عادت قضية نمو الدين العام في لبنان بما يفوق بكثير نمو الاقتصاد الوطني إلى استقطاب الاهتمام، في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية نتيجة ارتفاع الأسعار وموجة الغلاء التي تغزو الأجور وتذيب المداخيل الفردية والأسرية، من دون توقعات ارتفاعات الأسعار الجديدة مع دخول شهر رمضان المبارك.
وتأتي هذه الأمور في ظل المعالجات السطحية لموضوع تصحيح الأجور وتغييب الحوار الاقتصادي والاجتماعي، بسياسة الاستمرار بتجاهل تفعيل وإحياء دور المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهو مجلس دستوري بامتياز معطل بالخلافات السياسية منذ أكثر من ثلاث سنوات.
فآخر تطورات قرار تصحيح الأجور، خلافاً للأنظمة والأعراف السابقة من حيث القيمة والمفعول الرجعي، يقضي على إمكانية تصحيح الخلل الاجتماعي وينذر بعدم الاستقرار المعيشي والاجتماعي، الذي هو أساس للاستقرارين الاقتصادي والسياسي. وبلغت قيمة الدين العام الإجمالي حتى نهاية يوليو من العام الحالي 2008 ما يزيد على 7. 44 مليار دولار. نصفها تقريباً بالعملات الأجنبية، ونصفها بالليرة اللبنانية، وغالبيتها في سندات الخزينة.
وسجل الدين زيادة كبيرة فاقت 8% منذ بداية العام، مع عودة حصة المصارف إلى التزايد في تمويل العجز، كما يتضح من نمو التسليفات للقطاع العام بما يقارب ال2000 مليار ليرة، خلال ستة أشهر تقريباً، ما يزيد من فرص ومخاطر تمركز الدين العام من جهة، ويؤشر على عدم توافر مطارح للتوظيفات في قطاعات أخرى من جهة ثانية.
وتتوزع الديون الخارجية بما نسبته 88% على سندات اليوروبوند، ومعظمها مع المصارف اللبنانية. أما ديون الدول والقروض فتقدر بما نسبته 12%، وهي مرشحة للارتفاع بعض الشيء في ضوء وصول مساهمات باريس-3 المرهونة بالإصلاحات.
في حين يحمل الديون الداخلية، بما يعني سندات الخزينة، كل من مصرف لبنان بما قيمته 8753 مليار ليرة، وما نسبته 26% من إجمالي هذا الدين، في مقابل 20100 مليار ليرة للقطاع المصرفي جلها سندات خزينة بالليرة اللبنانية، بما نسبته 58%، إضافة إلى 79 مليار ليرة قروض للمؤسسات العامة. ويتوزع الباقي وقدره 4773 مليار ليرة الجمهور والضمان الاجتماعي والمؤسسات المالية، بما نسبته 9. 13%.
وبالنسبة إلى سلامة النظام المالي في لبنان، يشكل انكشاف المصارف على الدين العام نقطة مركزية. هذا الانكشاف من ناحية الاكتتابات بسندات الخزينة بالعملة الوطنية وبالعملة الأجنبية يمتص حوالي 32% من الميزانية المجمعة للمصارف في لبنان. وفي حال إضافة توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان ترتفع هذه النسبة إلى 50% من الموجودات المصرفية.
ويعني ذلك أن الدين العام يواجه تمركزاً في تمويله، باعتبار أن 50% منه ممول من المصارف، وحوالي 28% يموله المصرف المركزي والضمان الاجتماعي ومؤسسة ضمان الودائع، في حين أن 12% فقط تمولها الجهات الخارجية
. وهذا الانكشاف المتبادل يشكل مخاطر رئيسية على الفرقاء كافة. لذلك فإن تخفيف انكشاف المصارف المباشر على الدين العام يقلل المخاطر المصرفية التي تواجه تراجعاً حتمياً في معدلات الأرباح، في حين أن تخفيض انكشاف الدين على المصارف يؤدي إلى توسيع دائرة المكتتبين، وبالتالي يسهل استمرارية التمويل بمخاطر اقل، وهو ما تم جزئياً بعد المساهمات الدولية والعربية نتيجة المؤتمرات الداعمة لبنان والمساعدة لإعادة اعماره.
