قال خبير اقتصادي إن أسواق المال في الإمارات لاتزال بعيدة عن أن تعطي مؤشراً لقوة وحركة الاقتصاد، وإنها تتحرك في نشاطها بعيدة عن التناغم مع الحركة الاقتصادية.

وأكد الدكتور عبدالرحيم الريح محمود الخبير الاقتصادي في غرفة تجارة وصناعة أبوظبي أهمية النظر إلى هذه المشكلة بعين الاعتبار، لافتاً إلى أنها من أعراض الخلل الذي يجب تداركه بسرعة عن طريق التدخل الحكومي غير المباشر في الأسواق، والعمل على توفر المناخ المساعد لها في أداء وظيفتها المهمة في مستقبل التنمية الاقتصادية.

وأشار إلى أن هناك العديد من نقاط القوة التي تدعم أسواق المال في الدولة، ومنها الأداء المتميز ومعدلات النمو العالية للناتج المحلي الإجمالي وحجم المشروعات الضخم الذي يتوقع أن يفوق 600 مليار درهم خلال السنوات الخمس المقبلة، إضافة إلى الأداء المتميز للبنوك والشركات ومناخ تطوير الأداء الحكومي.

مؤكداً في الوقت نفسه أهمية مراجعة تنظيم عمليات الاكتتابات والإصدار الأوّلي والتمويل غير المدروس وعمليات زيادة رؤوس الأموال من دون توضيح الشركات لخططها المستقبلية والعوائد المتوقعة للمستثمرين، وأيضاً معالجة تضارب المصالح داخل الأسواق، وتسريب المعلومات عن تداولات ومواقف المشترين، وعدم المساواة في تطبيق القوانين على الجميع.

وأكد في كتاب له تحت عنوان الأسواق المالية ودورها في سياسات وإدارة التنمية والاستثمار «تجربة سوق أبوظبي» أهمية اتخاذ هيئة الأوراق المالية قراراتها بالمشاركة والتشاور مع الجهات المعنية وتبني أسلوب الدراسة الوافية والحوار.

وتناول الدكتور عبدالرحيم محمود في كتابه التطورات بعد إنشاء سوق أبوظبي للأوراق المالية، وقدم مقارنة لأزمة السوق عام 1998 مع أزمة عام 2006.

وأوضح في هذا الخصوص أنه بعد اكتمال المظلة القانونية والإجراءات الفنية للسوق بدأ السوق نشاطه الفعلي في أواخر عام 2000 بما سمي بالافتتاح المرن ولم تكتمل آنذاك الأنشطة المتعلقة بتحويل الأسهم من الجهات المختلفة لإعادة تسجيلها بالسوق، ولم يكتمل إدراج أسهم الشركات: إذ تم إدراج أسهم شركات قليلة جداً. وبدء التداول يتحسن في عام 2001 وارتفعت قيمة الأسهم وارتفع مؤشر بنك أبوظبي الوطني بنسبة 56, 23% عام 2001م وبلغ عدد الشركات المسجلة في سوق أبوظبي للأوراق المالية 28 شركة مساهمة عامة. كما حققت نتائج 15 شركة مساهمة على مستوى الدولة أرباحاً بلغت 6, 1 مليار درهم في النصف الأول من عام 2001.

وأشار إلى أنه بالرغم من أحداث سبتمبر 2001 التي هزت الأسواق المالية في العالم ومازالت آثارها السلبية تطال تلك الأسواق، إلا أن سوق الأوراق المالية شهد انتعاشاً. ويرى البعض أن ارتفاع حجم التداول بعد أحداث سبتمبر جاء مصحوباً بانخفاض في نسبة الفائدة على الودائع المصرفية، والتي تدنت لأدنى مستوى لها خلال أربعين عاماً.

ولكن هذا لم يكن السبب الوحيد، فقد عززت أحداث سبتمبر السوق المحلي بشعور رأس المال الوطني المستثمر في الخارج بحجم المخاطر، وبالتعامل مع المجهول، فعادت رؤوس أموال مستثمرة في الخارج إلى الداخل، مما أدى إلى تضاعف حجم التداول في سوق الأسهم المحلية، واستمر ذلك خلال عام 2002 فقد تضاعف حجم التداول منذ أحداث سبتمبر وإلى يوليو حوالي ثلاث مرات في أسواق الأسهم في الدولة وارتفع إجمالي عدد الأسهم المتداولة على مستوى الدولة إلى 137 مليون سهم مقارنة بنحو 60 مليون عام 2001.

