يثق القائمون على بورصة دبي للذهب والسلع في قدرة عقود البلاستيك الآجلة التي من المنتظر تداولها في الربع الأخير من العام الجاري على جذب أحجام تداول وسيولة تكفي لانتعاش وازدهار المتاجرة على هذه العقود، وذلك بما يحيل البورصة إلى مركز تسعير لمنتجات البلاستيك، ويتوقعون وصول السيولة إلى مستوى يكفل تحقيق تداول قوي منذ لحظة إدراجها الأولي.

وتنطلق هذه الثقة من الإدراك السائد بأن المحك النهائي في الحكم على مدى نجاح عقود البلاستيك الآجلة يتمثل في قدرتها على جذب أحجام تداول وسيولة كافيتين على نحو يعينها على البقاء والاستمرار كآلية تسعير ناجعة، وقد غذت ردود فعل السوق مشاعر الثقة في قدرة البورصة على إحراز النجاح. حيث أظهرت ترحيبها بطرح مثل هذه العقود، وتجلى هذا الترحيب في تدفق طلبات الحصول على العضوية من قبل شركات ومؤسسات من العيار الثقيل، فضلا عن مضيها قدما نحو تكثيف اتصالاتها مع المعنيين بصناعات البتروكيماويات والبلاستيك، وذلك بهدف ضمان توفير سيولة تكفي إنجاز أحجام تداول مؤثرة منذ بدء إدراج هذه العقود. ورغم رفض مالكولم وول موريس المدير التنفيذي لبورصة دبي للذهب والسلع في حديثه الخاص لـ «البيان الاقتصادي» الكشف عن مراكز التسليم العيني لعقود البلاستيك الآجلة والتي تهدف إلى تحقيق التطابق بين الأسعار الفورية والآجلة، إلا أنه أكد استمرار البورصة في إجراء مباحثات مع نطاق متسع من الشركات، وذلك ضمن استراتيجيتها الرامية إلى إطلاق منتجات تستجيب لاحتياجات السوق.

استجابة السوق... ويتمثل لب القضية بالنسبة لبورصة دبي للذهب والسلع أنه من السهل الإعراب عن أمنية طرح عقود البلاستيك الآجلة، ولكن ضمان تداول قوي على هذه العقود هو موضوع آخر، حيث تثور إشكالية تتعلق بكيفية جذب المتعاملين والتجار، وهؤلاء يقبلون إجراء عمليات التداول في البورصة فقط في حالة ما إذا كان حجم تداول مغريا لهم، وبدون وجود سيولة وحجم تداول كبيرين، فانهم لن يشاركوا في التداول، وتجسد هذه الإشكالية معضلة «الدجاجة أولا أم البيضة»، وهو ما يستلزم التحضير والاعداد الجيدين بما يكفل كسر الحلقة المفرغة بين إقبال اللاعبين الكبار على التداول عليها ووجود حجم عالٍ من التداول يضمن نجاح البورصة في تحقيق النجاح والديمومة. ويتحدث هنا جيمس برنارد مساعد مدير السلع في مركز دبي للسلع المتعددة عن الخطوات التي تم قطعها على طريق كسر الحلقة المفرغة بين إقبال اللاعبين الكبار على التداول عليها ووجود حجم عالٍ من التداول بقوله: لقد تم الانتهاء من الضبط الدقيق لبنود العقد، ونشر الوعي في أوساط المشاركين في السوق بخصوص الفوائد المتحققة من جراء استخدامهم لهذه العقود.

وتابع حديثه قائلا: نحن نريد الانتظار حتى الانتهاء من شهر رمضان المبارك لكي نكون يقينين بأن لدينا دعما كافيا من كبار المنتجين والمتداولين والمعالجين والمجتمع المالي، وذلك حتى تكون هناك سيولة كافية منذ اليوم الأول لتداول العقود.

وتستند ثقة القائمين على بورصة دبي للذهب والمعادن في قدرتها على جذب سيولة كافية، إلى الجهود الضخمة التي بذلتها للوصول إلى نطاق متسع من المتداولين، وهو ما يسلط برنارد الضوء عليه بقوله: نحن حظينا الآن على دعم قوي من عدد ضخم من الشركات، كما نظمنا عددا من ورش العمل للتجار والسماسرة والمستهلكين، وشارك في ورشة العمل الأخيرة نحو مائة شخص، وقد تم التصديق حتى الآن على 35 منتجا، يندرج البعض منهم ضمن فئة عضوية التجارة، وبالتالي، سيكون بإمكان هذه الفئة مباشرة عمليات التداول بالبورصة بشكل مباشر من حساباتهم من دون توكيل للغير ولكننا نتوقع انضمام عدد ضخم من المشاركين في السوق الذين سينجزون صفقاتهم عبر الوسطاء الأعضاء في البورصة والبالغ عددهم 177 وسيطا.

