإجمالية للمجموعة. وتتميز مشاريع باختصاصها في مسألة شراء الحصص والاستحواذات على الشركات في مختلف المجالات والمساحات، بينما تقوم شركات أخرى تابعة للمجموعة بمهمة الاستحواذ وخلق شركات جديدة.
وتتطلع «دبي للاستثمار» أيضا إلى إتمام صفقة مع شركات سعودية لشراء ارض في المملكة بنهاية العام لإقامة مشروعات عقارية باستثمار مبدئي قدره نحو 500 مليون درهم (3, 133 مليون دولار). وقد اشترت المجموعة في سبتمبر حصة عشرة بالمئة في مصنع سعودي جديد للصلب من اجل استغلال النمو في المملكة وقال كلبان إن وحدة الزجاج التابعة لدبي للاستثمار تتطلع إلى إبرام صفقتين في المملكة (وصفقة في الإمارات بحلول الربع الأول من العام المقبل).
كتب ـ إبراهيم توتونجي