وأضاف: يعتبر البعض أن عدم ارتباط أسواق الأسهم المحلية بالأسواق العالمية أدى آنذاك إلى زيادة ثقة المستثمر فيها في مقابل اهتزاز ثقته بأسواق الأسهم العالمية.

كما أن دخول شركة اتصالات وبنك الخليج الأول أحد الأسباب التي أدت إلى المزيد من النشاط في السوق نظراً للحجم الكبير لهذه الشركات والثقة الوافرة في قيمة أسهمها. وأيضاً قد قامت بعض الشركات بتجزئة قيمة أسهمها مما ساعد في جذب صغار المستثمرين للأسواق المحلية في أبوظبي ودبي.

وأوضح أن هذه التطورات في الأسهم المحلية والتي أدت إلى انتعاش هذه الأسواق بعد انكماش وركود استمر ثلاث سنوات، تحتاج إلى وقفة تأمل لدور سوق الأوراق المالية، وكيفية العمل للحفاظ على استقراره حتى لا يتعرض لتجارب قاسية، إذ أن ما حدث كان قبل قيام الأسواق النظامية للأسهم.

وما زال السوق النظامي في بدايته إذ لا يتعدى مخزون تجربته سوى سنوات، ولم تتسلح هذه السوق وتحمي نفسها بقدرات في البحوث والتطوير والدراسات لتكوين رؤية ورسالة واضحة في إطار الاقتصاد الكلي للبلاد، بل إن إهمال جانب الدراسات للأوضاع والأنشطة المتعلقة بالسوق والقطاع المالي والاقتصاد الوطني، والتي كان يمكن أن تكون جرس الإنذار لأي خلل يحدث في السوق، قد ساهم في عدم وجود رؤية شاملة واستراتيجية للأسواق المالية.

وقال إنه لا بد لسوق الأسهم من فلسفة واضحة، ورؤية ومنهجية مرتبطة بالاقتصاد الوطني تجعله أكثر قدرة على أداء دوره الفاعل في التنمية الاقتصادية.

فالأسواق المالية نظامية أو غيرها ليست هي مجرد تداول للأسهم، وما يجري فيها من تفاصيل وأنشطة وإجراءات ووساطة مالية، وإنما هي عمل اقتصادي واستثماري مهم، وعلى نفس المستوى فإن التحدي الحقيقي هو في ما نتحصل عليه من هذه الأسواق من نتائج، يجب أن تنعكس على مستقبل التنمية الاقتصادية. فخطورة الأسواق تتمثل في أنها سوق للأصول المالية والاقتصادية للوطن، ومجال لتثمين هذه الأصول.

فالأسواق المالية هي أداة اقتصادية في غاية الأهمية كما هي أداة مالية ضرورية ويتناسى الكثير من المهتمين والخبراء الماليين الدور الاقتصادي للأسواق، عندما تكون لديهم مراكز في هذه الأسواق، ولا يتذكرون واجباتهم نحو هذا الدور. ويتوقع من الأسواق المالية التي تقوم بدور رائد وكبير واستراتيجي في مجال الاستثمار بتوفيرها للموارد المالية من المدخرات التي يمكن أن توجه للاستثمار في المجالات المختلفة.

وتتمتع الإمارات باقتصاد مستقر ونامٍ ومتطور حيث تسعى الدولة لتكون مركزاً مالياً عالمياً، بجانب ما حققته بكونها مركزاً تجارياً عالمياً، ويتمتع الاقتصاد بوجود فوائض مالية كبيرة ومدخرات يتم استثمار كم كبير منها خارج الاقتصاد الوطني، ولذلك فإن هناك وباستمرار فرصة لنمو وتوسيع قاعدة الأسواق المالية، ولذلك كان السعي متصلاً لتحويل السوق إلى سوق نظامي.

وأشار إلى أنه إزاء الوضع المميز لاقتصاد الإمارات يتوقع أن يتناسق ويتناغم دور الأسواق المالية مع الأوضاع والأداء الاقتصادي. وهذا ما لم يحدث، فما زالت أسواق الأسهم بعيدة من أن تعطي مؤشراً لقوة وحركة الاقتصاد، بل إنها تتحرك في نشاطها بعيدة عن التناغم مع الحركة الاقتصادية وهذه المشكلة لا بد من النظر إليها بعين الاعتبار، فهي من أعراض الخلل الذي يجب تداركه بسرعة، ويمكن تداركه بالتدخل الحكومي غير المباشر في الأسواق، والعمل على توفر المناخ المساعد لها لأداء وظيفتها المهمة في مستقبل التنمية الاقتصادية.

أبوظبي ـ «البيان»