وتتوقع بورصة دبي للذهب والسلع مشاركة ضخمة من قبل الشركات الآسيوية التي تعمل في مجال صناعات البلاستيك والبتروكيماويات، وذلك عند طرحها للتداول عقود البلاستيك الآجلة، وهو ما أتى جيمس برنارد على ذكره بقوله: ان الطلبات التي تم تلقيها من جانب شركات البلاستيك الآسيوية والتي تتطلع إلى آلية تحوط ضد مخاطر تقلبات الأسعار، إلى جانب حجم سوق البلاستيك الآسيوي، يؤشران على أن الطلب على هذه العقود سيتميز بالقوة.

ووصف جيمس برنارد استجابة الشركات الآسيوية بأنها رائعة مشيرا إلى أن كافة هذه الشركات تتطلع إلى رؤية إدراج هذه العقود في وقت لاحق من العام الحالي، وأن العديد من الشركات أظهرت اهتمامها باستخدام هذه العقود الآجلة كآلية تحوط ضد تحركات الأسعار في المستقبل، وهو ما سيتيح لهم أداة ناجعة لإدارة المخاطر.

وتشمل عقود البلاستيك التي سيتم طرحها الأنواع الأربعة للبلاستيك وهي البولثيلين منخفض الكثافة والبولثيلين عالي الكثافة والبولثيلين الطولي منخفض الكثافة والبروبلين. وسيكون لكل نوع ثلاثة عقود إقليمية لأسواق شمال شرق آسيا (جنوب كوريا) وعقود لجنوب شرق آسيا (ماليزيا وسنغافورة) وعقود للشرق الأوسط (دبي). كما تخطط بورصة دبي للذهب والسلع لتغطية مناطق أخرى في العالم في وقت لاحق. وتشتق منتجات البلاستيك من المنتجات البترولية ولكن من غير مقدور الصناعة الاعتماد على عقود النفط الآجلة كآلية تحوط ضد المخاطر، بالنظر إلى الارتباط الضعيف بين سوقي البلاستيك والنفط.

مقومات النجاح

وتمتلك بورصة دبي للذهب العديد من المقومات التي ترسخ قناعتها بأن هذه العقود ستنال حظا وفيرا من النجاح، ويبرز هنا، وقوع البورصة في منطقة الخليج التي تحتضن حوالي نصف المشروعات البتروكيماوية على مستوى العالم، وبحسب الإحصائيات الصادرة حديثا، من المتوقع أن تسجل صناعة البلاستيك في منطقة الشرق الأوسط نموا سنويا نسبته 30 % خلال السنوات الخمس المقبلة، وبالتالي، تعد هذه المنطقة أسرع مناطق العالم نموا في مجال صناعة البلاستيك.

ويأتي إطلاق عقود البلاستيك الآجلة وسط عمليّات سريعة لرفع القدرات الإنتاجيّة لشركات إنتاج البتروكيمائيات في دول الخليج العربي الغنيّة بالنفط. وبالفعل، يقوم عدد من الشركات كالشركة «السعوديّة للصناعات الأساسيّة»، أكبر مصنّع

للبتروكيمائيات في العالم من حيث القيمة السوقيّة، و«داو كاميكال» )دط( باستثمارات في قطاع إنتاج البتر وكيميائيات الإقليمي في محاولة للإفادة من الارتفاع الكبير في الطلب العالمي، خاصةً في آسيا، وكذلك من الأسعار المتدنية محلياً للغاز الطبيعي الشائع الاستخدام في تصنيع المواد الكيميائيّة والبلاستيكيّة، وتستخدم المواد البتروكيميائيّة الوسيطة كالبولي إثيلين المنخفض الكثافة لإنتاج مجموعة من المواد البلاستيكيّة كلوازم المطابخ والأنابيب والأغشية والغلافات الخاصة بعمليات التعليب.

وفي مايو 2005، بدأ التداول في بورصة لندن للمعادن على عقود البروبلين والبولثيلين الطولي منخفض الكثافة، ولكن يجري التداول على هذين العقدين بأحجام منخفضة حتى الآن، وهو ما عكس أحد الصعوبات التي تواجه بورصة لندن للمعادن، وتتمثل في الاختلافات بين أسعار التعاملات الآجلة لمنتجات وأسعار السوق العيني، وذلك عند إجراء التسوية الشهرية للعقود الآجلة، ومع ذلك،أدت الاختلافات بين أسعار البلاستيك فيما بين الأقاليم إلى إضعاف أوجه الارتباط بين أسعار بورصة لندن للمعادن والأسواق العينية، وهو ما أفضى إلى غياب التطابق الكامل بين الأسواق الفورية والآجلة، ويعد هذا الأمر بمثابة عائق أمام التسليم العيني لكميات البلاستيك المتضمنة في العقود، عندما يحل أجل استحقاقها.

ولكن تفادت بورصة دبي للذهب هذه المشكلة بتطويرها عقود مختلفة بحسب الأقاليم، والتالي، تتيح عقود البلاستيك الآجلة إمكانية أن تكون أسعار العقود الآجلة عاكسة لاختلافات الأسعار فيما بين الأقاليم في الأسواق العينية، حيث سيتاح التسليم العيني في مواقع متنوعة، وهو ما يقود إلى تحقيق التطابق بين السوقين الفوري والآجل.

