أكد خبير مالي أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات المختصة في الدولة قلصت مخاطر تحول الطفرة العقارية التي تشهدها الإمارات إلى فقاعة عقارية، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات قد ساهمت في السيطرة على معدلات النمو الهائلة في هذا القطاع وجعلها في مستويات مقبولة وبالتالي إطالة عمر الطفرة الحالية.

وقال نبيل فرحات الشريك في شركة الفجر للأوراق المالية، في حوار مع «البيان الاقتصادي» إن هناك العديد من الخطوات التي يمكن للجهات المختصة القيام بها لتحقيق الاستقرار في هذا القطاع وتقليص مخاطر الائتمان العقاري من بينها تقنين طرح مشاريع تطوير عقاري جديدة واتخاذ إجراءات لوقف عمليات المضاربة غير المسؤولة من قبل بعض الأفراد، وذلك عن طريق وضع سقف لعدد الوحدات التي يمكن الاستحواذ عليها من قبل المضاربين، وكذلك وضع سقف للقروض العقارية الممنوحة للشخص الواحد مع التمييز بين القروض العقارية التجارية والقروض العقارية السكنية الشخصية.

ودعا في هذا الخصوص إلى تمديد الفترة الزمنية التي يتم بها تدوير الوحدات السكنية من خلال حظر بيع الوحدات السكنية المستحوذ عليها حديثاً قبل انقضاء عام كامل على تملكها وعدم السماح بنقل الملكية قبل مرور سنة على الأقل. وأشار فرحات إلى أهمية إنشاء مركز بيانات يحتوي على إحصائيات تظهر حركة أسعار مواد البناء وتكاليف البناء وأسعار بيع العقار وأحجام التمويل، قائلاً إن من شأن ذلك إصدار مؤشرات قياسية تستخدم لمعرفة أوضاع السوق العقاري وإعطاء صنّاع القرار القدرة على اتخاذ القرارات السليمة وفقاً لمعلومات وبيانات دقيقة.

وأكد فرحات أنه لا أزمة رهن عقاري إماراتي في الأفق القريب، مشيراً إلى أن شركة الفجر تعد دراسة متعلقة بهذا الخصوص، وستنشرها على موقعها الإلكتروني قريباً. وفي ما يلي نص الحوار:

ما هي الأسباب التي أدت إلى ارتفاع أسعار الوحدات السكنية خلال الأعوام الماضية؟

ان النمو الحاد الذي شهده القطاع العقاري خلال السنوات الماضية جاء نتيجة لسنوات عدة من توفر السيولة الرخيصة بعد انخفاض أسعار الفائدة لمدة طويلة والذي صحبه تدفقات نقدية كبيرة إلى داخل الدولة سواء من الاستثمار الأجنبي أو من ارتفاع أسعار النفط.

وأدى تحسن الاقتصاد الإماراتي إلى هجرة أعداد كبيرة من العمالة إلى داخل الدولة والتي أصبحت تتنافس على الموارد المحدودة المتوفرة في الدولة والذي أدى إلى خلق خلل في ميزان العرض والطلب للوحدات السكنية المتوفرة.

وهناك سبب آخر ومهم أدى إلى ارتفاع أسعار الوحدات السكنية وهو ارتفاع عدد المطورين والمشاريع الهائلة التي تم الإعلان عنها وهذا أدى بدوره إلى التنافس على الموارد الأولية وبالتالي شحها في الأسواق والذي نتج عنها ارتفاع تكاليف بناء الوحدات السكنية. وهنا نرى أن الخلل في العرض والطلب وتوفر السيولة الرخيصة والذي صاحبه ارتفاع في تكاليف الإنشاء ساهم في الارتفاع الحاد الذي شاهدناه في أسعار الوحدات السكنية.

ترددت تكهنات حول إمكانية أن تتحول الطفرة العقارية التي تشهدها الإمارات إلى فقاعة عقارية، فما تعليقك على ذلك؟

نعم هذا يمكن حصوله ليس فقط في الإمارات ولكن في كل دول العالم حيث ان مكونات فقاعة أسعار الأصول أسبابها متشابهة تقريبا. وقد كنا مسبقا متجهين في هذا الاتجاه ولكن المسؤولين في الدولة تنبهوا إلى هذه المخاطر مبكرا واتخذوا إجراءات من شأنها السيطرة على معدلات النمو الهائلة في القطاع العقاري بهدف تقليصها إلى مستويات مقبولة وهذا يطيل من عمر الطفرة العقارية ويقلص من مخاطر حدوث الفقاعة ويحمي اقتصاد العقار في الدولة.

