يرى عبدالرحيم حسن نقي - الأمين العام لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي أن تطبيق معايير الحوكمة يتقدم بسرعة في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث اظهر مسح أجراه معهد الحوكمة التابع لمركز دبي المالي العالمي بالتعاون مع معهد التمويل الدولي أن شركات دول مجلس التعاون الخليجي تطبق 50 % من المعايير الدولية المتعلقة بحوكمة الشركات، متوقعا أن ترتفع هذه النسبة إلى 85 % خلال السنوات الثلاث المقبلة في حال بدأت دول الخليج إقرار قوانين حوكمة شركاتها.
ويشير عبدالرحيم نقي إلى وجود تحسن واضح في معايير حوكمة الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنه أوضح أن الحاجة لا تزال قائمة إلى المزيد من التحسينات. مضيفا بأنه إذا ما أرادت السلطات المعنية في دول الخليج الارتقاء بهذه المعايير إلى مستويات عالمية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتعزيز كفاءة الأسواق، فإنه يتعين عليها الحزم في تطبيق القوانين في هذا المجال بكل جدية. ويثق نقي في وجود الإرادة السياسية لتحقيق ذلك وتوقع المزيد من التطور في السنوات المقبلة. وأضاف قائلا: يجب أن نتذكر هنا أن الاقتصاد الخليجي في أغلبه الأعم وإذا ما استثنينا قطاع النفط وكل ما يتعلق به من صناعات هو اقتصاد عائلي، بمعنى سيطرة الشركات العائلية بأكثر من نسبة 85% على الأنشطة الاقتصادية في دول المجلس.
من جهة أخرى، تظهر المسوحات أن عمر الشركات العائلية يعتبر قصيراً نسبياً إذا ما قورن بعمر مثيلاتها في دول منظمة التعاون والإنماء الاقتصادي «الأوسيد» والذي يراوح بين 30 و35 عاماً. لذلك، فإن إدخال مبادئ الحوكمة ومعاييرها سيساعد على انتقال الثروة العائلية للأجيال المقبلة وتوزيعها على أعضاء العائلة بشكل يسهم في بقاء الشركة لا فنائها.
ويضيف قائلاً نحن نلاحظ بالفعل أن هناك توجهاً لدى الكثير من الشركات العائلية لطرح أسهمها للاكتتاب العام والإدراج في البورصات بهدف مساعدتها على التوسع والدخول إلى أسواق جديدة وهذا لن يتحقق قبل تطبيقها مبادئ الحوكمة الجيدة على الرغم من أنه ليس ضروريا طرح الشركات العائلية للاكتتاب العام، بل الهدف هو تأمين استمراريتها.
أن الحوكمة تسمح للشركة العائلية بإدخال مساهمين من غير أعضاء العائلة عن طريق قواعد الشفافية التي تعطي بيانات كافية للمساهمين الجدد الذين سيضخون موارد مالية جديدة تمكن الشركة من التوسع وتخفيف المخاطر المالية إضافة إلى أهمية إدخال أعضاء يمتلكون الخبرة الكافية من غير العائلة إلى عضوية مجلس الإدارة بهدف ضخ دماء جديدة للشركة.
تطبيق معايير الحوكمة
لكي يتم تطبيق معايير الحوكمة بشكل أسرع كما يرى عبدالرحيم نقي فإن المطلوب هو وضع بنية تشريعية ورقابية متكاملة خاصة بالحوكمة تأخذ صفة الإلزام وليس الاختيار على حد وصفه، وخاصة في أسواق المال، وزيادة فعالية المشرعين من خلال ضمان الاستقلالية التامة لهم. وطرح مدونات وكتيبات تشرح حوكمة الشركات والتشريعات المتعلقة في هذا المجال.
أيضا من المهم بناء قدرات مؤسساتية ورقابة قوية على الآليات المعتمدة للتأكد من سلامة التطبيق على أرض الواقع. وتقوية البنية التحتية لحوكمة الشركات عبر تطوير القوانين وتأسيس نيابات قضائية مختصة للبت في القضايا المالية. وعلى أن يتزامن مع ذلك تسويق برامج تدريبية لمديري الشركات المدرجة وبرامج تثقيفية للمستثمر والتوعية بأهمية مبادئ حوكمة الشركات وتطبيقها.
كذلك إدخال أفضل معايير الحوكمة في الشركات الحكومية والشركات العائلية. وأخيرا، وهذا أيضا هو احد أهدافنا كاتحاد للغرف الخليجية هو السعي لخلق مستوى خليجي لمعايير حوكمة الشركات، بهدف الحصول على وحدة وتناغم في التشريعات وأطر التطبيق على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي.
