تدفقت الكثير من الدماء في شرايين الاقتصاد الإماراتي ليكتسب المزيد من المناعة والصلابة في مواجهة تقلبات أسواق النفط، وأظهر التراجع الحالي في أسعار النفط حصافة وحكمة انتهاج الدولة استراتيجية محكومة برؤى وأفكار سديدة تتعامل مع الحاضر بكافة تفاصيله وتعرجاته وتخاطب المستقبل بما ينطوي عليه من تحديات.

وتعكس التلاحم الحاصل بين السياسات النفطية والنقدية والاقتصادية لتعظيم الاستفادة من المزايا التنافسية التي تتمتع بها الدولة لتكون المقصد الأفضل على مستوى المنطقة للاستثمارات الأجنبية بحكم تميزها ببيئة اقتصادية وسياسية مستقرة وتكاليف إنتاج منخفضة وموقع استراتيجي مهم بين الأسواق الرئيسية، وتكون كذلك مركزا لأداء الأعمال والتجارة غير ممكن مجاراته ومضارعته إقليميا، وتكون أيضا مركزا للصناعات الثقيلة والتي بدأت تنتقل من العالم المتقدم في اتجاه مراكز الإنتاج الأقل تكلفة.

وتجلت معالم هذه الرؤى في تأكيد سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي على أن التقلب في أسعار النفط لن ينطوي على تأثيرات سلبية قصيرة الأجل على الميزانية الاتحادية وتأكيد سمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي رئيس المؤسسة العليا للمناطق الاقتصادية أن الدولة توظف مواردها من الطاقة لتنويع اقتصادها باتجاه الصناعات الثقيلة. وتظهر هذه الرؤى أن الأهداف الموضوعة لاستراتيجية التنويع الاقتصادي ليست مجرد عناوين عريضة لسياسات، وإنما يجري التحرك الفعلي لتطبيقها من خلال سلك مسارات متعددة في وقت واحد سواء على صعيد الارتقاء بالأبنية التشريعية والمؤسسات، فضلاً عن وضع برامج تطول كل مناحي الحياة، وذلك بجداول عمل تنفيذية محددة.

جني المكاسب

فرغم صدور هذه التأكيدات منذ عامين مضيا تقريباً، إلا أنه بدا جلياً للعيان أن الإمارات صارت الآن في موقع يتيح لها قطف ثمار نجاحها في إرساء اقتصاد قائم على التنويع الاقتصادي وتعظيم الاستفادة على نحو كفؤ وفعال من كل المزايا التنافسية التي تمتلكها وتتمتع بها، بحيث أضحى النفط مورداً للدخل يضاف إلى موارد أخرى عديدة ومتنوعة.

وبالعودة قليلا إلى الوراء، وتصفح نسخة كتاب «دبي الصاعدة 2006» والذي أعدته مجموعة أكسفورد للأعمال، وردت مقابلة صحافية تفضل بها سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، تضمنت تحليلاً للأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، واشتملت على تنويه سموه إلى أن قانون الميزانية سيضمن أن لا يكون للتقلبات في أسعار النفط وتأثيرات قصيرة الأجل على الميزانية الاتحادية.

وأضاف سموه: لقد تمكنا في عام 2006 من تحقيق موازنة متوازنة على الرغم من الزيادات الضخمة في أسعار النفط في العام الماضي، ونحن لن نسمح بالتقلبات في أسعار النفط أن تقود ميزانيتنا وسياستنا المالية.

وفي مقابلة أخرى منفصلة مع «أو جي أن أون لاين» تفضل بها سمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي رئيس المؤسسة العليا للمناطق الاقتصادية أكد فيها أن الدولة تمضي قدماً في تعظيم استفادتها من موارد الطاقة التي تملكها لكي تعزز مسعاها للتنويع الاقتصادي بعيدا عن النفط عبر الاتجاه إلى الصناعات الثقيلة.

