في الوقت الذي اتفق فيه الأميركيون على ضرورة تنفيذ خطة ما لإنقاذ النظام المالي والمصرفي من أزمته، انقسموا بشدة حول طبيعة ومدى هذه الخطة. وازداد الانقسام عندما أعلنت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش عن خطة الإنقاذ. وقال السناتور جيم بونينج عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه بوش إن الخطة «اشتراكية مالية .. وغير أميركية».
أما وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون فقد قال إن هذه الخطة هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ البلاد من انهيار اقتصادي. وسببت الخطة انقساما واضحا داخل الكونغرس المطلوب تصديقه عليها حتى يمكن تنفيذها لاعتمادها على أموال دافعي الضرائب.
وتسعى الإدارة الأميركية إلى تمرير الخطة في الكونغرس اليوم الجمعة على أقصى تقدير حتى لا تصاب حركة الائتمان بالشلل نتيجة توقف العديد من المؤسسات المالية والمصرفية عن تقديم أي قروض والاحتفاظ بما لديها من سيولة نقدية لمواجهة أي تداعيات مستقبلية.
وقال مصدر بالحزب الديمقراطي إن الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس الأميركي يعكفون على صياغة مشروع قانون نهائي للدعم المالي لإنقاذ وول ستريت. وأضاف المصدر قائلا «لا توجد مسائل كثيرة باقية لم تحسم بعد».
وكان المصدر يتحدث بعد اجتماعات في وقت سابق عقدها وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون ورئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي بن برنانكي وأعضاء بمجلسي النواب والشيوخ. وحافظ وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون على الخطوط الكبرى لخطته المتعلقة بإنقاذ المصارف وذلك بالرغم من انتقادات البرلمانيين.
وكان رئيس لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ الأميركي الديمقراطي كريس دود قال إن خطة إنقاذ القطاع المالي الأميركي التي عرضها وزير الخزانة هنري بولسون «غير مقبولة» في صيغتها الحالية. ولكن بولسون جدد القول انه مقتنع بان خطته هي «الشيء الوحيد الفعال الذي يمكن اعتماده لمساعدة الشعب الأميركي وإنقاذ» الاقتصاد الأميركي.
وقال وزير الخزانة أمام النواب «نريد تشجيع القارضين على تقديم قروض عقارية». وأضاف «يجب ان نتحرك بشكل نمنع معه استمرار سلسلة إفلاس المؤسسات المالية وتجميد سوق التسليف الذي يهدد المدخول المالي للعائلات الأميركية واستمرار المؤسسات، الصغيرة او أكبيرة، وحتى صحة اقتصادنا».
وناشد كبار القادة الأميركيين الثلاثاء الكونغرس أن يتبنى سريعا خطة إنقاذ البنوك التي طرحتها إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش في الوقت الذي لا تزال تسيطر فيه مشاعر القلق على أسواق المال بعد عشرة أيام من أزمة غير مسبوقة.
وقال بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي إن أسواق المال العالمية واقعة تحت «ضغط غير عادي» يهدد اقتصادا أميركيا ضعيفا بالفعل لكن مناشدته المشرعين تأييد خطة انقاذ قوبلت بالتشكك. وقال برنانكي أمام اللجنة الاقتصادية المشتركة للكونغرس الأميركي «تفاقم الضغوط المالية في الأسابيع الأخيرة والذي سيجعل المقرضين أكثر حذرا بشأن تقديم الائتمان الى الأسر والشركات قد يصبح حملا ثقيلا على النمو».
وأضاف «من ثم فان مخاطر تراجع التوقعات لا تزال مصدر قلق كبيرا.. تحرك الكونغرس مطلوب على وجه السرعة لتحقيق الاستقرار وتجنب ما قد تصبح عواقب خطيرة جدا على أسواقنا المالية واقتصادنا». ومثل برنانكي أمام الكونغرس لليوم الثاني على التوالي محاولا حشد الدعم لخطة انقاذ مصرفي ضخمة وضعتها وزارة الخزانة.
وكان قد قال ان الاقتصاد قد ينكمش ما لم يتحرك المشرعون. غير ان المشرعين اوضحوا انهم لن يقروا الاقتراح بدون تعديلات من بينهما ضمانات لدافعي الضرائب وقيود على المبالغ التي سيحصل عليها مسؤولو الشركات التي تنقل أصولها المعدومة الى الحكومة.
واحتج رئيس اللجنة السناتور تشارلز شومر قائلا ان دافعي الضرائب يجب ان يحصلوا على حصة مساهمة في الشركات التي تتخلص من أصول ملوثة بمساعدة الحكومة. وأوضح «مازلت متحيرا من المعارضة التي أبداها ووزير الخزانة هنري بولسون ازاء الاقتراحات، بشأن الحاجة لان تكون الاسهم جزءا من العملية التي نناقشها.
