كان الاجتماع فرصة لإلقاء الضوء بشكل مكثف على مدى تأثر منطقة الخليج بأزمة الغذاء وكذلك أثر تغير المناخ والمخاطر على النظام والأمن الغذائيين والاستراتيجيات التي يجب تبنيها في المنطقة من أجل التكيف والحد من الآثار السلبية لظاهرة التغير المناخي.
وسنحت لـ «البيان الاقتصادي» فرصة التعرف على آراء بعض الخبراء فيما تبذله دول المنطقة من جهود لمواجهة الأزمة. وقد أجمع الحضور على أن ثمة حاجة ماسة إلى تعظيم الاستثمارات في المجال الزراعي، حيث أشارت أوراق بحثية خلال الاجتماع إلى أن انهيار النظم الزراعية بسبب زيادة تعرضها للجفاف وارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي بنحو 600 مليون شخص إلى مواجهة سوء التغذية على مستوى العالم. بحيث يضاف هذا الرقم إلى ال262 مليوناً الذين تضرروا بسبب الكوارث المناخية في الفترة بين عامي 2000 و2004. وأكدت هذه الدراسات أن تقرير «تقييم النظم البيئية للألفية» يشير إلى أنه مع نهاية القرن الحالي سيكون التغير المناخي هو السبب الرئيسي وراء فقدان التنوع الحيوي، وهو نتيجة مباشرة لغياب الاستثمارات التي تلعب دوراً في مواجهة التغيرات البيئية التي تحدث من حولنا. وقالت هذه الدراسات إن مستويات الجفاف على مستوى العالم ارتفعت منذ السبعينات من القرن الماضي بدرجات كبيرة في مناطق عديدة في الشرق الأوسط وأجزاء من القارة الآسيوية. وقد تحدث «البيان الاقتصادي» مع اثنين من الخبراء الذين شاركوا في الاجتماع، وهما دكتور مارتن فإن جينكل، نائب مدير عام المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة، ودافيد حلام، رئيس السياسات التجارية في منظمة الفاو.
حيث بدأ مارتن بالحديث عن مسألة الوعي بالقضايا البيئية وقال إن «مشكلة كبيرة نعاني منها في عملنا تتمثل في أن هناك عدم وعي في المنطقة بشكل عام على مستوى الأفراد وبشكل أقل على مستوى بعض الحكومات بمخاطر التغير المناخي وظاهرة التصحر. فنحن في المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة نعمل في شتى أنحاء العالم.
غير أن المفارقة في عملنا هي أننا نجد، على الرغم من خطورة المشكلة والتحديات التي تمثلها ظواهر مثل التصحر والتغير المناخي على سبيل المثال وليس الحصر ـ نجد أن هناك كثيراً من الفئات غير مدركة لما يمر به العالم من أزمة حقيقية في هذا الصدد. ومن ثم فإننا عندما نجد مثل هؤلاء، لاسيما الذين يأتون من خارج المنطقة، نقول لهم: إذا أردتم التعرف على ماذا سيحدث لكم غداً فانظروا إلى ما يحدث في المناطق الجافة اليوم نتيجة التغير المناخي».
وأضاف: «أما المشكلة الأكبر التي نواجهها في عملنا فتتمثل في أن حجم الاستثمارات الموجهة لميدان الزراعة ومواجهة التصحر وعلاج المناطق الجافة قليل وليس عادلاً مقارنة بما يوجه إلى المجالات الأخرى، الأمر الذي ينعكس على رؤية شباب الجامعات الذين يتوجهون إلى تخصصات أخرى لأنهم يدركون صعوبة الحصول على وظائف مناسبة إذا ما انضموا إلى العمل في هذا المجال. وفي حال أن يتخصص البعض منهم في مجالنا فإنه قد يسافر إلى الخارج لعمل مزيد من البحوث المتخصصة، وغالباً الذي يسافر لا يرجع إلى المنطقة مرة أخرى لممارسة العمل نفسه».
واستطرد بالقول: «منطقة الشرق الأوسط بحاجة إلى مزيد من البحوث في مجال الزراعة وعلاج مشكلات المناطق الجافة.