وشرح سموه هذه النقطة بقوله: نحن مهتمون بتطوير الصناعات الثقيلة والصناعات المرتبطة بها مثل السيارات والبتروكيماويات، حيث يجري إغلاق هذه الصناعات في الولايات المتحدة وأوروبا بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج ولكن تحتاج الأسواق الدولية بوضوح هذه المنتجات.

واستدرك سموه قائلاً: يمكن للشرق الأوسط أن يلعب دورا أفضل في مثل هذه الصناعات بحكم موقعه المتوسط بين الأسواق العالمية وتمتعه بميزة انخفاض تكاليف الطاقة وانه يمكن من خلال دولة الإمارات التي تبلغ مساحتها 1000 كيلومتر الوصول إلى سوق يبلغ تعداد سكانه 5. 1 مليار نسمه سواء عبر الطرق البرية أو البحرية أو الجوية.

المزايا التنافسية

وتفضل سموه بشرح المزايا التنافسية التي تمتلكها الدولة قائلاً: لقد شكل التنويع الاقتصادي بعيداً عن النفط تحدياً على مدار عقود، ولكن في الوقت الحاضر، ترجح المزايا التي نملكها كفتنا حيث ان مزايانا الرئيسية المتعلقة بالطاقة ورأسمال سوف تمكنا من تعزيز تنافسيننا في مجال الصناعة وذلك مع إغلاق العديد من الصناعات في أوروبا وأميركا بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج.

ورأى سموه أنه لا توجد مخاطر ضخمة في مواصلة سياسة التوسع الصناعي السريع في الوقت الذي فيه تحذو دول أخرى نفس الحذو، وشرح هذه النقطة بقوله: نحن لا نرى أي مخاطر، إذ إن التوسع الصناعي في هذه المنطقة يجلب مصدرا بديلا لتوفير مواد خام أرخص للأسواق الدولية .

ونحن سوف نكون الملاذ لمثل هذه الصناعات الآيلة للإغلاق، وفي الواقع نحن سوف نخفق في القيام بدورنا إذا لم نقم بتوفير هذه المواد للأسواق الدولية بشكل تنافسي لأجل تلبية الطلب العالمي. ولاحظ سمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان أن الكثير من الصناعات في أوروبا والولايات المتحدة لم تعد تنافسية بسبب الضرائب المرتفعة والتكاليف العالية للعمالة.

إذ أن بريطانيا قد فقدت مؤخرا آخر المصنعين الرئيسيين للسيارات بسبب التكاليف العالية ولكن هذا ليس معناه أن صناعة السيارات ستختفي وتموت، بل ربما وببساطة شديدة تقصد مكانا آخر ونحن نريد جذب نفس هؤلاء المستثمرين الذين تأثروا بالمنافسة.

وخلص سموه إلى أنه في ظل توافر بيئة اقتصادية وسياسية مستقرة وتكاليف إنتاج منخفضة وموقع استراتيجي بين الأسواق الرئيسية، لا يوجد مقصد أفضل من الإمارات لجذب مثل هذه النوعية من الاستثمارات.

وأضاف سموه: أن هناك فرصا ضخمة ويتنافس كل شخص على جذب أقصى عدد ممكن من الصناعات المتنوعة والخدمات والاستثمارات، وتعتبر هذه المنافسة مسألة صحية، حيث أنها تحفز دول مجلس التعاون الخليجي على خلق اقتصاديات أفضل، وتشجعها على تقليل الإجراءات واللوائح التنظيمية لجذب المزيد من الأعمال.

وهو ما سوف يقود حتما إلى التنويع الاقتصادي، ونحن نؤمن بأن العولمة تعتبر نعمة كبيرة بالنسبة لنا وتتيح لنا فرصة كبيرة إذ انه كان من المعتاد من ناحية الجدوى إقامة المصانع في السوق ولكن الآن سوف يكون أكثر تنافسية اقامة المصنع في المكان الذي يمكن أن يتم فيه الإنتاج بتكلفة أقل حيث صارت هناك القليل من الحواجز التجارية وبالتالي لم يعد النفاذ إلى الأسواق يشكل مشكلة.

