طالب الاقتصادي السعودي د. عبدالله بن إبراهيم القويز في نداء له بمراجعة سير المفاوضات التجارية بين مجلس التعاون والمفوضية الأوروبية، وقال إنه في يوم الثلاثاء 10 يونيو 2008 وبعد اجتماع لوزراء خارجية مجلس التعاون في جدة نقلت وسائل الإعلام التصريح التالي لمعالي أمين عام المجلس الأستاذ عبد الرحمن العطية: «إن الاتحاد الأوروبي يقحم قضايا سياسية أدت إلى تأخر إبرام اتفاقية التجارة الحرة بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي.

وأن الأوروبيين تبنوا شراكة استراتيجية أوروبية مع إسرائيل يحاولون فرضها على دول مجلس التعاون التي ترفض إقامة أي علاقات مع إسرائيل حتى التوصل إلى اتفاق سلام شامل يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية وإنهاء الاحتلال». كما أردف معاليه بأنه في سبتمبر القادم سيكون اللقاء النهائي بين الطرفين «إما أنه يتم توقيع الاتفاقية أو إيقاف المفاوضات». وتتبع القويز الخطوات الأخيرة التي قام بها الاتحاد الأوروبي ومنها:

1- منح إسرائيل امتيازات تجارية إضافية مما سيعطيها مكانة متميزة مقارنة بكافة الدول الأخرى في المنطقة ويتضمن الاتفاق الجديد هيكلة وتعزيز التعاون والتنسيق الدبلوماسي بين الطرفين، وقيام أوروبا ببذل الجهود للحيلولة دون عزل إسرائيل دولياً وإقليمياً، وإدماج إسرائيل فعلياً في الأجهزة الأوروبية المتخصصة والتي تقتصر عضويتها على الدول الأوروبية الداخلة في الاتحاد الأوروبي، وإنشاء مجموعات عمل لإدماج إسرائيل في آليات السوق الداخلية الأوروبية ومنحها مكانة لا تبتعد كثيراً عن العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي.

2- ترتبط دول المجلس مع دول الاتحاد الأوروبي منذ وقت طويل بعلاقات قوية ومتشعبة تشمل المجالات التجارية والاستثمار والثقافة والعلوم والسياسة والأمن والسياحة مما دفع الطرفين في عام 1988 وعندما كانت الحرب العراقية على أشدها إلى توقيع اتفاقية للتعاون بين المجموعتين، تهدف هذه الاتفاقية إلى دعم التعاون الاقتصادي والتجاري بين المجموعتين والمساهمة في استقرار وأمن هذه المنطقة الحيوية للاقتصاد العالمي.

وبموجب هذه الاتفاقية تم إنشاء مجموعات عمل للتعاون الصناعي والتعاون في مجالات الطاقة والبيئة. وفي عام 1996 أضيفت مجالات تعاون أخرى شملت الجامعات ورجال الأعمال والمجال الإعلامي. كما نصت تلك الاتفاقية على التزام الطرفين بالدخول في مفاوضات لوضع اتفاقية للتبادل التجاري الحر بين المنطقتين.

فلو ركزنا على الجانب التجاري وحده في العلاقة بين المجموعتين لوجدنا أنه في نهاية عام 2006 احتل الاتحاد الأوروبي المركز الأول في الشراكة التجارية لدول المجلس كما احتلت دول المجلس المركز الخامس في العلاقات التجارية للاتحاد الأوروبي مع الدول والمجموعات الأخرى.

المفاوضات التجارية

في عام 1990 دخلت دول المجلس والاتحاد الأوروبي ممثلاً بمفوضيته في بروكسل في مفاوضات لوضع اتفاق للتبادل التجاري الحر أي إعفاء المنتجات الوطنية للمجموعتين من الرسوم الجمركية عند دخولها لسوق الطرف الآخر، إلا أن هذه المفاوضات توقفت بعد عدد من الاجتماعات نتيجة لإصرار الاتحاد الأوروبي على ضرورة قيام دول المجلس بتوحيد تعريفاتها الجمركية تجاه العالم الخارجي (أي الدخول في اتحاد جمركي) قبل المضي قدما.