وإجمالا إن أية طفرة عقارية يصاحبها بعض السلوكيات التي قد ينتج عنها مشاكل مستقبلية. ومن أهم هذه السلوكيات سلوكيات البنوك، التي تعني بالتمويل «غير المسؤول». وهذا يتم عبر تمويل أفراد بمبالغ تفوق طاقتهم المادية، والإفراط في تمويل نشاط معين، والتمويل على أسعار عالية وغير معقولة، وأخيرا التمويل من دون اخذ احتياطيات (مثلا التمويل 100% من قيمة الوحدة السكنية).

كما أن سلوكيات المضاربين تؤدي إلى تحول الطفرة إلى فقاعة من حيث الإفراط في الاقتراض والإفراط في شراء الوحدات السكنية وهذا يأتي بعد سنوات عديدة من النجاح في الاستثمار العقاري وبالتالي ترتفع شهية المضارب للعقار من دون أخذ أي اعتبار على أن الأمور قد تتبدل وبالتالي فإن في مرحلة من المراحل فإن رهاناته الأخيرة والتي تكون بالعادة كبيرة قد تكبده خسائر كبيرة.

كما أن هناك سلوكيات الجهات المسؤولة في الدولة من حيث هل هناك تشريعات كافية تحمي هذا القطاع وهل هناك مراقبة لما يجري من تطورات في قطاع العقار وبالتالي اتخاذ الإجراءات اللازمة لدرء أية مخاطر عن هذا القطاع.

هناك تخوف حالي من أن السياسة النقدية المتشددة قد تؤدي إلى انخفاض أسعار الوحدات السكنية، هل هذا صحيح؟

حاليا لا اعتقد ذلك ولكن إذا ما أفرط في سياسة التشدد أي استمرت لفترة طويلة يمكن ان تؤثر سلبيا على أسعار جميع الأصول وليس فقط العقار. فمثلا خلال السنتين الماضيتين كان هناك تخوف من أن ارتفاع السيولة الاستثمارية الأجنبية في الدولة وتزامنها مع ارتفاع سيولة العائدات النفطية سيساهم في ارتفاع معدلات التضخم في الدولة وازداد هذا التخوف مع انخفاض الفوائد العالمية وما تبعها من تخفيض للفوائد المحلية.

وقد قام المصرف المركزي باستخدام أساليب أخرى لتقليص السيولة الفائضة عن طريق طرح شهادات الإيداع وعن طريق رفع مستوى الاحتياطي البنكي لدرء مخاطر التضخم وهذه كانت خطوة ضرورية آنذاك. ولكن نلاحظ مؤخرا أن استثمارات الأجانب بدأت بالهجرة من البنوك المحلية لعوامل خارجية.

وهذا قد يخلق صدمة سيولة مؤقتة داخليا مما يتطلب إعادة التوازن من خلال إعادة جزء من السيولة المحتجزة لدى المصرف المركزي إلى الاقتصاد لتعويض النقص للسيولة المحلية التي خرجت مؤخرا، وإذا ما لم يتم ذلك بتوقيت جيد فإن ذلك سيؤثر سلبيا على أسعار جميع الأصول ومنها العقار.

لوحظ مؤخرا تشدد البنوك بخصوص القروض العقارية، هل هذا صحيح؟ وما تعليقك على ذلك؟

نعم هذا صحيح ولكن لا يمكن أن اسمي ذلك بتشديد إنما يمكن أن اسميه توفير «القرض المسؤول» وهذا التوجه يحمي أصول البنك المقرضة كما يحمي العملاء من الإفراط في الاقتراض. حيث كما ذكرت سابقا أن تزويد العملاء بالقروض لشراء أصول على أسعار مرتفعة جدا ينعكس في معظم الحالات سلبيا على أسعار الوحدات السكنية والبنوك وعلى المقترضين مستقبلا.

حيث أن الإفراط في الإقراض وما يتبعه لاحقا من تشدد أو انكماش في دورة السيولة سيؤدي إلى انخفاض أسعار العقار وعدم قدرة شريحة معينة من المقترضين عن السداد (عادة ما تكون شريحة المضاربين) وبالتالي تكبيد البنوك والمقترضين خسائر مادية. وفي تصوري أن ظاهرة القروض المسؤولة التي نراها حاليا هي صحية بامتياز للقطاع العقاري.

