مع ارتفاع أسعار النفط خلال الأشهر الماضية، وبلوغ إنتاج دول الخليج 16 مليون برميل يومياً واصل الاقتصاد في دول مجلس التعاون الخليجي نموه بمعدلات متسارعة. وقد أتاحت الزيادات في أسعار النفط زيادة وتيرة الاستثمارات العامة والخاصة.

حيث يتركز معظم هذه الاستثمارات في البنية التحتية والمشاريع العمرانية والعقارية والسياحية والمشاريع الاجتماعية،إضافة إلى وجود جهود للتوسع في قاعدة التصنيع والخدمات، إلا أن مخاطر التضخم وزيادة الأسعار زادت خلال الربع الأول من العام الجاري، في حين ظلت أسواق الأسهم الخليجية حذرة بشكل عام بسبب اضطرابات أسواق الأسهم العالمية.

وقال تقرير صادر عن اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي: «بينما تواصل حكومات دول مجلس التعاون الخليجي تنفيذ استراتيجيات النمو المرتفعة في محاولة لتوفير وظائف لشريحة المواطنين الشباب الآخذة في التزايد بشكل سريع، برزت دعوات لكبح الإنفاق الحكومي بهدف الحد من ظاهرة ارتفاع زيادات الأسعار.

ويقدر حجم التوسع في الإنفاق الحكومي خلال الربع الأول من العام بنحو 26%، وهناك جهود لتوسعة الطاقة الاستيعابية للاقتصاديات الخليجية لامتصاص التوسع في الإنفاق، إلا أن ضعف مرونة السياسات المالية والنقدية أدى إلى خلق ضغوط تضخمية والتي نشأت في أول الأمر بسبب النمو السريع في السكان واختناقات العرض والنتائج المالية للفوائض الكبيرة في ميزان المدفوعات في سياق ربط العملات الخليجية بالدولار».

وظل النشاط الاقتصادي قوياً في دول مجلس التعاون الخليجي منذ بداية العام الحالي، حيث ارتفعت معدلات النمو الاسمي إلى أرقام قياسية انعكاساً للتطورات المتسارعة في القطاع النفطي بلغت في المتوسط 9. 27% عام 2008 مقارنة ب8. 14% عام 2007، أما معدلات النمو الحقيقية فقد بلغ متوسطها 5. 7% عام 2008 بالمقارنة مع 7% عام 2007.

كما تلعب دول مجلس التعاون الخليجي دوراً حيوياً في صناعة النفط العالمية، ففي عام 2007م بلغ إنتاج النفط في دول المجلس 18 بالمائة من الإنتاج العالمي وحوالي 39 بالمائة من الصادرات ونسبة مماثلة من الاحتياطيات المؤكدة في العالم. ويبلغ الإنتاج النفطي في المملكة العربية السعودية، وهي أكبر مصدر للنفط في العالم والدولة الوحيدة التي تتمتع بطاقة إنتاج إضافية مهمة، حوالي 12 مليون برميل في اليوم.

ويقدر صندوق النقد الدولي بقاء إنتاج دول المجلس من النفط عند معدلاته الرئيسية وهي 16 مليون برميل يوميا وهي المعدلات نفسها التي كان عليها خلال العامين الماضيين، ولم تقم دول الأوبك بإجراء تغييرات في حجم الإنتاج خلال العام.

وأدى الارتفاع الكبير في أسعار النفط إلى زيادة إجمالي فائض الحساب الجاري لدول مجلس التعاون إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، حيث ارتفع من 215 مليار دولار في 2007 إلى 332 مليار دولار عام 2008، بما يمثل 31 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2008 مقارنة بـ 5. 27% عام 2007، وسوف يسمح ذلك بنمو كبير آخر في ثروات المنطقة الهائلة من صافي الأصول الأجنبية التي تقدر الآن تريليوني دولار.

ويقدر صندوق النقد الدولي أن تبلغ عائدات صادرات النفط 600 مليار دولار عام 2008 مقابل 381 مليار دولار في 2007، وهو ما يزيد بنحو 57 في المائة، ولا يزال الطلب القوي على النفط يأتي من آسيا والشرق الأوسط، إضافة إلى قلة المعروض والتوترات الجيوسياسية، كما ساعدت المضاربات في سوق النفط المستقبلية أيضا إلى دفع الأسعار إلى أعلى.

ويمر القطاع المصرفي في دول مجلس التعاون الخليجي بأوضاع صحية جيدة، فقد نمت أرباح البنوك الخليجية في المتوسط 10 ـ 25 في المائة خلال الربع الأول من عام 2008. بعد أن أصاب أداء القطاع إحباطات كثيرة خلال العام 2006، بعد الهبوط الحاد في أسواق الأسهم في المنطقة. ألا أنه على الرغم من ذلك، شهد عام 2007 والربع الأول من عام 2008 تحسنا ملحوظا في نمو الأرباح والأصول في العديد من المؤسسات الكبيرة، وتشير مقومات الطلب الأساسية المشجعة إلى نمو قوي ومستمر في القروض على المدى المتوسط.

