أربكت التحركات الأخيرة لأسعار النفط معسكري المنتجين والمستهلكين على السواء، ففي حين بدأت العديد من البلدان المستهلكة تأقلم نفسها على واقع أسعار مرتفعة فوق 130 دولارا للبرميل وعملت على صياغة سياساتها الاقتصادية على هذا الأساس، أوجد الانخفاض الحاد في الأسعار خلال الأيام الماضية واقعاً جديداً قد يؤدي إلى تغيير تلك الاستراتيجيات من جديد.

أما بالنسبة لمعسكر المنتجين فيبدو أن الأمر أكثر تعقيداً، فالحسابات الأخيرة لمعظم ميزانيات البلدان المنتجة قامت على أساس توقع أرقام مرتفعة لعائدات النفط. وأظهرت بيانات أن ارتفاع أسعار النفط جعل الدول الأعضاء في أوبك تجني أموالاً في الأشهر السبعة الأولى من هذا العام أكثر مما جمعته في عام 2007 بكامله.

واعتبر المدير العام لوكالة الطاقة الدولية نوبو تاناكا أن سعر 100 أو 110 دولارات لبرميل النفط لا يزال مرتفعا، داعيا بذلك منظمة أوبك إلى الحفاظ على إنتاجها دون تغيير.

وقال تاناكا «الأسعار بدأت بالتراجع لكن سعر 100 أو 110 دولارات لا يزال مرتفعاً». وأشار المدير العام لوكالة الطاقة الدولية أن الاستثمارات على المدى الطويل غير كافية لزيادة قدرات الإنتاج وفقا لوتيرة الطلب العالمي المتنامي. وأوضح «أن السوق قد تواجه في العام 2009 خطر الضغوط من جديد».

ودعا تاناكا بالتالي الدول الأعضاء في منظمة أوبك إلى الحفاظ على إنتاجها دون تغيير، في حين بدأت بعض الدول الأعضاء المطالبة بخفض إنتاجها لمواجهة تدهور الأسعار. وقال «إذا ما أبقت أوبك على إنتاجها، فان السوق ستتحسن والأسعار ستكون أفضل».

وهدأت مطالبات الدول المستهلكة بمزيد من النفط مع تراجع الأسعار لكن ارتفاع أسعار الوقود إلى مستويات قياسية أثار احتجاجات على مستوى العالم وكان النفط على رأس القضايا المطروحة في الحملة الانتخابية الأميركية. وكانت إيران وفنزويلا قد أشارتا إلى رغبتهما في ألا تقل أسعار النفط عن مئة دولار للبرميل.

واتخذت دول أخرى مثل السعودية موقفا أكثر اعتدالا. فقال العاهل السعودي الملك عبد الله في يوليو بعد أن بلغ سعر النفط ذروته عند 147, 27 دولارا للبرميل ان المملكة لم تكن راضية عندما كان السعر يتأرجح حول مستوى مئة دولار للبرميل في وقت سابق هذا العام.

وخفض بنك «بي.ان.بي باريبا» توقعه لسعر النفط الخام الأميركي في العام 2008 بواقع 80, 10 دولارات إلى 10, 113 دولارا للبرميل. وخفض البنك في تقريره المؤقت توقعه لسعر مزيج برنت هذا العام 30, 10 دولارات إلى 20, 112 دولارا للبرميل. وقالت الإكوادور أصغر أعضاء منظمة أوبك إن أسعار النفط العالمية الحالية التي تحوم في نطاق 100 إلى 110 دولارات للبرميل معقولة. ولمحت مصادر بأوبك إلى حد أدنى للسعر أقرب إلى 80 دولاراً للبرميل نظرا للمخاوف بشأن تأثير ارتفاع تكاليف الوقود على اقتصادات كبيرة مستهلكة.

تراجع الطلب على النفط في الولايات المتحدة على مدى الأسابيع الأربعة الماضية حوالي 5, 3 في المئة عن مستوياته قبل عام في حين يبدو أن استهلاك البنزين يتجه نحو أول هبوط سنوي منذ أوائل عقد الثمانينات وفقا لبيانات من إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وزاد من المخاوف بشأن تأثير الاقتصاد على الطلب بيانات تظهر أن معدل البطالة في أميركا ارتفع إلى 1, 6 في المئة وهو أعلى مستوى له في حوالي خمسة أعوام مع معاناة البلاد آثار أزمة مصرفية. وتغيرت الكثير من العادات الاستهلاكية في الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية والدول الصناعية الكبرى الأخرى خلال الفترة الأخيرة بسبب تأثير الأحوال الاقتصادية على مستويات الإنفاق الشخصي، وبدأ العديد من الأميركيين والأوروبيين يتركون سياراتهم الخاصة ويلجأون لوسائل النقل العامة.