وفي حال أن تتم هذه البحوث بدرجة فعالة فإن المنطقة ـ بفضل ما تملكه من إمكانات هائلة ـ لديها القدرة على قيادة العالم في هذا المجال والنجاح في علاج عدد من المشكلات الملحة التي تواجه العالم مثل ظاهرة التصحر والتغير المناخي. يجب أن تكون هناك أبحاث جديدة وأصلية تستقطب الشباب للعمل في هذا المجال ومن ثم تستطيع المنطقة الاستفادة من إبداعات الأجيال الجديدة.
ثمة اتجاه سلبي في المنطقة العربية يتمثل في تبني الأبحاث التي يطلقها آخرون في مناطق مختلفة من العالم ثم محاولة تطبيقها هنا في الشرق الأوسط. الأمر بهذا الشكل ينجح قليلاً ويفشل في أحيان كثيرة. لا يمكن الاعتماد كلية على مثل تلك الأبحاث، حيث يجب أن تكون لدينا أبحاثنا الأصلية التي تناسب طبيعة ظروف المنطقة ومن ثم تكون علاجاً فعالاً للأزمات التي تواجهنا على المستوى البيئي.
نحن نواجه ظروفاً مختلفة عن جميع مناطق العالم. فالمنطقة تقع تحت ضغط متواصل على المناطق الزراعية والعشبية بسبب الانفجار السكاني، الأمر الذي قلص من مساهمة المجال الزراعي في إجمالي الناتج المحلي للدول. فمنذ 5 سنوات كانت المناطق الزراعية التي نرعى فيها الماشية توفر ما تصل نسبته إلى ما بين 75% -80% من حاجاتنا الغذائية، غير أن هذه النسبة تقلصت الآن لتصل إلى 25% نتيجة عمليات الصيد الجائر وتراجع المساحات الزراعية بسبب الانفجار السكاني، كما أن هناك زيادة في نسبة الطبقة المتوسطة التي تميل إلى أكل اللحوم بشكل أكبر ومن ثم زيادة الضغط على الموارد المائية».
وأشار مارتن إلى أن «الحكومات مطالبة بتقديم بدائل معيشية ومستوى خدمات أفضل للمزارعين تمكنهم من التعامل مع مشكلات الجفاف والتصحر والاستثمار بشكل جيد في المجال الزراعي لاسيما فيما يتعلق بتوفير الأسمدة المناسبة ومساعدتهم على التغلب على مشكلات إدارة المياه».
«يمكننا القول إن مستوى تعاون الحكومات في منطقة الخليج أصبح أكثر إيجابية خلال السنوات الأخيرة. لقد بدأت الشعوب والحكومات تدرك أن الزراعة هي عصب أي اقتصاد. هناك نكتة اعتدنا سماعها في الماضي وهي أنه عندما تسأل شخصاً من أين يأتي الغذاء فإنه يقول لك إنه يأتي من السوبر ماركت.
أما الآن وفي ضوء الارتفاعات المتتالية في أسعار المواد الغذائية، فإن هناك إدراكاً بأن الزراعة هي التي تمدنا باحتياجاتنا الغذائية وأن الفشل في تنمية هذا القطاع يعني الفشل في توفير مستوى معيشي طيب للشعوب.
كما أن ظاهرة الجفاف التي اجتاحت كثيراً من دول العالم أقنعت الدول الأخرى بحتمية الاستثمار في مجال الأمن الغذائي».
«إذا لم تتعامل الحكومات بشكل إيجابي مع التحديات الآنية، فإن المنطقة ستعاني من مشكلات جمة على مستوى ندرة المياه لاسيما في ضوء التوقعات بزيادة درجات الحرارة بشكل كبير خلال الأعوام الخمسين المقبلة، الأمر الذي يحتم علينا تطوير سلالات نباتية تستطيع التأقلم مع المناخ الجديد الذي ينتظر العالم ويستطيع تحمل ارتفاع الحرارة مع عدم استهلاك كميات إضافية من المياه».
ومن جانبه قال دافيد حلام، رئيس السياسات التجارية في منظمة الأغذية والزراعة الفاو، إن منطقة الخليج من أكثر مناطق العالم تأثراً بأزمة الغذاء العالمية نتيجة الاعتماد الكبير على واردات الغذاء لتلبية احتياجات الشعوب.