ممارسة الشركات المتعددة الجنسيات في اقتصاديات الحوكمة
ساهم انفتاح الأسواق وتحرير الاقتصاديات الخليجية علاوة على الانضمام لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية جميعها وبقوة في تسريع خطى الحوكمة في دول مجلس التعاون الخليجي. لذلك، لا غرابة أن نلاحظ أن أكثر المؤسسات تطبيقا لمعايير الحوكمة هي المؤسسات المالية وخاصة البنوك نظرا لارتباطها المباشر بالأسواق العالمية.
ومواكبتها المعايير العالمية في الممارسات المصرفية الخاصة بمتطلبات بازل1 وبازل2، حيث قامت المصارف المركزية في دول مجلس التعاون الست بتعديل أنظمتها لتتضمن متطلبات حوكمة الشركات، مثل تحقيق الشفافية والإفصاح في البيانات المالية، وإجراء تدقيق على مستوى مجلس الإدارة وتعيين أعضاء مجلس إدارة مستقلين، وتشكيل لجان التعيينات، والتعويضات، وتعزيز إدارة المخاطر.
كما أسهم فتح أسواق المال الخليجية أمام الاستثمارات الأجنبية في تعزيز معايير الحوكمة داخل الشركات المدرجة في أسواق دول مجلس التعاون نتيجة لارتفاع سقف التوقعات من هؤلاء المستثمرين. وقد تم وضع مسودة قوانين لحوكمة الشركات وتطبيقها من قبل سلطات أسواق المال في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث بدأت بورصة مسقط بتطبيق هذه القوانين في عام 2002 وتبعتها أسواق الإمارات والبحرين والسعودية وقطر والكويت خلال العوام 2006 و2007.
كذلك أسهم النشاط المتزايد للشركات الخليجية في الأسواق العالمية في تحسين معايير القطاع الخاص وفقاً لأفضل الممارسات العالمية. فقد أنجزت الشركات الخليجية عمليات استحواذ بقيمة 9. 25 مليار دولار في المملكة المتحدة وأوروبا وأميركا الشمالية خلال العام 2007. ومن المتوقع لهذا التوجه أن يستمر مع مواصلة القطاع الخاص في دول مجلس التعاون الخليجي التوسع من خلال الاستحواذ على أصول أجنبية.
أهمية الحوكمة في الديمقراطيات الناشئة
منذ عام 1997، ومع انفجار الأزمة المالية الآسيوية، أخذ العالم ينظر نظرة جديدة إلى حوكمة الشركات. والأزمة المالية المشار إليها، قد يمكن وصفها بأنها كانت أزمة ثقة في المؤسسات والتشريعات التي تنظم نشاط الأعمال والعلاقات فيما بين منشآت الأعمال والحكومة.
وقد كانت المشاكل العديدة التي برزت إلى المقدمة في أثناء الأزمة تتضمن عمليات ومعاملات الموظفين الداخليين والأقارب والأصدقاء بين منشآت الأعمال وبين الحكومة، وحصول الشركات على مبالغ هائلة من الديون قصيرة الأجل في نفس الوقت الذي حرصت فيه على عدم معرفة المساهمين بهذه الأمور وإخفاء هذه الديون من خلال طرق ونظم محاسبية «مبتكرة»، وما إلى ذلك.
كما أن الأحداث خلال السنوات الماضية ابتداء بفضيحة شركة إنرون ََُْ وما تلي ذلك من سلسلة اكتشافات تلاعب الشركات في قوائمها المالية، أظهر بوضوح أهمية حوكمة الشركات حتى في الدول التي كان من المعتاد اعتبارها أسواقا مالية «قريبة من الكمال».
ويرى عبدالرحيم نقي أن حوكمة الشركات اكتسبت أهمية أكبر بالنسبة للديمقراطيات الناشئة نظرا لضعف النظام القانوني الذي لا يمكن معه إجراء تنفيذ العقود وحل المنازعات بطريقة فعالة. كما أن ضعف نوعية المعلومات تؤدي إلى حسب قوله إلى منع الإشراف والرقابة وتعمل على انتشار الفساد وانعدام الثقة.
ويؤدي اتباع المبادئ السليمة لحوكمة الشركات إلى خلق الاحتياطات اللازمة ضد الفساد وسوء الإدارة، مع تشجيع الشفافية في الحياة الاقتصادية ومكافحة مقاومة المؤسسات للإصلاح. وقد أدت الأزمة المالية بكثير منا إلى اتخاذ نظرة جديدة عن كيفية استخدام حوكمة الشركات الجيدة لمنع الأزمات المالية القادمة.
