تعد شركة يونيليفر أحد عمالقة السلع الاستهلاكية في العالم، حيث تشير الإحصائيات إلى أن منتجاتها، التي تتنوع بين المواد الغذائية ومواد التنظيف المنزلي والعناية الشخصية والرعاية الصحية، تُستخدم أكثر من 150 مليون مرة يوميا في شتى أنحاء العالم.
وتقدم الشركة أكثر من 400 علامة تجارية تضم 14 نوعا من المنتجات الاستهلاكية، التي تشمل على سبيل المثال وليس الحصر شاي ليبتون، الأكثر مبيعا في العالم، ومنتجات كنور الغذائية ومنتجات صابون دوف ولوكس ومساحيق الغسيل أومو. وتشير إحصائيات الشركة إلى أن هناك نحو مليار يورو يجري استثمارها سنويا في مجال البحث والتطوير، حيث توجد لدى الشركة خمسة معامل بحثية في مختلف أنحاء العالم تعمل على الوصول إلى تقنيات جديدة يمكن من خلالها تطوير منتجات الشركة وتقديم منتجات جديدة.
والتقى «البيان الاقتصادي» سانجيف ميهتا، رئيس يونيليفر لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، بهدف استطلاع رأي أحد الأطراف الفاعلة في الأزمات التي تلاحق الأسواق الاستهلاكية على امتداد العالم والتعرف على رؤية إحدى الشركات العاملة في المجال لمواجهة هذه التحديات.
التضخم وارتفاع الأسعار كان أول الأسئلة التي واجهنا بها ميهتا فقال: «إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية لا يمثل سوى جانبا واحدا من الارتفاع العام في كل أسعار السلع، ومنها النفط على سبيل المثال. ومن ثم فإن الأمر لا ينطبق على يونيليفر وحدها وإنما على كل شركات العالم، غير أن شركتنا تعمل دائما على توسيع دائرة الاختيار أمام المستهلك.»
الابتكار أولا وثانيا وثالثا
وشدد المسؤول في هذا الصدد على أن «استراتيجية يونيليفر في التعامل مع ارتفاع الأسعار تقوم في الأساس على رفع الهامش التقني الذي تعتمد عليه الشركة إلى جانب التركيز على خفض التكلفة. فإدراكنا لأهمية التكنولوجيا في العملية الإنتاجية يمكننا من تصنيع منتجات من مواد أولية بديلة إلى جانب تحسين عملياتنا اللوجيستية بشكل جذري واستخدام أنظمة تمكننا من إتمام عمليات الشراء التي نقوم بها بشكل اقتصادي أفضل. ثم لا ننكر أننا، بعد أن نستنفد كل هذه الخيارات، نضطر إلى رفع الأسعار بشكل طفيف في نهاية المطاف».
وأضاف: «نحن شديدو الحساسية تجاه أثر التضخم على المستهلكين من ذوي الدخل المحدود، ومن ثم فإننا نتعاون بشكل وثيق مع شركاء عالميين في هذا المجال مثل اليونيسيف وبرنامج الغذاء العالمي. فنحن مدركون تماما لأثر ارتفاع الأسعار على المستهلك ومن ثم فإننا حافظنا على مستوى الأسعار في أسواق معينة في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما فيما يتعلق بالمنتجات التي هي في الأصل منخفضة الثمن.
وأكد ميهتا على الأهمية القصوى لاستخدام التكنولوجيا في تطوير العمل في شركته وعلى دور التقنيات الحديثة في الارتقاء بمستوى المنتجات ومواجهة المعضلات الاقتصادية. وقال في هذا الشأن: «يونيليفر تعد من الشركات الرائدة في مجال البحث والتطوير ولا تتوقف مطلقا عن تقديم منتجات متطورة في جميع القطاعات التي تعمل فيها وذلك بهدف تحقيق نسب النمو المرجوة.
فداخل منطقة شبه الجزيرة العربية، استطعنا تحقيق نمو في جميع القطاعات التي نعمل بها بفضل ما نواصل تقديمه من منتجات مبتكرة أو دمج بين المنتجات الموجودة أو إعادة تقديم بعض المنتجات بشكل مختلف إلى جانب تعضيد العلامات التجارية الموجودة بالفعل عن طريق منتجات جديدة تضاف إلى هذه العلامات التجارية.
وفي هذا الصدد يبرز منتج كلير المضاد للقشرة والذي تم تقديمه في المنطقة العربية في عام 2007 كأحد الأمثلة على جهود البحث والتطوير التي تقوم بها الشركة والتي تساهم بشدة في زيادة الأرباح، حيث استطعنا بفضل هذا المنتج المخصص للنساء والرجال الحصول على نسبة 8,18 في المئة من حصة المنتجات المضادة للقشرة في منطقة شبه الجزيرة العربية في خلال عام واحد من تقديم هذا المنتج».
كما تنبغي الإشارة في هذا الصدد إلى شاي ليبتون الذي يعد منتج الشاي الرئيسي في المنطقة، حيث استطعنا تعزيز مكانته عن طريق تقديم عدد من المنتجات المتطورة على امتداد السنوات القليلة الماضية.
