ألقت عمليات إعادة شراء السندات من قبل البنوك العالمية بظلال قاتمة حول أداء القطاع المصرفي خلال الفترة المقبلة ومدى تأثره بالأزمة الائتمانية الأخيرة. وبدا أن الأزمة وكأنها أذنت بطي صفحة مضيئة من صفحات السندات المالية التي كانت تعتبر صمام أمان بالنسبة للقطاع المصرفي.
وخضعت كبريات المصارف العالمية خلال اليومين الماضيين لضغوط قانونية ووافقت على دفع تعويضات لعملائها في إشارة لإقرارها الضمني بتضليل عملائها. وقال مسؤول في ولاية ماساتشوستس ان البنك السويسري يو.بي.اس وافق على إعادة شراء ما قيمته 4. 19 مليار دولار من أوراق الدين التي انهارت قيمتها خلال الأزمة المالية العالمية ودفع غرامة قدرها 150 مليون دولار لتسوية تهم بأنه ضلل المستثمرين بشأن مخاطر هذه الديون.
وجاء اتفاق التسوية بين البنك وسلطات الولاية والسلطات التنظيمية الاتحادية في الولايات المتحدة في أعقاب الإعلان ان سيتي جروب وميريل لينش سيعيدان شراء ما قيمته نحو 20 مليار دولار من مثل هذه الأوراق المالية. وأوضح بريان مكنيف الناطق باسم ولاية ماساتشوستس «تم التوصل إلى اتفاق. وهو يغطي مطالبات الولاية والسلطات الاتحادية».
وسوف تقسم الغرامة وقدرها 150 مليون دولار بين ماساتشوستس ونيويورك التي اتهمت يو.بي.اس بالتحايل على العملاء لشراء ما يسمى السندات ذات الفائدة التي تتحدد دورياً والتي أصبح مستحيلاً بيعها حينما تجمدت سوق الائتمان. ومن المحتمل ان يضطر الاتفاق يو.بي.اس أكبر ضحايا أوروبا لفوضى الأسواق إلى شطب مزيد من أصوله إضافة إلى 37 ملياراً شطبها من قبل.
وقال مكنيف ان بياناً رسمياً عن التسوية قد يصدر غداً الاثنين. ورفضت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية التعقيب على التسوية. وجاء الاتفاق في حين أقامت اس.تي.ميكروالكترونيكس أكبر صانع لرقائق الحاسوب في أوروبا دعوى قضائية على كريدي سويس لاستثماره أموالها في السندات ذات الفائدة التي تتحدد دورياً دون مشاورته.
وكانت سيتي جروب قد وافقت على إعادة شراء ما تتجاوز قيمته سبعة مليارات دولار من الأوراق المالية غير السائلة ودفع غرامة مدنية قدرها 100 مليون دولار لتسوية تهم بأنها ضللت عن طريق الاحتيال المستثمرين بشأن مخاطر هذه الديون. وقد يمهد الاتفاق مع أندرو كومو المحامي العام لنيويورك ولجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية الطريق إلى تسويات مع يو.بي.اس وميريل لينش وآخرين في أعقاب انهيار سوق السندات التي تتحدد الفائدة عليها في مزاد هولندي وقيمتها 330 مليار دولار.
ومن المتوقع أن يعوق الاتفاق أيضاً جهود فيكرام بانديت الرئيس التنفيذي لسيتي جروب لخفض النفقات وإعادة الربحية في أعقاب تكبد المجموعة خسائر قدرها 4. 17 مليار دولار في الثلاثة أرباع الماضية. وقال بريان يلفينجتون المحلل في مؤسسة كريديت سايتس في نيويورك «انها حقاً محاولة لإنقاذ ماء الوجه».
وهوت أسهم سيتي جروب 11. 1 دولار أو 6. 5 في المئة إلى 59. 18 دولاراً أواخر التعامل في بورصة نيويورك للأوراق المالية يوم الخميس في أعقاب الإعلان عن تلك الأنباء. ووافقت سيتي جروب على إعادة شراء هذه الأوراق المالية التي يتحدد سعر الفائدة عليها في مزاد هولندي بقيمتها الاسمية من كل الأفراد والجمعيات الخيرية والشركات الصغيرة إلى المتوسطة ـ نحو 400 ألف عميل على مستوى البلاد ـ بحلول الخامس من نوفمبر.
وقبل البنك أيضاً رد قيمة السندات كاملة لكل المستثمرين الذين باعوا أوراقهم المالية بخسارة. وسيسدد البنك غرامة قدرها 50 مليون دولار لنيويورك و50 مليون دولار أخرى لرابطة مديري الأوراق المالية في أميركا الشمالية. وقال كومو في مؤتمر صحافي ان التسوية «سوف تساعد على استعادة الثقة في هذه السوق»، ورأى أنها تحقق العدالة للمستهلكين.