ويتحدث برنارد عن هذه النقطة بقوله: نحن عملنا مع الصناعة في تصميم ووضع مثل هذه العقود، وذلك على مدى فترة طويلة، بهدف ضمان تلبية احتياجات كل سوق إقليمي، بحيث يسهم تصميم العقد في جعل الأسعار الإقليمية تتسم بالدقة.

واستدرك في حديثه بقوله: نحن نتوقع رؤية أحجام تداول ضخمة من الأسواق الآسيوية والشرق أوسطية خلال السنوات الخمس المقبلة، ويمثل هذا الأمر أحد العوامل التي أ تم أخذها في الحسبان عند النظر في طرح مثل هذه العقود الآجلة.

وما يعزز آفاق قدرة عقود البلاستيك الآجلة التي ستطرحها البورصة للتداول على جذب أحجام تداول كبيرة، كون هذه العقود قد ملأت فراغا في ساحة التعاملات الآجلة، حيث ستتيح عقود دبي للمعنيين بصناعات البلاستيك والذين اعتمدوا في تسعير منتجاتهم على أسعار غامضة في المطبوعات المتخصصة، المزيد من المرونة سواء من خلال عمليات امتلاك مراكز في السوق أو تصفية هذه المراكز.

توقيت مناسب

يلعب عامل التوقيت دورا بالغ الأهمية في تقرير مستقبل نجاح العقود، حيث يتسم الوقت الحالي بتزايد استخدام التجار لأدوات إدارة المخاطر، وهو الأمر الذي يجعل إطلاق العقود في الوقت الحالي بمثابة فرصة صائبة، ولهذا من المعتقد أن الوقت الحالي يعد بمثابة فرصة حقيقية، فبمرور الوقت، من المتوقع تزايد استخدام منتجات المشتقات، وعلى غرار أية سوق آخر، تتسم أسواق المشتقات المالية بالنضج، وهو ما سيجعل الناس تشعر بالراحة مع هذه العقود، ويجعلها تستخدمها في إدارة المخاطر.

وهكذا تتضافر مجموعة من العوامل في تعزيز ثقة القائمين على البورصة بأن عقود البلاستيك الآجلة ستجتذب إحجام معقولة من السيولة، وهو الأمر الذي سيتأكد عندما تقوم البورصة بطرح هذه العقود، وحينئذ، سيتأكد الجميع بصحة الحسابات التي نهضت عليها هذه العقود، كما سيتأكدون بأنه إطلاقها جاء في التوقيت والمكان الصائبين.

وصفة النجاح

ربما يكون من السهل على أي بورصة الإعلان عن إدراجها لعقود سلعية آجلة، ولكن يظل التحدي الرئيسي كامنا في كيفية ضمان نجاح هذه العقود، ويعتبر إقبال المتداولين المقياس الأول والأخير في الحكم على مدى نجاح العقد من عدمه، ويحفل تاريخ البورصات بالعديد من محاولات إدراج عقود لم تستطع استقطاب اهتمام التجار والمتداولين، فكانت النتيجة المنطقية هو إلغاء هذه الإصدارات.

ويبدو أن بورصة دبي للذهب والسلع قد أصبحت ذات خبرة عريضة في مجال الإصدارات الجديدة، بحيث صار لديها منهج في كيفية التعامل مع تحد كهذا، وبرهن هذا المنهاج على نجاعته وسلامته، وذلك على نحو ما تظهره تجاربها في إدراج عقود العديد من السلع كالذهب والفضة والعملات والنفط الخام، وهو الأمر الذي يجعل ثقتها في نجاح عقود البلاستيك الآجلة التي تخطط لإطلاقها خلال الربع الأخير من العام الجاري، تستند إلى أسس منطقية.

ويتمثل المحك الرئيسي في نجاح هذه العقود، في الإعداد والتحضير الجيدين، وذلك بدءا من عقد لقاءات وندوات وورش عمل تضم المعنيين بهذه العقود، وذلك بهدف التعرف على وجهات نظره، بحيث تأتي هذه العقود بوصفها استجابة حقيقية لاحتياجات السوق، ومرورا بوضع تفاصيل وبنود هذه العقود على نحو جعلها محل إقبال كبير من المتداولين، ووصولا بوضع بنية تحتية للتداول على درجة عالية من الكفاءة، وبما يتفق مع أفضل الممارسات العالمية.

وقد شكلت هذه الإجراءات الوصفة التي اعتمدت عليها البورصة في إحراز النجاح، ومثلت في بعض الأحيان سببا في تأجيل إدراج بعض المنتجات، وذلك حينما ترى أن مقومات النجاح لم تكتمل بعد، ومن ثم، فانه من المنطقي أن يكون القائمون على البورصة على ثقة بأن عقود البلاستيك الآجلة سيحالفها النجاح، فهي في جعبتها الكثير من قصص النجاح التي تجعلها متشبثة بالمقولة الرائجة والقائلة إن الماضي خير دليل في التعرف على معالم الحاضر والمستقبل.

مجدي عبيد

magdy@albayan.ae