المصارف الاستثمارية
ماذا في واقع المصارف المتخصصة ونشاطها، مقارنة مع المصارف التجارية أو القطاع المصرفي بشكل عام، حتى نهاية النصف الأول من العام 2008؟ بالنسبة لحجم هذه المؤسسات، فما زال عدد المصارف الاستثمارية والمصارف المتخصصة يبلغ 11 مصرفا، مع إنشاء بنك بيروت للاستثمار، وهي تملك 11 فرعاً، وهي كانت 10 مصارف في العام 2006، وهي كان لديها أكثر من 12 فرعا في العام 2005. في المقابل هناك 65 مصرفاً تجارياً لديها حوالي 847 فرعاً.
وهي كانت في العام 2007 حوالي 65 مصرفا تجاريا لديها حوالي 831 فرعاً في مختلف المناطق والمحافظات والأحياء اللبنانية. وهذا يعني أن حجم المصارف الاستثمارية والمتخصصة مجتمعة لا يشكل أكثر من 9. 16% من إجمالي عدد المصارف في منتصف العام 2008، بعدما كان حوالي 2. 14% من عدد القطاع المصرفي الإجمالي في العام 2006، وهو لا يشكل أكثر من 3. 1% من إجمالي عدد الفروع في القطاع المصرفي.
بالنسبة لموجودات هذه المؤسسات، فقد بلغت الميزانية المجمعة لمصارف الأعمال والمصارف المتخصصة في نهاية حزيران 2008 ما مجموعه 5. 3 مليارات دولار، مقابل حوالي 3. 3 مليارات دولار للعام 2007. وهذه الميزانية توازي حالياً ما نسبته 02. 4% من إجمالي الميزانية المجمعة للقطاع المصرفي.
وهي كانت تساوي حوالي 44. 4% من إجمالي الميزانية المجمعة للقطاع في العام 2006 وبداية العام 2007. إشارة إلى أن الميزانية المجمعة للقطاع المصرفي بلغت في حزيران 2008 حوالي 451. 88 مليار دولار. مع الإشارة إلى أن ميزانية المصارف المتخصصة كانت تشكل في العام 2005 حوالي 23. 5% من حجم القطاع.
بالنسبة للأموال الخاصة للمصارف الاستثمارية أو المتخصصة، فقد تراجعت بعض الشيء مقارنة مع العام 2007، وهي بلغت في الشهر السادس من العام 2008 حوالي 571 مليون دولار، بعدما كانت حوالي 627 مليون دولار في نهاية العام 2007. في حين تبلغ الأموال الخاصة للمصارف التجارية حوالي 2. 6 مليارات دولار.
بمعنى آخر، أنها تشكل ما نسبته حوالي 62. 8% من أموال القطاع بعدما كانت حوالي 02. 10% في نهاية العام 2007، وهي كانت نسبتها حوالي 1. 13% في العام 2005. ويقدر حجم الودائع في المصارف المتخصصة والاستثمارية في منتصف العام 2008 بحوالي 2 مليار دولار، بعدما كانت حوالي 8. 1 مليار دولار في نهاية العام 2007.
وهذا عنصر سلبي يدل على تراجع تسليفات هذا القطاع وهو يفترض أن ينمي القروض. وتشكل الودائع في المصارف المتخصصة مقارنة مع إجمالي ودائع القطاع المصرفي ما نسبته 89. 2%، وهي تراجعت من 31. 3% في العام 2006، واستقرت على ما كانت عليه في العام 2007 عند 7. 2% تقريباً. مع الإشارة إلى أنها كانت قاربت نسبة 3. 4% في العام 2005.
أما إجمالي ودائع القطاع المصرفي فبلغت في نهاية الشهر السادس من العام 2008 حوالي 089. 72 مليار دولار. ويتعلق النشاط الأبرز والاهم بالنسبة للمصارف المتخصصة يتعلق بتطور حجم التسليفات، باعتبارها النشاط الأساسي بالنسبة لدور تحريك الاستثمارات.
فقد بلغت قيمة التسليفات المعطاة من قبل المصارف المتخصصة والاستثمارية حتى نهاية حزيران من العام 2008 ما مجموعه 894 مليونا، مقابل حوالي 773 مليون دولار لنهاية العام 2007. وهي عادت إلى التحسن بعد عمليات التسليف للقطاعات الإنتاجية والمدعومة الفوائد، وهي نسبة جزئية مقارنة مع كل الآليات والمحاولات لتحريك القروض التجارية والصناعية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وهذا الوضع ينعكس إلى حد كبير في تمركز حركة التسليفات في المصارف التجارية على أنواعها في الداخل والخارج وللمقيمين وغير المقيمين من جهة، إضافة إلى تردد المؤسسات الإنتاجية المحلية في الإقبال على الاقتراض نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية السائدة والمستمرة منذ أكثر من سنتين، ما اضعف إمكانية نمو أداء المصارف المتخصصة وتوسعها أيضا.