وأضاف انه يحقق في ممارسات بيع شركات أخرى للأوراق المالية من هذه الفئة. وفي هذا النوع من الأوراق المالية يتغير سعر الفائدة دورياً عبر ما يعرف بعملية المزاد الهولندي. وفي هذه العملية يقدم الوسيط المالي أو المتعامل عروضاً نيابة عن المستثمرين الحاليين والمحتملين إلى وكيل المزاد. وبناءً على العطاءات المقدمة يحدد الوكيل سعر الفائدة التالي عن طريق اختيار أقل عرض.
وكانت هذه السوق البالغة قيمتها 330 مليار دولار تعتبر آمنة يوماً لكن جانباً كبيراً منها لا يزال مجمداً بعد حدوث انهيار في فبراير توقفت خلاله دور السمسرة في وول ستريت عن دعم هذا النوع من السندات. وقالت سيتي جروب في بيان انها راضية عن التسوية. ولم يقر البنك بارتكاب أي مخالفة بموافقته على التسوية. وقدر قيمة إعادة الشراء بمبلغ 3. 7 مليارات دولار.
وتزايدت خسائر البنوك خلال الفترة الأخيرة وأعلن رويال بنك أوف سكوتلند «ار.بي.اس» البريطاني في نهاية الأسبوع أنه مني بخسائر بلغت 691 مليون جنيه إسترليني (35. 1 مليار دولار) في النصف الأول من العام ليسجل واحدة من أكبر الخسائر في تاريخ الشركات البريطانية. لكن الخسائر جاءت أقل من المتوقع بعد أن شطب البنك أصولاً بقيمة 9. 5 مليارات جنيه عن استثمارات محفوفة بالمخاطر.
وكان البنك وهو ثاني أكبر البنوك في بريطانيا حقق أرباحاً قدرها 1. 5 مليارات جنيه إسترليني في النصف الأول من العام الماضي. وجاء حجم عمليات شطب الأصول متفقاً مع التوقعات. وأشارت توقعات خمسة محللين إلى أن البنك سيعلن خسارة قدرها 2. 1 مليار جنيه.
وقال الرئيس التنفيذي فريد جودوين ان «التوقعات الاقتصادية المتدهورة ستستمر فيما يبدو في تعقيد»، الظروف الصعبة في أسواق المال. وقال البنك ان الديون المتعثرة عن قروض الرهن العقاري وغيرها من القروض قفزت بنسبة 58 في المئة في الأشهر الستة لتصل إلى 5. 1 مليار جنيه. وشهد البنك عاماً مضطرباً واضطر في يونيو إلى جمع 12 مليار جنيه في أكبر إصدار حقوق من نوعه لإصلاح قوائمه المالية التي أضعفتها صفقة شراء بعض وحدات بنك ايه.بي.ان امرو وشطب أصول.
إلى ذلك أعلن بنك باركليز ثالث أكبر بنوك بريطانيا انخفاض أرباح النصف الأول من العام الجاري بنسبة 33 في المئة وقرر خفض قيمة أصول عالية المخاطر بقيمة ملياري جنيه إسترليني (نحو أربعة مليارات دولار). إلا أن انخفاض الأرباح جاء أقل من المتوقع.
وقال البنك ان أرباحه قبل الضرائب في الأشهر الستة الأولى من العام بلغت 75. 2 مليار جنيه إسترليني (4. 5 مليارات دولار) انخفاضاً من 1. 4 مليارات جنيه. وبلغ متوسط توقعات المحللين للأرباح في استطلاع سابق 63. 2 مليار جنيه. وانخفضت الأرباح نصف السنوية لدى وحدة باركليز كابيتال بنسبة 68 في المئة إلى 524 مليون جنيه بعد استيعاب شطب أصول بقيمة 98. 1 مليار جنيه عن استثمارات في أسواق الائتمان.
تحقيق
أين يتركز الجدل؟
جرى خلال الفترة الماضية تحقيق حول نشاطات بعض المصارف الكبرى في وول ستريت وكونتيكت، حول دورها المحتمل في وقوع أزمة الرهن العقارية الثانوية، عبر منح قروض بتريليونات الدولارات بصورة مخالفة للقانون. ويعتقد أن تلك المصارف عمدت إلى إخفاء معلومات مهمة حول قروض عالية المخاطر، قبل إدراجها ضمن السندات المالية التي بيعت في وقت لاحق للمستثمرين.
وقامت تلك المصارف بإجازة رهونات وقروض عقارية ثانوية مرتفعة المخاطر دون الالتفات حتى إلى القيود التي تحيط منح تلك القروض. وقال مصدر قضائي «لقد منحت تلك القروض إلى أشخاص من غير مستحقيها، ومن بينهم من لا يمتلك وثائق تؤكد دخله الحقيقي أو أي أوراق أخرى يتوجب تقديمها للحصول على قرض.» ويعتقد أن القروض والرهونات بيعت في وقت لاحق إلى هيئات مالية في وول ستريت قامت بدمجها ضمن سندات مالية غير مرتفعة الخطورة بما يخفي واقع حالها.