وعن أزمة الغذاء العالمية قال حلام إن هناك أسباباً عامة أدت إلى أزمة الغذاء الحالية، وهي الأسباب التي كانت وراء ما حدث من ارتفاع للأسعار في سنوات ماضية، مثل انخفاض تصدير بعض الدول لإنتاجها الزراعي بسبب موجات الجفاف التي تتعرض لها أراضيها. غير أن الأمر الجديد في الأزمة الراهنة يتمثل في عاملين أساسيين وهما الارتفاع غير المسبوق في أسعار النفط. والعامل الآخر، الذي يرتبط بالعامل الأول، هو استخدام بعض المحاصيل كوقود عضوي، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع الكميات المتوافرة للتصدير ومن ثم زيادة متتالية في الأسعار.
ولا شك أن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي هما الطرفان اللذان يتحملان مسؤولية هذا الاعتماد المفرط على الوقود العضوي نتيجة اللجوء إلى إنتاج الديزل من المحاصيل الزراعية. كما لا يجب أن ننسى اعتماد البرازيل على السكر لإنتاج الإيثانول. الجديد الذي أوجدته الأزمة الحالية هو الارتباط الوثيق الحاصل بين مجالي الطاقة والزراعة ومن ثم فإن هناك حاجة ماسة إلى مزيد من الاستثمارات التقنية لزيادة الإنتاج الزراعي وإدارة المياه والبنية التحتية. أزمة الغذاء فرصة بقدر ما هي مشكلة. فأزمة ارتفاع الأسعار تمثل فرصة لزيادة الإنتاج من أجل تقليص هذه الأسعار فنحن لم نتعلم من الأزمات السابقة. في حين أن الأزمة الحالية بسبب قوتها ينبغي أن تدفع الجميع إلى زيادة الإنتاج من أجل السيطرة على الأسعار.
وكشف حلام عن تحضيرات تجرى على قدم وساق لاستئناف مباحثات التجارة التي عقدتها منظمة التجارة العالمية الشهر الماضي في جنيف وفشلت في التوصل إلى حل لأزمة الغذاء العالمية، حيث أكد أن الشهر المقبل سيشهد استئنافاً لهذه المباحثات.
وقال إن هناك ضرورة «لاستئناف هذه المباحثات في أسرع وقت ممكن لتدارك الوضع، حيث إن جميع الأطراف متفقة على المبادئ غير أن الخلاف حول التفاصيل فحسب، لاسيما على مستوى القواعد المنظمة للواردات بين الولايات المتحدة والهند والصين».
غير أن حلام لم يفصح عن مكان عقد المباحثات، مؤكداً أنه سيكون خلال الشهر المقبل.
وقال حلام إن رد الفعل السلبي الذي أبدته بعض الدول والذي تمثل في منع بعض صادراتها الغذائية قد ساهم في تأجيج أزمة الغذاء العالمية، مشيراً بأصابع الاتهام في هذا الشأن إلى دولتي تايلاند والأرجنتين اللتين منعتا تصدير الأرز والقمح، الأمر الذي أدى، بحسب تعبيره، إلى نقص المعروض في السوق العالمية ومن ثم زيادة أسعار مثل هذه السلع الرئيسية.
«الفاو ترى أن رد فعل بعض دول العالم تجاه أزمة الغذاء كان سلبياً وزاد من سوء الوضع، حينما لجأ البعض إلى وقف صادراته الغذائية بهدف تلبية الطلب الداخلي. فبعض الدول، مثل تايلاند، منعت تصدير الأرز، ومن ثم ساهمت في رفع أسعار الأرز عالمياً.
كما لجأت الأرجنتين إلى وقف تصدير القمح في الوقت الذي تعد فيه بيونس أيرس أكبر دول العالم إنتاجاً للقمح. مثل هذا التوجه الذي تتبناه هذه الدول يضر بالحلول بعيدة الأجل للمشكلة. وهنا أحب أن أوضح أن أزمة الغذاء لها بعدان: قصير الأجل، والآخر بعيد الأجل.
أما القصير الأجل فيتمثل في العمل على سد الاحتياجات الآنية للشعوب بأسعار معقولة، والبعد الثاني هو تشجيع زيادة الإنتاج على المدى البعيد. فما فعلته هذه الحكومات يحول دون تقديم أي حوافز للمزارعين لزيادة الإنتاج في المستقبل».
%
منذ 5 سنوات كانت الأراضي الزراعية على مستوى العالم توفر ما تصل نسبته إلى 75% -80%
من حاجاتنا الغذائية، غير أن هذه النسبة تقلصت الآن لتصل إلى 25% نتيجة عمليات الصيد الجائر وتراجع المساحات الزراعية بسبب الانفجار السكاني.