من الإنصاف أن نكافئ دافعي الضرائب اذا نجحت هذه الخطة كما نأمل». وفي شهادته قدم رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي أكثر تقييماته قتامة بشأن سلامة الاقتصاد منذ تفجر أزمة الائتمان العالمية قبل أكثر من عام. وحذر برنانكي قائلا «النشاط الاقتصادي تباطأ على نطاق واسع فيما يبدو». وقال إن أسواق العمل ضعيفة والبطالة مرتفعة. وأضاف انه رغم تراجع اسعار النفط والبنزين فان الإنفاق الاستهلاكي سيتباطأ على الأرجح في الأجل القريب.
وتصر الإدارة الأميركية على ضرورة الحفاظ على الخطة كما هي دون إدخال أي إضافات من جانب الكونغرس مثل فرض قيود على الأجور والمكافآت التي يحصل عليها كبار مديري الشركات المسجلة بالبورصة أو الملكية الحكومية الجزئية للشركات التي ستستفيد من خطة الإنقاذ رغم موافقة الإدارة على فرض شكل من أشكال الرقابة من جانب الكونغرس لتنفيذ الخطة.
وتشكل تجربة الكونغرس بموافقته السريعة على خطة بوش لغزو العراق عام 2003 وما تلاها من كوارث مادية وبشرية عقبة رئيسية أمام موافقة الكونغرس على خطة الإنقاذ المالي بسرعة كما تريد الإدارة الأميركية بسبب الخوف من تكرار خطأ التصديق «الأعمى» على خطط الإدارة.
وتساءل كريس دود رئيس لجنة البنوك في مجلس الشيوخ الأميركي وعضو الحزب الديمقراطي عن الحكمة في إلقاء 700 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب إلى السوق دون حتى أن يكون هناك أي التزام من جانب الشركات. وأضاف: «بعد قراءتي لمشروع الخطة أستطيع القول إنه ليس اقتصادنا فحسب هو الذي يواجه الخطر وإنما دستورنا أيضا».
وأشار إلى أن إجراءات حبس الرهن (استيلاء المقرض على العقار المرتهن وإعادة بيعه (تجبر 9800 أسرة أميركية على ترك منازلها يوميا واصفا الأزمة بأنها «لحظة استثنائية وخطيرة في تاريخ أمتنا». وهنالك ضغوط متزايدة من جانب الكونغرس والناخبين الأميركيين الذين طالبوا بإيضاح من الرئيس حول الأسباب التي تقود دافعي الضرائب إلى سداد هذه الفاتورة من أجل منع انهيار بورصة وول ستريت.
وتعادل قيمة الخطة نحو ربع الميزانية الاتحادية الأميركية، وتتطلب أن يرفع الكونغرس سقف الدين الاتحادي. وستستخدم هذه الأموال لشراء الأصول المتعثرة المرتبطة بقروض الرهن العقاري التي تعانى منها المؤسسات المالية الأميركية على أساس أنها ستحرر عملية توفير الائتمان.
في الوقت نفسه اعترف بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياط الاتحادي (البنك المركزي) الأميركي أمس بوجود «تهديد كبير» لاستقرار النظام المالي الأميركي مؤكدا أهمية التدخل الحكومي غير المسبوق للحفاظ على هذا النظام.
وأشار برنانكي في كلمة أمام أعضاء الكونغرس إلى الصورة القاتمة لنمو الاقتصاد الأميركي في المستقبل مؤكدا أن حالة الغموض التي تحيط بأي توقعات بشأن النمو الاقتصادي تتجاوز المستويات الطبيعية. وقال رئيس مجلس الاحتياط الاتحادي أمام اجتماع اللجنة الاقتصادية المشتركة بالكونغرس الأميركي إن المخاطر الكامنة التي تهدد الاقتصاد في المستقبل مازالت مصدر قلق كبير.
وعرض برنانكي سريعا بعض النقاط التي أعلنها أمام لجنة بمجلس الشيوخ تناقش خطة الحكومة الأميركية لشراء ديون معدومة وأصول مشكوك في تحصيل قيمتها من البنوك والمؤسسات المالية الأميركية بقيمة 700 مليار دولار.
وأوضح أن المساعدات الحكومية يجب أن تقدم وفقا لقواعد بالغة الصرامة وفي حالة تعرض استقرار النظام المالي وسلامة الاقتصاد ككل للخطر فحسب. وقال برنانكي إنه إذا لم يتم التدخل الآن لتحسين الظروف المالية فإن الاقتصاد الكلي للولايات المتحدة سوف يواجه خطرا حقيقيا.
وأضاف: «أناشد الكونغرس التحرك بسرعة لمواجهة المخاطر الكبيرة التي تواجه استقرار النظام المالي حاليا». وتوقع برنانكي في كلمته استمرار معدل التضخم المرتفع وضعف سوق العمل وتدهور النشاط الاقتصادي. وكان الاقتصاد الأميركي قد خسر منذ نوفمبر الماضي نحو 770 ألف وظيفة وارتفع معدل البطالة إلى 1. 6%.