ولا تسلف المصارف عادة القطاع العام، أي الدولة. وتشكل تسليفات المصارف المتخصصة ما نسبته 78. 3% من إجمالي تسليفات القطاع المصرفي، وهي النسبة ذاتها للعام 2007، بعدما كانت حوالي 65. 4% من إجمالي تسليفات القطاع المصرفي في العام 2006.
وبلغ إجمالي تسليفات القطاع المصرفي إلى القطاعات الاقتصادية حتى نهاية حزيران 2008 ما مجموعه 6. 23 مليار دولار، بزيادة قدرها 2. 2 مليار دولار خلال ستة أشهر، مقارنة مع نهاية العام 2007، وهي نسبة قياسية في تحسن التسليفات.
وبالنسبة لأرباح المصارف المتخصصة المحققة والتي بلغت حوالي 47 مليون دولار حتى حزيران، فإنها زادت بنسبة كبيرة بلغت حوالي 7. 2 مليون دولار شهرياً. إذ ارتفع المتوسط الشهري للأرباح من 1. 5 ملايين دولار في العام 2007 إلى 8. 7 ملايين في النصف الأول من العام 2008، أي بزيادة نسبتها 9. 52%. إشارة إلى أن أرباح كامل العام 2006 كانت بحدود 48 مليون دولار، أي بما يوازي أرباح منتصف العام الحالي.
وتشكل أرباح المصارف المتخصصة من إجمالي أرباح القطاع المصرفي حوالي 6. 7%، باعتبار أن أرباح القطاع المصرفي خلال الفترة ذاتها من العام الحالي بلغت 614 مليون دولار. هذه النتائج لنشاط المصارف الاستثمارية والمتخصصة تجدد التأكيد على ضرورة تعزيز نشاطات هذه المصارف، مع العمل على تفعيل الأسواق المالية، وإجراء الإصلاحات التي تساهم في تكريس الثقة وزيادة حجم الاختصاص وتوسيع الخدمات وتنويعها. وذلك لا يمكن أن يكون إلا عن طريق تنشيط الأسواق المالية والبورصة. ليستعيد لبنان دوره الأساس في الوساطة المالية على صعيد المنطقة.
مؤشرات اقتصادية
1- مؤشر مديرية الإحصاء في مصرف لبنان يشير إلى أن التضخم بين يوليو 2007 ويوليو 2008 بلغ أكثر من 14%، في حين أن مؤشر بنك عودة يقدر التضخم ب10% خلال العام 2008 على معدلات الأسعار الحالية، بينما سجل مؤشر الدولة تضخماً ونسبة غلاء خلال الأشهر السبعة الأولى بأكثر من 2. 7%.
2- حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يقدر نسبة النمو الاقتصادي للعام 2008 بحوالي 5%، على الرغم من النتائج المتواضعة لفائض ميزان المدفوعات، وذلك بسبب ضخامة نمو العجز في الميزان التجاري.
3- ويقدر الحاكم كلفة فاتورة استيراد المحروقات لكهرباء لبنان بأكثر من 5. 1 مليار دولار، وقد تصل إلى ملياري دولار، إذا ما ارتفعت أسعار النفط عما هي عليه اليوم. إلى ذلك يضاف تزايد عجز الضمان الصحي وفرع التعويضات العائلية الذي سيحمل الخزينة أيضاً أكثر من 300 مليار ليرة إضافية خلال العام الحالي.
4- استطاعت المصارف والقطاعات الإنتاجية المدينة معالجة جزء أساسي من الديون المشكوك بتحصيلها، حيث بلغت قيمة التسويات خلال السنتين الماضيتين أكثر من ملياري دولار وفقاً لتعاميم مصرف لبنان، وهي حالات شملت أكثر من 4 آلاف عميل ومتعامل ومدين في القطاعات التجارية والصناعية والفردية. مع ذلك فأن حجم الديون المشكوك بتحصيلها وبعد التسويات المستمرة ما زالت تشكل حوالي 5675 مليار ليرة، أي ما يوازي 3783 مليون دولار، منها حوالي 1400 مليون دولار الفوائد المتراكمة على هذه الديون. وتمت تسويات خلال العام الحالي على أكثر من 95 مليون دولار تقريباً.
بيروت ـ عدنان الحاج