وزخرت الساحة الاقتصادية بالكثير من المؤشرات الدالة على أنه جرى ترجمة هذه الرؤى إلى واقع يسهل للقاصي والداني تلمس أبعاده وزواياه، وهو ما يسطر مرحلة مفصلية في مسار استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تنتهجها الدولة منذ عقود عديدة.

وهكذا ترتكز سياسة الدولة في مجال النفط والطاقة إلى ثوابت أساسية تقوم على تسخير الثروة النفطية في البلاد لتحقيق التنمية الشاملة في الدولة. وهو ما تحقق خلال السنوات الماضية وبرز بشكل واضح في النهضة الواسعة التي تحققت في الدولة في مختلف المجالات، حيث دل هذا الزخم القوي للنمو الاقتصادي على أن الدولة لا تدخر جهدا من أجل تحقيق الريادة في المشروعات التي تقوم بتنفيذها.

الاستثمارات الخارجية توفر صمام أمان

تسارعت وتيرة الاستثمارات الخارجية والتي توفر صمام أمان ضد التقلبات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، حيث تمكنت العديد من الشركات في الدولة من الاستحواذ على حصص في الشركات العالمية، كما نشطت هذه الشركات في أسواق السندات والعقارات، وبالتالي، تمتعت الإمارات بمركز أصول خارجي ضخم ومتنامي.

وفي قلب استراتيجية الاستثمار، نشط كل من مجلس أبوظبي للاستثمار وشركة مبادلة للتنمية وجهاز أبوظبي للاستثمار الذي يعتبر أكبر صندوق سيادي على مستوي العالم بإجمالي أصول تبلغ قيمتها تقريبا 700 مليار دولار.

وقد أشترت حصة في مجموعة «سيتي جروب» بقيمة 5. 7 مليارات دولار. ويسعى جهاز أبوظبي للاستثمار إلى الاستفادة من أن الركود المحتمل في الولايات المتحدة لاقتناص المزيد من الفرص الاستثمارية.

النفط محرك النمو الاقتصادي

رغم تحرك أبوظبي بقوة لتنويع بنيتها الاقتصادية وتطوير قطاعات بديلة للنفط، فإن النفط لا يزال هو المحرك الرئيس لقطار النمو الاقتصادي السريع، ليس في أبوظبي وحدها بل في كل دولة الإمارات، حيث تشكل عائدات النفط والغاز ومشتقاتهما نحو 35% من الناتج المحلي الإجمالي، و80% من العائدات الحكومية، و90% من إجمالي الصادرات.

وهو ما أتي التقرير الاقتصادي والاجتماعي لإمارة أبوظبي عن عام 2008 على ذكره بقوله: أن التوقعات بقوة الطلب العالمي على النفط على المدى الطويل وتناقص الإمدادات، دفع الإمارة إلى رصد استثمارات تصل إلى 20 مليار دولار من أجل زيادة السعة الإنتاجية النفطية إلى 3. 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2010 من مستوى 2. 7 ملايين برميل يومياً في الوقت الراهن.

وتوقع التقرير الذي أصدرته أمس دائرة التخطيط والإحصاء أن يتضاعف الناتج الإجمالي للإمارة بحلول نهاية العقد الحالي بنسبة 30% ليصل إلى نحو 130 مليار دولار (478 مليار درهم) مع ارتفاع وتيرة تنويع القاعدة الاقتصادية والابتعاد تدريجيا عن الاعتماد الكبير على عائدات النفط.