وفي يوليو 2001 اصدر المجلس الوزاري الأوروبي توجيهاً لمفوضيته باستئناف المفاوضات مع تحديد المجالات التي ينبغي أن تشملها الاتفاقية. وتنفيذاً لذلك استأنفت هذه المفاوضات في مارس 2002 ولا تزال مستمرة حتى تاريخه.

وكان آخر اجتماع لوزراء خارجية المجموعتين في بروكسل في 26 مايو 2008 تلاه اجتماع للخبراء في بروكسل أيضاً يومي 26 - 27 يوليو 2008 بهدف الوصول إلى حل للقضايا العالقة. ورغم أن هذا الاجتماع الأخير أحرز بعض التقدم إلا أنه ما زال هناك ثلاث قضايا عالقة سيناقش المجلس الوزاري الخليجي في اجتماعه هذا الشهر الأفكار الأوروبية بشأنها.

تلكؤات أوروبية

تمثل التلكؤ الأوروبي في طرح قضايا جديدة أثناء كل اجتماع. فبعد بدء المفاوضات مباشرة طلب المفاوض الأوروبي قبل المضي قدماً ضرورة اتفاق دول المجلس على اتحاد جمركي (أي توحيد تعريفاتها الجمركية تجاه العالم الخارجي).

ثم اشترط بعد ذلك وضع نص في مقدمة الاتفاقية يعالج قضايا حقوق الإنسان بما في ذلك المرأة، ثم أصر لاحقاً على ضرورة تضمين الخدمات بما في ذلك الاستثمار، ثم طلب تغطية العقود والمشتريات الحكومية، ثم اشترط وضع نص يتناول أسلحة الدمار الشامل.

ثم طلب الإشارة إلى موضوع الهجرة رغم عدم وجود أية مشكلة بين المجموعتين حول هذا الجانب، تم طلب التوسع في الفقرة الخاصة بحقوق الإنسان لتشمل العمال الأجانب، ثم رفض طلب دول المجلس فيما يخص تقييد أو وضع رسوم مؤقتة على الصادرات إذا حدثت ظروف تستدعي ذلك، وهو المبدأ الذي سبق أن أقرته منظمة التجارة العالمية (WTO).

وفي الاجتماعات الأخيرة أصر المفاوض الأوروبي على وضع نص في الاتفاقية يسمح للاتحاد الأوروبي بإيقاف العمل بالاتفاقية إذا شعر أن أيا من القضايا غير التجارية الواردة في الاتفاقية (حقوق الإنسان، الهجرة، أسلحة الدمار الشامل... الخ) لم يتم الالتزام بها من قبل دول المجلس. علماً بأن جهاز المفوضية الأوروبية غير مخول بالتفاوض حول بعض هذه القضايا. ويبدو أن قائمة المطالب الأوروبية لن تتوقف وكأن الأوروبيين محرجون من هذه المفاوضات.

المشروع لا يلبي الطموحات

تولي دول المجلس ولأسباب معروفة أهمية قصوى لعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي بما في ذلك العلاقات الاقتصادية. لذا استجابت بسرعة للاقتراح الألماني بعقد اتفاقية للتعاون حين كانت ألمانيا ترأس الاتحاد الأوروبي في عام 1988. ولم تستغرق المفاوضات لوضع وإقرار تلك الاتفاقية أكثر من شهرين. كما اندفعت دول المجلس بكل حماس نحو التفاوض حول اتفاقية التجارة الحرة عندما طرحت الفكرة.

ولعدم وجود خبرة سابقة لدى دول المجلس لم يكن أمامها سوى التفاوض على أساس المسودة الأوروبية لا التي تختلف كثيراً عن تلك الاتفاقيات التي وقعها الاتحاد الأوروبي مع عدد من الدول النامية بما في ذلك الواقعة جنوب البحر الأبيض المتوسط.

وذلك رغم اختلاف الواقع الاقتصادي لدول المجلس واختلاف طبيعة العلاقة الاقتصادية بين المجموعتين. لذا كان دور المفاوض الخليجي هو دور المتلقي الذي يفترض أن ينحصر في إعطاء رأيه حول ما يطرحه الأوروبيون من قضايا ومن طلبات.