ويرجع هذا إلى أن حوكمة الشركات ليست مجرد شيء أخلاقي جيد نقوم بعملة فقط، بل إن حوكمة الشركات مفيدة لمنشآت الأعمال، ومن ثم فإن الشركات لا ينبغي أن تنتظر حتى تفرض عليها الحكومات معايير معينة لحوكمة الشركات إلا بقدر ما يمكن لهذه الشركات أن تنتظر حتى تفرض عليها الحكومات أساليب الإدارة الجيدة التي ينبغي عليها اتباعها في عملها.
إن حوكمة الشركات في الديمقراطيات الناشئة تعتمد في نهاية المطاف على التعاون بين القطاعين العام والخاص لخلق نظام لسوق تنافسية في مجتمع ديمقراطي يقوم على أساس القانون. وتتناول حوكمة الشركات موضوع تحديث العالم العربي عن طريق النظر في الهياكل الاقتصادية وهياكل الأعمال التي تعزز القدرة التنافسية للقطاع الخاص وتشجي تشريعات وبيئة توزيع الثروة والمسائلة والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات التشريعية السياسية والاقتصادية وبناء القدرات ومحاربة الاحتكار وتعلية سلطة القانون وغيره.
نماذج رائدة في تطبيق الحوكمة
إن حوكمة الشركات هي مجموعة من المعايير الأخلاقية والمهنية تتعلق بصفة أساسية بالعلاقة بين الشركة وأصحابها أي مجموعة القواعد والحوافز التي تراقب وتوجه الإدارة إلى تعظيم الربحية وقيمة الشركات في الأجل الطويل بالنسبة للمساهمين. وتزداد أهمية حوكمة الشركات عندما زادت استثمارات القطاع الخاص وانفصال الملكية عن الإدارة.
وقد أصبحت المعايير طبقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تدور حول الطريقة التي يمكن بها حماية حقوق صغار المساهمين من السلوك الجزافي للإدارة وحول الطريقة التي يمكن بها ضمان الرقابة على الإدارة. ففي كل منشأة هناك جانبان الإدارة والمساهمون. وكانت الهوة تتسع بينهما. لذلك كانت القضية هي كيفية حماية حقوق المساهمين مع جعل الإدارة قابلة للمحاسبة عن المسؤولية.
وإذا اتفقنا أن الحوكمة الجيدة مطلوبة وأننا لا يمكن أن نطبقها إلا من خلال مجموعة قواعد، فإننا يجب أن نكون على اتصال بالتجارب التي نجحت في ممارسة الحوكمة بشكل جيد، وان نشجع الشركات والمؤسسات في دول المنطقة التي تسعى لتجعل من نفسها نماذج جيدة لتطبيق الحوكمة.
ومما يسعدنا أن نرى أن هناك العديد من المعاهد والمؤسسات مثل معهد الحوكمة في دبي الذي راح يشجع الشركات والمؤسسات على بناء نماذج ناجحة للحوكمة، ويقدم المشورة لها في تحقيق هذا الهدف.
منافع الحوكمة الجيدة
حوكمة الشركات الجيدة، في شكل الإفصاح عن المعلومات المالية، يمكن أن يعمل على تخفيض تكلفة رأس مال المنشأة. وتساعد الحوكمة الجيدة على جذب الاستثمارات سواء الأجنبية أم المحلية، ويحد من هروب رؤوس الأموال، ومكافحة الفساد الذي يدرك كل فرد الآن مدى ما يمثله من إعاقة للنمو. وما لم يتمكن المستثمرون من الحصول على ما يضمن لهم عائدا على استثماراتهم، فإن التمويل لن يتدفق إلى المنشآت.
ودون التدفقات المالية لن يمكن تحقيق الإمكانات الكاملة لنمو المنشأة. وإحدى الفوائد الكبرى التي تنشأ من تحسين حوكمة الشركات هي ازدياد إتاحة التمويل وإمكانية الحصول على مصادر أرخص للتمويل وهو ما يزيد من أهمية الحوكمة بشكل خاص بالنسبة للدول النامية.
تحسن وفروقات في التطبيق
يرى نقي بأن العديد من أسواق المال في دول المنطقة نجحت في قطع شوط بعيد في تطبيق معايير الحوكمة من حيث الشفافية والإفصاح ومنع التداول الداخلي وغيره. وأضاف بأن مسح أجراه معهد الحوكمة التابع لمركز دبي المالي العالمي قد خلص إلى أنه وعلى الرغم من أن كافة الشركات والأسواق في دول المجلس سجلت تحسنا ملحوظا في معايير حوكمة.
إلا أنه رصد فروقات بين كل دولة خليجية وأخرى، إذ جاءت سلطنة عُمان في مقدمة الدول الخليجية الأفضل في تطبيق معايير الحوكمة ونفذت 70 % منها على خلفية إصدارها في 2002 قانونا يخص حوكمة الشركات، كما أنشأت هيئة مستقلة لرقابة أسواق المال، وقامت بتخصيص بورصة مسقط للأوراق المالية.

