احتلت الأزمة التي عصفت بالقطاع المالي في الولايات المتحدة حيزا كبيرا من النقاشات السياسية حول العالم، موفرة الوسيلة للمسؤولين الأجانب للتشكيك بالقيادة الاقتصادية للولايات المتحدة، ومعارضتهم للسياسات التي تحتذي حذو النموذج الأميركي.
وقالت صحيفة وول ستريت جورنال إن معارضي خطط تحرير الصناعة المالية في كوريا الجنوبية تلقفوا تلك الأنباء. كما جددت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دفاعها عن القانون الذي يمنح الدولة حق الاعتراض الفعلي على الاستحواذ على فولكس فاغن، اكبر شركات تصنيع السيارات في أوروبا.
ويرى محللون أن سعي الولايات المتحدة لإقناع الصين بأن تترك السوق يقرر قيمة عملتها نسف من أساسه. وفي حين كانت الولايات المتحدة تعتبر نموذجا للإصلاحات الصينية، بات واضحا الآن أن «المعلمين لديهم مشاكلهم الخاصة «، كما قال صونغ جوكنغ، الاقتصادي في مركز الصين للدراسات والبحوث الاقتصادية، في جامعة بكين.
بمعنى آخر أن الاضطرابات الأخيرة في الولايات المتحدة، التي كانت أكثر تشابكا من الناحيتين الاقتصادية والمالية، ألحقت من الأضرار أكثر مما تسببت فيه أي أزمة سابقة في العقود الخيرة، مضفية أجواء من الشك حول المقاربة الأميركية، وموفرة الأداة للمنتقدين الأجانب، وواضعة أولئك الذين يحبذون الرأسمالية الأميركية.
وأشارت الصحيفة إلى أن خطة إدارة بوش الإنقاذية التي بلغت قيمتها 700 مليار دولار، لشراء الأصول العاثرة من البنوك الأميركية، هزت الثقة في الدولار لدى المستثمرين الأجانب، الذين يشعرون أن الخطة ستزيد إلى حد خطير من حجم الديون الأميركية العالية أصلا.
وهذا التوجس أو التخوف سيفاقم من ضعف مكانة الدولار باعتبارها العملة العالمية الغالبة. وقد عززت الخطوات الأميركية الأخيرة الخاصة بالاستحواذ على شركات عملاقة عاثرة مثل فاني ماي وفريدي ماك، من مناصري الدور الحكومي الأكبر في الصين.
فقد أشار جو خونيان الأستاذ في كلية التجارة الصينية الأوروبية في شنغهاي إلى تحرك الحكومة الأسبوع الماضي لإيقاف الانجراف السوقي الحاد بشراء أسهم في شركات حكومية مدرجة، في واحد من أجرأ التدخلات خلال سنوات من قبل الحكومة التي كانت تسعى إلى تقليص دورها في الأسواق. وقال خونيان إن «الحكومة تشجعت بما أقدمت عليه الولايات المتحدة».
مضيفا بأنه من الصعب على اقتصادي ليبرالي مثله، أن يشكك في ذلك التدخل، لأن النظرة العامة هي أن النموذج الأميركي في طريقه إلى الفشل. وفي هذا الصدد قالت صحيفة وول ستريت إن حجم ذلك السقوط يعتمد على طول الأزمة الحالية ومدى حدتها، مضيفة أن أي انتعاش سريع قد يعيد شيئا من الثقة المفقودة في مرونة النظام الأميركي، فالولايات المتحدة كانت تزداد قوة، في أعقاب كل أزمة مالية سابقة.
لكن متاعب أميركا قد تقلص في المقابل دعم أولوياتها العالمية، بما فيه فسح المجال أمام دخول الشركات الأميركية إلى الأسواق الأجنبية، والدفع نحو مزيد من تخفيف القيود التنظيمية في القارة الأوروبية. وفي هذا الشأن قالت نينا هوير، العضو البرلماني عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا «إن جاذبية النموذج الأميركي لدى الأوروبيين كانت محدودة من قبل، أما الآن فإن تلك الجاذبية فقدت تماما».
وفي أوروبا تمثل الولايات المتحدة، إلى جانب المملكة المتحدة، نسخة «أنجلو سكسونية» منفتحة للرأسمالية، على النقيض من النظام الألماني الذي يضم اتحادات ونقابات عمالية في الحكومة والعكس بالعكس، والدور القوي الذي تلعبه الحكومة الفرنسية في صياغة القرارات التجارية. وقد أضطر السجل الأميركي في الإنتاجية والنمو السريعين أوروبا إلى تغيير أساليبها.
فقد أعربت المستشارة الألمانية ميركل الأسبوع الماضي عن انزعاجها من الولايات المتحدة وبريطانيا لمعارضتهما القوية لرقابة الأسواق المالية التي حاولت ألمانيا الترويج لها عند رئاستها لمجموعة الثماني في العام الماضي. وفي رأي هاور، العضو الاشتراكي الديمقراطي في البرلمان الألماني، إن الأزمة أظهرت أن الأسواق بحاجة للوائح وقوانين، وجهة مسؤولة عن مراقبتها.
مضيفا أن بلاده كانت على حق في الإبقاء على أمور معينة مثل قروض الرهن العقاري تحت الرقابة الشديدة. ولم تكن ميركل الزعيم الأوروبي الوحيد التي أطلق نبرة مغايرة. فالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي كان شعاره في معركته الانتخابية مناصرة المطالب الأميركية الداعية إلى مزيد من الرأسمالية، دعا في خطابه في الأمم المتحدة إلى فرض مزيد من الإجراءات الرقابية على الرأسمالية، قائلا» دعونا نبني معا رأسمالية منظمة، لا تترك فيها جميع أوجه الأنشطة المالية إلى مشيئة مشغلي السوق المطلقة».
تأثيرات
الأزمة وفرت اللغط في أميركا الجنوبية للسياسيين المطالبين بفرض مزيد من سيطرة الدولة على الاقتصاد، الذين يزعمون أن العلاجات السوقية الحرة المدعومة من قبل الولايات المتحدة، هي أس التفاوتات المستعصية في الدخول. وكان الناخبون من فنزويلا إلى الإكوادور والأرجنتين، ساندوا الزعماء من أنصار الفكر المطالب بمزيد من التدخل الحكومي في الأسواق عن طريق مجموعة من السياسات غير المتشنجة.
أوشك زعماء ممن يعتنقون الأفكار الاشتراكية على الوصول إلى السلطة في المكسيك والبيرو في عام 2006. ويقول خبراء أن الأزمة ستكون أكثر إضرارا ببلدان مثل فنزويلا والأرجنتين اللتين تعتمدان على التمويل من الخارج، والذي قد تصل كلفته إلى أسعار قياسية. أما في البرازيل وتشيلي، اللتين تتشبثان بوصفات السوق الحرة، فالوضع مختلف فهما تنعمان بفائض من الرساميل الأجنبية التي تدعم عملاتهما وتضر بالصادرات والتي بدورها عرضة للتراجع.
فتحت إدارة بوش والبنك الاحتياطي الفدرالي، بتدخلاتهما الواسعة في الأنظمة المالية الأخيرة الباب على مصراعيه لاتهامهما بالنفاق، خصوصا في آسيا حيث يتذكر كثير من الساسة وواضعي السياسات الاقتصادية كيف فرضت الولايات المتحدة والقوى الغربية حلولا قاسية سوقية الطابع للأزمة المالية الآسيوية منذ عقد من الزمن، وينظرون بعين السخرية إلى استجابة الولايات المتحدة لأزمتها المالية.
ترجمة: وائل الخطيب