كما واصلت أغلب حكومات دول المجلس اتباع سياسات تهدف إلى تشجيع النمو الاقتصادي السريع، وقد ساعدها في ذلك أسعار النفط المرتفعة جداً، التي سمحت بتسجيل فائض مالي كبير حتى في ظل زيادة الإنفاق.

ومع ذلك ساهمت استراتيجية النمو السريع في بعض البلدان في خلق ضغوط تضخمية كبيرة، مما ضاعف من هذه الضغوط ربط عملات المنطقة بسعر تحويل ثابت إلى الدولار، ومع أنه تبذل جهود متواصلة لمعالجة المشكلات الهيكلية، مثل أسواق العمل غير المرنة والدعم الكبير لأسعار السلع وعدم كفاءة معايير الحوكمة الإدارية في الشركات، إلا أنها مازالت مستحكمة.

ويقدر صندوق النقد الدولي ارتفاع الفائض المالي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى 21 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008 بعد أن كان 19 في المائة عام 2007 و23 في المائة عام 2006.

وسوف يكون ذلك ناتجا بشكل رئيسي عن زيادة الإيرادات بنسبة 30 في المائة عام 2008، وعلى الرغم من ذلك، استقر الإنفاق كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي عند 29 في المائة على الرغم من أن ذلك الفائض انخفض كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 5. 53 في المائة عام 2007 إلى 3. 50 في المائة عام 2008.

تظل السياسة النقدية في دول مجلس التعاون الخليجي مقيدة بسعر صرف ثابت مع الدولار، وهذا يدفع بأسعار الفائدة المحلية بتعقب نسب الفائدة المطبقة في الولايات المتحدة، بينما تنحصر عمليات المصارف المركزية بشكل كبير في تحسين وضع السيولة من خلال إصدار شهادات الودائع أو الأدوات الأخرى.

مواصلة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إرخاء سياسته النقدية خلال عام 2008 زاد من تفاقم السيولة المحلية في دول مجلس التعاون الخليجي التي كانت أصلا تشكو من تراكم استثنائي. ويقدر صندوق النقد الدولي أن تنمو السيولة المحلية بنسبة 4. 17 في المئة في المتوسط.

وبات من المؤكد أن يستمر الرخاء الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي في الأجل المتوسط. إن أسعار النفط المرتفعة تساعد على الاندفاع في الاستثمار، كما أن العدد الكبير من المشاريع الكبرى التي يجري تنفيذها ستوفر زخماً لنمو قوي للقطاعات غير الهيدروكربونية لسنوات عدة قادمة. ومع توقع بقاء متوسط سعر النفط مرتفعاً في 2008، يتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بنسبة 9. 27% إلى نحو تريليون دولار.

وبالرغم من الإفراط المستمر في الاستثمار، سوف يعوض ارتفاع أسعار النفط بصورة اكبر ذلك الارتفاع وسوف يسمح بتحقيق فائض حساب جار يبلغ 2. 31% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2008 بالمقارنة مع 28% عام 2007، مما يسمح لمختلف الدول الخليجية بإضافة مبالغ كبيرة إلى احتياطياتها وثرواتها المالية.

ونظرا للقيود المفروضة على التوسع في حجم الإنتاج، يتوقع أن تبقى أسواق النفط حساسة خلال العام 2008، مع بقاء أسعار النفط فوق معدل 95دولارا للبرميل. ولا يتوقع زيادة إنتاج الدول خارج منظمة الأوبك سوى بقدر قليل، في حين لا يتوقع زيادة إنتاج الأوبك نظرا للركود الاقتصادي الذي تشهده الدول الصناعية.

في الجانب الآخر، يتوقع استمرار ارتفاع الطلب بمعدلات متوسطة. لذلك، فإن اتجاه أسعار النفط سوف يبقى بمسار تصاعدي في المدى القريب نظراً لحساسية الأسعار تجاه قيود الإنتاج وعدم الاستقرار السياسي.

وفي هذا الإطار، سوف تبقى المملكة العربية السعودية تلعب دوراً إيجابياً وأساسياً في استقرار أسواق النفط. وتخطط المملكة لاستثمار نحو 80 مليار دولار في المدى المتوسط بهدف زيادة الطاقة الإنتاجية إلى 5. 12 مليون برميل وزيادة طاقة التكرير بنسبة 43% إلى نحو 6 ملايين برميل. كما تعتزم دول المجلس الأخرى استثمار نحو 170 مليار دولار.