نظرا لان ارتفاع أسعار العقار حاليا هو نتيجة لارتفاع تكاليف الإنشاء والذي أعطى أسعار الوحدات السكنية الملامح الأولى للفقاعة. وبالتالي فإن حركة تصحيحية في أسعار مواد البناء حاليا ستؤثر سلبيا على أسعار العقار واحتمال إلى رجوعه إلى مستويات ما قبل ارتفاع أسعار البناء. وهذا يعني أن آخر مجموعة من الوحدات السكنية ستكون أسعارها أعلى مما قد يطرح لاحقا على الجمهور وبالتالي فإن المضاربين سيواجهون صعوبة في تدوير الوحدات على أسعار مرتفعة مما يؤدي إلى بعض حالات التعثر بالنسبة للبنوك.

وعادة ما تعتمد سياسة «القرض المسؤول» على اخذ بعض الاحتياطيات البديهية مثل إقراض 80% من قيمة العقار فقط. ومعرفة قدرة العميل للسداد وتحمل المخاطرة وتوفير الحجم المناسب من القروض ووضع سقف لحجم الاقتراض الذي يمكن أن يعطى للعميل الواحد. وبالرغم من هذه الأساليب ستبطئ نمو العقار بعض الشيء إلا أنها تفرغ الهواء من الفقاعة العقارية وتضمن ديمومة النشاط على أطول مدى ممكن. كما أن هذا شيء جيد حيث يعزز من نوعية الأصول التي تملكها البنوك وبالتالي تحافظ على مستويات تصنيف ائتمانية عالية وقدرتها على الاقتراض بفوائد قليلة من الخارج.

ما هي المخاطر التي تنتج عن النشاط العقاري على البنوك؟

من الناحية المالية فإن أرباح البنوك تتأثر من جهتين في حالة التمويل العقاري. أولا، تتأثر من حيث عدم قدرة المقترض على سداد القرض وثانيا من حيث إن قيمة الرهن العقاري تنخفض عن قيمة القرض وفي كلا الحالتين فإن البنك يضطر إلى أخذ مخصصات تطال أرباحه وفي بعض الأحيان قد تكون المخصصات كبيرة وتطال كل الأرباح مع جزء من رأسمال البنك.

ولكن بالنسبة للإمارات وبناء على أرقام الربع الأول الصادرة من المصرف المركزي وبناء على تقديرات «الفجر» فقد قدر حجم القروض العقارية (تشمل قروض التشييد وحوالي 40% من حجم القروض الشخصية التجارية) بالدولة بحوالي 33. 124 مليار درهم وهو رقم اكبر بكثير مما هو مفصح عنه في وسائل الإعلام. وجاء حوالي 72% من هذه القروض من العام 2006 وما قبل والتي بلغت حوالي 54. 89 مليارا عندما كانت أسعار العقار رخيصة.

كما تم ضخ قروض جديدة في العام 2007 بمقدار 02. 23 مليارا ومن ثم تم إضافة 77. 11 مليارا خلال الربع الأول من هذا العام. وقد اعتمدنا على سياسة إقراض ال100% أي أن البنوك كانت لا تأخذ أي احتياطي وكانت تمول العقار بالكامل، ومن ثم اعتمدنا معدلات نمو متحفظة في أسعار العقار تصل إلى 10% و20% و10% من السنوات 2006 إلى الربع الأول من العام 2008.

ومن ثم أخذنا أسوأ احتمال وهو انخفاض أسعار الوحدات السكنية بنسبة 20% خلال سنة واحدة مع تعثر جميع المقترضين من الفترة 2007 إلى الفترة نهاية الربع الأول من 2008 خلال ذات الفترة. أو بمعنى آخر أن جميع القروض العقارية التي أعطيت بالعام 2007 والربع الأول من العام 2008 تعثرت ولا يمكن سدادها.

وأظهرت نتائج التحليل أن حجم الخسائر المتوقعة من هذا النشاط في ظل هذا السيناريو المخيف هو حوالي 5. 4 مليارات درهم تشكل ما نسبته 57. 0% من إجمالي القروض وما نسبته 34. 0% من إجمالي الأصول وحوالي 7. 13% من إجمالي أرباح البنوك المتوقعة في العام 2009.

أو بمعنى آخر إذا ما حصل هذا السيناريو التشاؤمي فإن هذا يعني أن أرباح البنوك ستنخفض بنسبة 1. 5% على أسوأ احتمال في العام 2009. وهذا لا ولن يطال رؤوس أموال البنوك وبالتالي أي كلام عن أزمة الرهن العقاري في الوقت الحالي غير صحيح ويجب توخي الدقة فيما ينشر أو يروج له بهذا الخصوص. ولأكون أكثر وضوحا لا أزمة رهن عقاري إماراتي في الأفق القريب.