الخلاصة والتوصيات:

إن دول مجلس التعاون حريصة كل الحرص على تنمية وتقوية علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي في مختلف المجالات سواء على المستوى الثنائي أو الجماعي. وقد ساهمت اتفاقية التعاون بين الطرفين في إيجاد الآلية المناسبة لتبادل الآراء ومناقشة مختلف القضايا التي تهم الطرفين بشكل دوري. غير أن ما تم التفاوض بشأنه كصيغة اتفاقية للتبادل التجاري الحر لا يرقى إلى طموحات المجموعتين ولا يلبي احتياجات دول المجلس.

كما يبدو أن الرأي العام في مجلس التعاون بما في ذلك قطاع الأعمال غير مهتم بهذه المفاوضات لأنه لا يتوقع منها الكثير. والجانب الأوروبي هو الآخر غير متحمس على المستوى الرسمي، كما عكس ذلك القضايا المتتالية ومنها السياسية، التي يطرحها المفاوض الأوروبي، ولا على المستوى الشعبي، كما أظهر ذلك قرار البرلمان الأوروبي.

وحتى لو تم الاتفاق على بقية القضايا العالقة فإن قيمتها العملية وتأثيرها الإيجابي على العلاقات الاقتصادية بين المجموعتين ستكون محدودة. والسبب في ذلك أن المبادئ التي اتفق عليها في مجال التجارة والاستثمار وحقوق الملكية الفكرية والمشتريات الحكومية لا تختلف كثيراً عن تلك المبادئ التي سبق الاتفاق عليها في إطار منظمة التجارة العالمية (WTO).

فهي لن تحل مشكلة العجز المزمن في الميزان التجاري لدول المجلس مع الاتحاد الأوروبي ولن تؤدي إلى تحويل صادرات دول المجلس إلى أوروبا ولا إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأوروبية لدول المجلس. وإذا كانت لدى دول المجلس رغبة في تحسين وضعها التفاوضي حول هذه القضايا فإن الأجدى أن يتم ذلك في إطار منظمة التجارة العالمية (WTO).

وستجد هناك حلفاء جددا يساندونها في مطالبها. لذا فإن المطلوب إيقاف التفاوض حول مشروع اتفاقية التبادل الحر والشروع في المناقشات الجادة حول القضايا التي تلامس الحياة اليومية للمواطن ورجل الأعمال من المنطقتين وتسهم في جذب المزيد من الاستثمارات الأوروبية في دول المجلس وتعديل الميزان التجاري.

البرلمان على الخط

أصدر البرلمان الأوروبي بتاريخ 24 أبريل 2008 قراراً يتعلق بالمفاوضات التجارية بين مجلس التعاون والمفوضية الأوروبية فيما يلي ملخصاً بأهم النقاط الواردة بهذا القرار:

أ- ضرورة اشتمال الاتفاقية التجارية على نصوص فعالة حول حقوق الإنسان والمعايير الاجتماعية والبيئية المقبولة، واعتبار مخالفة مبادئ حقوق الإنسان من ضمن الأسباب المؤدية لإيقاف العمل بالاتفاقية التجارية كما يجب أن يكون عدم تنفيذ أي من الطرفين لأحد بنودها خاضعاً لآلية فض المنازعات (أي يمكن لأحد الطرفين إيقاف العمل بالاتفاقية إذا شعر أن الطرف الآخر لا ينفذ جزءاً مما ورد فيها).

ب- الاهتمام بالوصول إلى مصادر الطاقة.

ج- ضرورة وضع نص يعالج قضية الدعم الحكومي أو أية امتيازات تتضمن الحصول على المواد الخام بأسعار أقل من الأسعار العالمية، بما في ذلك ضرورة وضع آلية تضمن قيام منتجي البتروكيماويات في مجلس التعاون بالحصول على المواد الخام وفقاً للأسعار العالمية.

كما يجب إلغاء دعم الصادرات. (ولم يشر قرار المشرع الأوروبي إلى البرنامج الأوروبي السخي لدعم المنتجات الزراعية الأوروبية الذي قد يصل إلى سبعة أضعاف التكلفة الحقيقية لهذه المنتجات الزراعية الأوروبية التي يصدر بعضها إلى دول مجلس التعاون).

د- إعطاء المزيد من الامتيازات للاستثمارات الأوروبية في مجلس التعاون بما في ذلك تمكين المستثمر الأوروبي من تملك كامل المشروع الاستثماري.

ه- تحرير كل من قطاعي الخدمات والمشتريات والعقود الحكومية.