قالت مجلة الإكونومست في تقرير لها بعنوان« الاقتصاد والمياه، جفاف المصادر»، إن أسعار النفط تراجعت من ذروتها الأخيرة، لكن المخاوف من وفرة المياه العذبة لا يبدو أنها سائرة نحو التبدد. وفي هذا السياق قدر جولدمان ساكس، بنك الاستثمار الأميركي، أن استهلاك المياه العالمي يتضاعف كل عشرين عاما، معتبرا إياه «معدل نمو لا قبل لنا بتحمله».

فالماء على العكس من النفط لا يمكن الاستعاضة عنه ببديل آخر، والتغير المناخي يغير مناحي وفرة المياه العذبة بطرق معقدة قد تؤدي إلى انتشار حالات جفاف أكثر حدة واتساعا. ومن جانب آخر فإن عمليات التصنيع العشوائية، خصوصا في البلدان الفقيرة، أدت إلى تلوث الأنهار والطبقات الصخرية المائية. ناهيك أن المساعدات السخية التي تقدمها أميركا للوقود الحيوي، زادت من رقعة المحاصيل المروية، التي تستخدم الآن في مجالي الطاقة والغذاء. كما أن الدعم القوي للماء في معظم أنحاء العالم، أدى إلى رخص ثمنه وبالتالي إهداره فيما لا ينفع الناس. وهذا يلحق أولا وقبل كل شيء، الضرر بخير البشرية.

كما أنه يشكل مشكلة للصناعة «فالماء بالنسبة للاقتصاد، ليست مسألة استنسابية» كما قالت دومنيك ووج هاري، من المنتدى الاقتصادي العالمي التي أضافت «إن الصناعة والاقتصاد العالميين سوف يتعثران بدونه». وكان المندوبون في المؤتمر السنوي لأسبوع المياه العالمي الذي انعقد في ستوكهولم الشهر الماضي ركزوا على الإجراءات الواجب اتخاذها لتوفير المياه النقية ووسائل النظافة إلى فقراء العالم.

والماء حاله كحال النفط، عصب الاقتصاد العالمي، بل هو أكثر من ذلك حيث اعتبره أحد الاقتصاديين في داو، شركة المواد الكيماوية، نفط القرن الحادي والعشرين. وعلى غرار النفط، فإن موارد المياه، النقية منها على الأقل، وسهلة المنال، باتت تعاني من شح وندرة، بسبب التزايد الهائل في عدد السكان على مستوى العالم، وظهور طبقة متوسطة في آسيا تتطلع في توق إلى حياة محورها الماء، ينعم بها الناس في الغرب.

والماء عنصر حيوي لكثير من المنتجات التي تغطي أرفف المحال التجارية. ففي تقدير بنك جي بي مورجان،أن خمسا من شركات المواد الغذائية والمشروبات العملاقة، وهي نستله ويونيلفر وكوكا كولا وأنهايزر- بوش ودانون، تستهلك قرابة 575 مليار لتر من المياه سنويا، مما يكفي لسد الاحتياجات اليومية من المياه لكل شخص على وجه البسيطة.

وبالرغم من أن الزراعة تستخدم معظم الموارد المائية، فأن كثيرا من المنتجات الأخرى والخدمات تعتمد عليها، فعلى سبيل المثال إن تصنيع رقاقة شبه موصلة سماكتها 200مم، تتطلب 13 مترا مكعبا من الماء العذب.

ويشكل تصنيع الرقاقات 25 في المئة من استهلاك الماء في سليكون فالي. كما أن إنتاج الطاقة يعتمد على استهلاك الماء، حيث يتم استخدام 40 في المئة من المياه المسحوبة سنويا من البحيرات والطبقات المائية الصخرية في تبريد مصانع الطاقة.

كما أن فصل لتر واحد من النفط عن الرمال القطرانية، يتطلب خمسة لترات من الماء. وأكدت إكونومست على أن نقاوة المياه تتساوى في الأهمية مع غزارتها. مستشهدة بذلك بقول البنك الدولي إن قرابة 90 في المئة من الأنهر في الصين القريبة من المناطق الحضرية، ملوثة إلى حد كبير.

وتقدر الكلفة الإجمالية لندرة المياه، سواء نتيجة التلوث أو جفاف المياه الجوفية، بنحو 147 مليار يوان، أو 4,21 مليار دولار سنويا، أو ما يوازي 1 في المئة من الناتج السنوي للصين. وفي عام 2007، كلفت نفقات المياه التي تمتاز بنوعية رديئة الصين زهاء 12 مليار دولار خسائر في الناتج الصناعي وحده.