اسباب مفترضة للأزمة
هناك أسباب عامة أدت إلى أزمة الغذاء الحالية، وهي الأسباب التي كانت وراء ما حدث من ارتفاع للأسعار في سنوات ماضية، مثل انخفاض تصدير بعض الدول لإنتاجها الزراعي بسبب موجات الجفاف التي تتعرض لها أراضيها.
غير أن الأمر الجديد في الأزمة الراهنة يتمثل في عاملين أساسيين وهما الارتفاع غير المسبوق في أسعار النفط. والعامل الآخر، الذي يرتبط بالعامل الأول، هو استخدام بعض المحاصيل كوقود عضوي، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع الكميات المتوافرة للتصدير ومن ثم زيادة متتالية في الأسعار. ولا شك أن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي هما الطرفان اللذان يتحملان مسؤولية هذا الاعتماد المفرط على الوقود العضوي نتيجة اللجوء إلى إنتاج الديزل من المحاصيل الزراعية.
الطاقة الحيوية والأمن الغذائي
فيما تلبي الطاقة الحيوية نسبة متنامية من الطلب العالمي على الطاقة، إلا إنها في الوقت نفسه تشكل مخاطر على الأمن الغذائي في مختلف أنحاء العالم. ففي حال عدم إدارتها بشكل جيد، فإنها تهدد الأمن الغذاء بصورة خطيرة يمكن أن تعوق أعداداً كبيرة من السكان في مختلف أنحاء العالم عن الوصول إلى مصادر غذاء آمنة.
وتشير الدراسات التي قدمت في هذا الشأن إلى أن الوقود الحيوي السائل يقدم نحو 2% من الوقود المستخدم في النقل على الطرق في العالم، تشير التقديرات إلى أن هذه النسبة سترتفع بحلول عام 2030 إلى 5%. غير أن صناع السياسات يواجهون تحدياً يتمثل في إيجاد معادلة بين الاستفادة من إنتاج الطاقة الحيوية جنباً إلى جنب مع كفالة قدرة الشعوب على الاستمرار في زراعة إمدادات غذائية كافية.
الزراعة والطاقة في قارب واحد
لا شك أن قضية الأمن الغذائي وما يتعلق بها من قضايا لا تقل أهمية مثل الزراعة والغابات ومصائد الأسماك والطاقة الحيوية ـ لا شك أنها تحتل موقع الصدارة في النقاشات القائمة حول تهديد التغير المناخي وظاهرة الاحتباس الحراري.
الأمر الجديد في هذه النقاشات هو أن التطورات التي شهدها العالم على امتداد السنوات القليلة الماضية، سواء على المستوى الجيوسياسي أو على المستوى البيئي أو على مستوى الأمن الاجتماعي ـ هذه التطورات أوجدت صلة وثيقة لم تكن موجودة من قبل بين قضيتي الطاقة وتوافر الموارد الزراعية وذلك بسبب اعتماد بعض دول العالم الكبرى على المحاصيل الزراعية لتلبية احتياجاتها من النفط، الأمر الذي زاد من الضغط على الأراضي الزراعية في وقت تتعرض فيه الأراضي الزراعية بالفعل إلى ضغوط أخرى هائلة ليس أقلها التغير المناخي.
التطورات الحاصلة في أزمة الغذاء عالمياً وإقليمياً لا شك أنها تستلزم استثمارات هائلة وجهوداً بحثية كبيرة لإيجاد حلول من شأنها تفادي حدوث كوارث عالمية يمكن أن تدفع دول العالم الفقيرة إلى مزيد من التردي. ثمة إجماع بين الخبراء على أن المنطقة العربية تمتلك من الإمكانات البشرية والمادية ما يتيح لها قيادة العالم في مجال مكافحة التغير المناخي والأمن الغذائي.
غير أن المشكلة تظل متمثلة في الاعتماد على البحوث والخبرات الأجنبية وتبني ما يأتي من الغرب وتطبيقه في منطقتنا على الرغم من اختلاف الظروف والبيئات، وهي المشكلة التي ينذر استمرارها بمستقبل كئيب لاسيما مع استمرار أزمة ندرة المياه التي تعاني منها المنطقة.
حاتم حسين

