اخذ الحديث عن توالي ارتفاع أسعار السلع والمواد فيما يعرف اقتصاديا بمصطلح التضخم يطغى على أي حديث آخر في كافة دول العالم والمنطقة ومن بينها المملكة العربية السعودية.

ولعل موضوع التضخم في السعودية قد اخذ حيزا متميزا من اهتمام كافة المعنيين من صناع القرار والخبراء وعامة الناس نظرا لتحقيق معدلات التضخم معدلات لم تشهدها المملكة منذ عقود طويلة خلت. ولعل أهم الأسئلة المطروحة بهذا الشأن كانت ومازالت حول قدرة المملكة بما يتوفر لديها من أدوات السياسة النقدية والمالية والتجارية على السيطرة على التضخم وكبح جماحه للحد من آثاره السلبية على الاقتصاد السعودي عموما وعلى المقدرة الشرائية للمواطنين ومستواهم المعيشي خصوصا.

ويطرح الدكتور عبد الحليم محيسن الخبير الاقتصادي ومدير إدارة الدراسات والمشاريع في إتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي تساؤلا حول إذا ما كانت معدلات التضخم العالية هي نتيجة لعوامل غير داخلية خارجة عن السيطرة وبالتالي لا مجال للسيطرة على مسبباتها وكبح جماحها، وإن كان لم يعد هناك سبيل إلا التعايش مع الأسعار المرتفعة ومعالجة النتائج المترتبة عليها اقتصاديا واجتماعيا.

ويقول الدكتور محيسن بهذا الشأن: كنت دائما من القائلين ان معدلات التضخم في المنطقة عموما، والمملكة خصوصا، هي نتاج عوامل خارجية يصعب التحكم والسيطرة عليها بدرجة اكبر من العوامل الداخلية التي يسهل التحكم بها وتوجيهها نحو الأهداف المبتغاة والمرسومة.

ومن أهم العوامل الخارجية هنا الارتفاع الهائل في أسعار السلع الأولية عالميا ومن بينها السلع الغذائية نتيجة التقلبات المناخية وتوجه الدول نحو تشجيع صناعة الوقود الإحيائي والطلب المتنامي على هذه السلع من قبل الصين والهند وغيرها من العوامل غير القابلة للسيطرة أو الضبط.

وبالتالي فإن المملكة كغيرها من دول المنطقة ليس لها مقدرة على توظيف أدوات السياسة الاقتصادية المحلية لمعالجة أسباب التضخم بما فيها سياسة فك ارتباط سعر صرف الريال بالدولار، حيث تعالت أصوات العديد من الخبراء والمهتمين بانتهاج هذه السياسة للحد من توالي ارتفاع الأسعار في المملكة.

من ناحية أخرى إذا كانت أدوات السياسة الاقتصادية المتاحة غير قادرة على معالجة أسباب ارتفاع الأسعار، إلا انه يمكن استخدام هذه الأدوات بشكل اكبر وفعال في معالجة النتائج الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عن التضخم والمتمثلة بشكل أساسي في تدهور القوة الشرائية وتراجع المستوى المعيشي للمواطنين، وتآكل المقدرة التنافسية للصناعات المحلية، فضلا عن ما يفرزه من مصادر قلق اجتماعي لدى شريحة واسعة وعريضة من المواطنين.

ومن أهم السياسات نذكر هنا تقديم الدعم لعدد من السلع الأساسية الغذائية وغير الغذائية، وتقديم الحوافز المباشرة وغير المباشرة للإنتاج، وزيادة دخول الموظفين وغيرها من السياسات الأخرى التي لا مجال لحصرها، وهذه الأمور مقدور عليها بفعل تراكم الإيرادات المالية النفطية التي تمكن المملكة من اتباع مثل هذه السياسات دون تأثيرات سلبية كبيرة في المدى القصير والمتوسط.

أبعاد الظاهرة

ويدعم الدكتور محيسن نظريته من خلال استخدامه الإحصاءات المتعلقة بالتضخم للوقوف على وضعيته. حيث تشير الأرقام إلى أن التضخم في السعودية قد بدأ في الظهور بشكل ملفت ومقلق منذ بداية العام 2007 بعد أن كانت معدلاته خلال السنوات التي سبقت منخفضة نسبيا وتحت السيطرة.

أسباب التضخم

1 ـ كان لا بد من محاولة الفصل بين العوامل الداخلية والخارجية في ظاهرة التضخم في المملكة من أن يتم الاستعانة بالرقم القياسي لأسعار الجملة الذي يعد أكثر الإحصاءات المتوفرة تعبيرا عن طبيعة التأثيرات الخارجية في ارتفاع الأسعار المحلية التي يواجهها تجار الجملة في المملكة (يعد الرقم القياسي لأسعار المستوردات أفضل لهذا الغرض لكن نظرا لعدم توفره تم استخدام الرقم القياسي لأسعار الجملة).

ويقول الدكتور محيسن أنه بالنظر إلى النتائج السابقة وعلى الرغم من دلالاتها فيما يتعلق بمقدرة السياسات الاقتصادية والأدوات الاقتصادية على معالجة الأسباب الهيكلية للتضخم، يجب أن لا تفهم في سياق التقرير بالاستلام للتضخم كواقع محتوم لا انفكاك من معالجة أسبابه.

فالنتيجة السابقة تبقى صحيحة في المدى القصير فقط، وفي أفضل الأحوال في المدى المتوسط. أما في المدى الطويل فإن المجال ما زال قائما لمعالجة الأسباب الهيكلية للتضخم في المملكة وفي بقية دول المنطقة، ويضيف: في اعتقادي أن قدرة المملكة اكبر من غيرها من دول المنطقة في معالجة الأسباب الهيكلية للتضخم في المدى الطويل بسبب تراكم الإيرادات النفطية التي يجب توظيفها في إطار استراتيجية تسعى إلى تنويع بينة الاقتصاد السعودي.

ودعم وتشجيع الاستثمار الزراعي والصناعي محليا وخارجيا، وإجراء مزيد من الإصلاحات الاقتصادية الرامية إلى دعم دور القطاع الخاص من خلال المضي في سياسات الخصخصة وتقليل العوائق القانونية والإجرائية التي تحول دون الوصول بمستوى مساهمة هذا القطاع في مسيرة التنمية إلى المستويات المأمولة والمرجوة.

ودعا محيسن إلى ضرورة الاستمرار في تبني السياسات الرامية إلى معالجة النتائج الاقتصادية والاجتماعية للتضخم من خلال ترشيد سياسات الدعم ليتم توجيهها إلى مستحقيها من المستهلكين ذوي الدخول المحدودة، والتوسع في إنشاء الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، ومراقبة الأسعار لمنع التجاوزات غير المبررة التي قد تحدث في بعض الأحيان من قبل فئة قليلة من التجار.

دبي ـ كفاية أولير