تعظيم الاستفادة من موارد الطاقة

تزخر الساحة الاقتصادية بالكثير من المؤشرات والدلائل التي تعزز التوقعات باستدامة قوة النمو الاقتصادي في الدولة، رغم تراجع أسعار النفط العالمية، فكما نجحت دبي في توطيد مكانتها كواحة للرأسمالية في صحراء تعج بالأنظمة الاقتصادية المسيرة مركزيا، سارعت إمارة أبوظبي في خطاها نحو توطيد شهرتها الدولية أسوة بمدن عالمية كلندن ونيويورك وطوكيو وباريس.

وظهرت أبوظبي حقا بمظهر من يسير بخطى سريعة على هذا الدرب، وذلك من خلال تعظيم الاستفادة من ثروتها النفطية، في إطار استراتيجية للنمو المستدام تتميز بالحصافة، وفي إطار المشاركة مع القطاع الخاص.

وانسجم النمو القوي والمزدهر المتحقق خلال عام 2007 مع توقعات المسؤولين والمحللين، حيث حقق اقتصاد الإمارات ـ بحسب تصريحات معالي سلطان بن سعيد المنصوري وزير الاقتصاد ـ نمواً حقيقياً بلغ 4. 7 في المئة عام 2007 مقارنة بعام 2006.

وساهمت عوامل عديدة في تسجيل هذا النمو أبرزها ارتفاع أسعار النفط بنسبة 1. 13 في المئة إذ بلغ متوسط سعر البرميل عام 2007 نحو 1. 69 دولاراً، إلى جانب النمو الكبير في القطاعات غير النفطية مما أدى إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5. 16 في المئة إلى حوالي 698 مليار درهم ـ بحسب بيان وزارة الاقتصاد المنشور في 19 مارس الماضي - بمعدل 9. 8% في 2006 بفضل النفط والتجارة.

محققا ثالث أسرع معدلا للنمو خلال فترة زمنية بلغت 5 سنوات، وحظي هذا النمو بدعم من الأداء القوي لقطاعات النفط والصناعة وتجارة الجملة والتجزئة. ومن ثم جاء هذا النمو القوي معبرا عن استمرارية وتواصل الاقتصاد في تحقيق معدلات نمو مرتفعة.

إذ انه نما بنسبة 9. 11% في 2003 و7. 9% في 2004، وأظهرت بيانات وزارة الاقتصاد نمو قطاع البترول في عام 2007 بنسبة 5% إلى 9. 99 مليار درهم، وقطاع التصنيع بنسبة 13%، وتجارة الجملة والتجزئة 5. 10 بنسبة%، وقطاع البناء بنسبة 16%.

وتكشف قاعدة البيانات الإحصائية لدى الهيئة الاتحادية للجمارك عن ارتفاع إجمالي حجم التجارة الخارجية لدولة الإمارات من حيث القيمة بنسبة 169%، من حوالي 3. 209 مليارات درهم في عام 2003 إلى 563 مليار درهم في عام 2007 بزيادة قيمتها 7. 353 مليار درهم.

وبلغت نسبة قيمة الواردات 169% خلال الفترة المذكورة لترتفع من 148 مليار درهم في بداية الفترة إلى 1. 398 مليار درهم في نهاية الفترة بزيادة قيمتها 250 مليار درهم، في حين حققت قيمة الصادرات زيادة بنسبة 252%.

حيث ارتفعت قيمتها من 3. 10 مليارات درهم في عام 2003م إلى 3. 36 مليار درهم في عام 2007م بزيادة 26 مليار درهم، وشهدت قيمة إعادة التصدير نموا ملحوظا بنسبة 2. 152%، لتبلغ 6. 128 مليار درهم في عام 2007.

وتناغمت هذه الأرقام مع تقديرات المسؤولين والمحللين بشأن مواصلة الاقتصاد الإماراتي تحقيق معدل نمو مزدهر وقوي خلال العام المذكور، وانسجمت مع التقييمات التي ساقها بعض المحللين والقائلة بأن الأداء المتين والمتماسك للقطاع غير النفطي سيوفر قوة زخم لانتعاش النشاط الاقتصادي على المستوى الكلي.

دبي ـ مجدي عبيد