وفي مناطق أخرى من العالم، حظرت مدينة تايبه في تايوان على الشركات استخراج المياه الجوفية، بسبب ندرتها. كما عاشت الشركات في مناطق استراليا المنكوبة بالجفاف، تحت وطأة قيود مائية صارمة، فيما أغلقت ساذرن كومباني، شركة توليد الكهرباء في أتلانتا، بصورة مؤقتة بعضا من مصانع الطاقة الصيف الماضي بسبب الجفاف.

ووفقا لدراسة مسحية قام بها مركز مارش لاستبصار المخاطر، قالت40 في المئة من شركات فورتشن 1000، إن تأثير نقص المياه على أعمالها التجارية سيكون «حاداً» أو «كارثيا»، في حين قالت 17 في المئة إنها أعدت العدة لمثل تلك الأزمات. لكن بعض الشركات لم تقف مكتوفة الأيدي. فمنذ عام 1995 قلصت شركة داو، كمية المياه التي تستخدمها في كل طن من الإنتاج بمقدار الثلث.

في حين خفضت نستله استهلاكها للماء بنسبة 29 في المئة بين عامي 1997 و2006، بالرغم من مضاعفة إنتاجها من المواد المصنعة. وفي مصانع التعبئة التابعة لكوكا كولا، الممتدة من بوغوتا إلى بكين، تقف جماعات من السمك التي تسبح في خزانات المياه الممتلئة بفضلات المياه المعالجة شاهدا على التزام الشركة بمعالجة فضلات مياهها العادمة بحلول عام 2010. وبالفعل فإنها قطعت شوطا كبيرا في هذا الصدد.

ويرى بعض الساخرين أن مثل تلك البرامج هي ضرب من الاستهلاك المحلي، وعلاقات عامة محضة . وهو أمر يحمل في طياته شيئا من الصحة، فالشركات التي تستخدم المياه العذبة في مناطق تشتهر بندرتها، كثيرا ما ينظر إليها بعين ساخطة يمكن فهمها وتبريرها. وكانت كل من كوكا كولا وبيبسي تعرضتا لانتقادات لاذعة من قبل نشطاء بزعم استنزافهما للمياه الجوفية في الهند لتصنيع المشروبات المعلبة.

مما حدا بكوكا كولا إلى رفع الأمر إلى القضاء، حيث تمت تبرئتها من قبل لجنة مستقلة، عزت سبب نقص المياه إلى الجفاف الذي ساد المنطقة، غير أن ذلك لم يجد قبولا عند النشطاء، الأمر الذي دفع كوكا كولا إلى مضاعفة اهتمامها بالماء، بدعمها، على سبيل المثال، برنامجا في كالاديرا لتعليم القرويين كيفية جمع مياه الأمطار وري محاصيلهم بصورة أكثر فاعلية. وفي سياق ذلك قال جيف سيبرايت، من كوكا كولا، «إن التراخيص الرسمية للمياه غير كافية، فالمطلوب هو رخصة اجتماعية من المجتمع للعمل».

تقليص استهلاك المياه منطق تجاري

إن تقليص استهلاك الماء يحمل في طياته منطقا تجاريا معقولا. فاستخدام كميات أقل من الماء يخفض كلفة الاستحواذ على المياه، ومعالجتها، وعلى تنقية المياه العادمة. لكن بعض الشركات لا تجد أمامها خيارا آخر. فشركة إيليون كيميكال في الصين تعمل مع جنرال الكتريك، في إعادة تدوير 90 في المئة من المياه العادمة للتوافق مع لوائح بكين الجديدة الصارمة بعدم التخلص من السوائل، والتي تحظر على الشركات رمي مخلفاتها من المياه العادمة في البيئة.

ومما هو جدير بالذكر أن 49 مصنعا من مصانع نستله المنتشرة في أنحاء، العالم وعددها 481 توجد في مناطق تعاني من ندرة شديدة في المياه، بحيث لا تجد أمامها خياراً سوى تخزين المياه وإعادة استخدامها. لكن وللأسف فإن تلك الرؤية البعيدة هي مجرد قطرة في بحر.

ففي مواسم الجفاف فإن أفضل الشركات استغلالا للمياه، يمكن أن تقع في المشاكل. والأدهى من ذلك، أن المياه المستخدمة داخل جدران المصانع، لا تشكل غالبا سوى نزر يسير من اعتماد الشركة على الماء.

وفي الإطار ذاته لفت خوزيه لوبيز رئيس العمليات في نستله، أن تصنيع لتر واحد من المنتج في مصانع نستله، يستهلك أربعة لترات من الماء، لكن زراعة المنتج الزراعي الذي يدخل في تركيبته، يتطلب 3000 لتر من الماء. وقد تكون هذه اللترات الثلاثة آلاف بعيدا عن متناوله، لكنها تشكل جزءا من صناعته.

ترجمة وائل الخطيب