تعود جذور أزمة نقص العمالة في صناعة النفط والغاز إلى فترة انهيار أسعار النفط في الثمانينات والتي أدت إلى نزوح عشرات وربما مئات الألوف من صناعة النفط العالمية، وتباطؤ وتيرة التوظيف في القطاع النفطي، وتحول اهتمام الطلبة والخريجين بعيدا عن الصناعة النفطية، إلى مجالات دراسية أخرى.
وألقت كوارث ككارثة التسرب النفطي من ناقلة النفط التابعة لشركة إيكسون موبيل قبالة السواحل الكندية بظلال قاتمة على صورة الصناعة، وهو ما قلل جاذبية دراسة العلوم النفطية،وأختار العديد من طلبة الهندسة في حقبة التسعينات العمل في مجال تكنولوجيا المعلومات المرتبطة بالصناعة النفطية حتى انفجار فقاعة التكنولوجيا.
ويشير هنا زينول رحيم رئيس مجلس إدارة شركات شل في مصر إلى أن هناك عوامل أخرى ساهمت في تراجع أعداد المهندسين في القطاع النفطي كتلك الخاصة بحركة الاندماجات بين الشركات والمرونة الزائدة لسوق العمل، وهو ما ساهم في جعل أعداد كبيرة من الناس تغادر الصناعة للعمل في مجالات أفضل بالنسبة لهم.
وفي الولايات المتحدة وأوروبا اللتين تعتبران مصدرا تقليديا للشطر الأكبر من المهندسين، سادت حالة التشدد سوق توظيف العمالة، وتراجع عدد الدارسين لعلوم الطاقة، وتفاقمت حدة المشكلة، بفعل نقص أعداد الدارسين للحقول المعرفية المرتبطة بالنفط في الجامعات الأوروبية والأميركية،. ومع تراجع أعداد الملتحقين بالفصول الدراسية المتعلقة بالعلوم النفطية والطاقة.
وتراوح متوسط الأعمار لدى العاملين في النفط بين 45 و55 عاما، أصبحت الصناعة تواجه معضلة حقيقية، حيث أن الكثير من المهندسين ذوي الكفاءات الخاصة سيتقاعدون خلال السنوات العشر المقبلة.
في الوقت الذي سيستغرق فيه الأمر وقتا طويلا لإعداد دارسين وخريجين جدد يحلون محل المتقاعدين،ونتيجة لذلك، ستواجه الصناعة معضلة اتساع الفجوة بين الطلب والعرض فيما يتعلق بالمهندسين ذوي الخبرات والمهارات في هذا المجال.
وقد استدارت شركات عديدة إلى الأقاليم الأخرى طلبا للمساعدة، نظرا لعدم قدرة هذه الشركات على العثور على المهندسين الأكفاء، ولهذا تتحرك نحو توظيف أعداد متزايدة من رومانيا واليونان والفلبين وباكستان وأندونيسيا والهند. وهو ما يخالف ما كان عليه الوضع في الماضي، حيث كانت الشركات تفضل توظيف من يحملون جنسيتها.
ولكن سوق العمل يمر بتغييرات كبيرة، وتفرخ دول الشرق الآسيوي وتقودها الهند والصين مئات الألوف من المهندسين كل عام بما في ذلك المجالات المرتبطة بالنفط، وقد برزت الهند على وجه الخصوص خلال السنوات الأخيرة كمقصد رئيسي لشركات المقاولين الدوليين الباحثة عن عاملين ومهندسين، نظرا لوجود أعداد ضخمة منهم في الهند.
ومن المتوقع - حسبما قال ديليب شيفد المدير التنفيذي لتطوير الأعمال الدولية في شركة «توربو آند لارسين» الهندية أن ينمو الطلب على المهندسين الهنود بشكل ضخم، حيث يتصاعد الطلب عليهم لتوظيفهم في أطقم إدارة المشروعات.
وخلال هذا العام، أفرخت الهند 200 ألف مهندس وألتحق 450 ألف طالب جديد إلى كليات الهندسة، ولكن ديليب شيفد يتنبأ أن الهند سوف تواجه نقصا في أعداد المهندسين مع نزوح أعداد ضخمة منهم إلى دول الخليج المزدهرة، مدفوعين بالحوافز التي يحصلون عليها.
برامج : تساؤلات حول جودة التعليم
تثار تساؤلات حيوية بشأن جودة التعليم الذي يتلقاه دارسو العلوم النفطية في الأسواق الجديدة، وقال مسؤول في شركة «أي تي بي» ان الصين أفرخت حوالي 600 ألف مهندس خلال هذا العام، ولكن هناك تساؤلات تتعلق بالجودة، ففي المملكة المتحدة تستغرق البرامج الدراسية 4 سنوات ولكن في الصين تستغرق حوالي ربع البرامج الدراسية مدة عامين.
ولا يساور عبد الله جمعة رئيس شركة أرامكو السعودية أدني شك بأن توافر المهندسين ذوي الكفاءة العالية يعتبر قضية حيوية ورئيسية ومع ذلك، سيكون من المتعين على الجيل القادم تناول مسائل على درجة عالية من التعقيد، وقال جمعة في منتدى للهندسة عقد في مدينة طهران في أواخر شهر مايو الماضي ان المشروعات أصبحت أكبر وأكثر تعقيدا .
وتنطوي على مخاطر أكبر وهو ما يؤثر على المشروع ككل وينبغي على المهندسين في المستقبل أن يكونوا قادرين على الجمع بين الممارسة العملية والتعليم في مجال الهندسة. وهكذا لن تجد الكثير من طلبات توظيف مهندسين في مجال صناعات الطاقة من يرد عليها خلال السنوات المقبلة، وذلك إلى حين النهوض بنظم التعليم لمواجهة تحدي أزمة نقص العمالة الماهرة في صناعات الطاقة.