فقد تم طرح الشاي الأخضر وأنواع أخرى من الشاي في أشكال وعبوات جديدة تأخذ الشكل الهرمي الذي يتيح بشكل سلس تعبئة أنواع الشاي ذات الأوراق الطويلة والتي تحتوي على نكهة العديد من الفواكه الحقيقية، الأمر الذي يضيف مزيدا من الروائح الطيبة والمذاق المتجدد للشاي التقليدي. تلك الابتكارات لم تساعد على تعزيز مكانة ليبتون فحسب وإنما على تنمية قطاع منتجات الشاي بشكل عام».
وخلال الصيف الجاري قدمت ليبتون نوعا جديدا من الشاي تحت اسم Chai Latte وهو خليط بين الشاي واللبن والسكر في شكل مسحوق، وهو منتج ثوري من شأنه تغيير قطاع الشاي واجتذاب شريحة أكبر من الشباب، وهي الفئة المستهدفة من وراء إطلاق هذا المنتج».
وحول ما إذا كانت هناك خطط للتوسع من جانب يونيليفر سواء عالميا أو على مستوى منطقة الشرق الأوسط، قال ميهتا إن «يونيليفر تعمل باستمرار على مراجعة سلسلة إنتاجاتها من أجل ضمان المنافسة بقوة على الساحة. فالأسواق الناشئة والنامية تمثل أهمية كبيرة بالنسبة لنا وتساهم بشكل كبير في زيادة إنتاجية الشركة.
فبحسب المراجعة السنوية للأداء النصفي لعام 2008، فإن هذه الأسواق حققت معدل نمو زاد على 15 في المئة، مما يدل على أهميتها الكبيرة بالنسبة ليونيليفر. ويمثل سوق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أحد أكبر عشرة مساهمين في أرباح الأسواق الناشئة والنامية بالنسبة ليونيليفر. وتسعى يونيليفر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى تحسين مكانتها الكبيرة هذه بشكل متواصل.
ومن أجل المحافظة على هذا النجاح فإن الشركة تعمل بشكل دائم على اختيار المكان المناسب للتوسع والاستحواذ. هناك خيارات عديدة في هذا الشأن قيد الدراسة وسيتم الإعلان عنها فور اتخاذ قرار في هذا الشأن».
وقد تحدث ميهتا عن وجهة نظر شركته في التعامل مع أزمة الغذاء العالمي وأسبابها ورؤية يونيليفر للحلول التي يمكن من خلالها علاج ما يستجد من أزمات في هذا الصدد. يقول ميهتا إنه يجب أن تكون هناك استراتيجية بعيدة الأجل تعتمد على أربعة ركائز أساسية:
ـ الوقود العضوي
ـ تحرير التجارة
ـ الاستثمار الزراعي
ـ الاستدامة
أما الركيزة الأولى فتتمثل في التوقف عن استخدام المحاصيل في إنتاج الوقود لتفادي ارتفاع أسعار النفط لأن الأمر يؤدي إلى زيادة مطردة في أسعار المحاصيل الأساسية كما هو حاصل الآن. الأمر الأكثر أهمية هو تحرير التجارة. الكثير من الحكومات قد تشعر بالحاجة إلى فرض قيود على عمليات تصدير واستيراد الغذاء وفرض مزيد من السيطرة على زيادة الأسعار بهدف التحكم في ضغوط التضخم في ضوء ظروف اقتصاداتها الداخلية.
غير أن مثل هذه الإجراءات تأتي بنتائج عكسية لاسيما فيما يتعلق بمصالح المستهلكين الأفراد وتضر في الوقت نفسه بالاقتصاد العالمي. ومن هذا المنطلق تحث يونيليفر دائما على زيادة رقعة الإنتاج الزراعي في شتى أنحاء العالم وتقليص الحواجز التي تعوق عمليات التصدير والاستيراد وذلك بهدف تحسين عمليات توريد المواد الأولية.
وهذه هي الأمور التي دعت إليها الشركة خلال انعقاد مفاوضات منظمة التجارة مؤخرا. فتحقيق هذا الهدف يعد حيويا لزيادة الإنتاج الزراعي والتقليص من وطأة الفقر. الركيزة الثالثة تقوم على زيادة الاستثمار في مجال الزراعة. فثمة حاجة إلى زيادة الاستثمار في هذا الشأن ومضاعفة ميزانيات البحث والتطوير والابتكار. فالحاجة بالفعل تمس إلى زيادة الإنتاج الزراعي بنسبة 50 في المئة بحلول العام 2030.
وفي الوقت نفسه يتعين الانتباه إلى أن هدف زيادة الإنتاج الزراعي هذا سيفرض بدوره ضغوطا على استغلال الأراضي واستهلاك الموارد المائية و سيكون له أثر على التنوع البيولوجي في العالم والنظام البيئي في العالم بشكل عام. وهنا تأتي أهمية الركيزة الرابعة المتمثلة في الاستدامة وضمان أن تتم عملية زيادة الرقعة الزراعية بشكل لا يضر بالبيئة. وقد تقدمت يونيليفر، بعدد من المبادرات في هذا الشأن وستواصل العمل مع شركائها في هذا المجال.
يذكر في هذا الصدد أن الإحصائيات تشير إلى أن 65% من الحبوب الغذائية في دول الاتحاد الأوروبي تستخدم في أغراض الوقود العضوي. ومؤخرا أصبحت الولايات المتحدة المنتج الأول للوقود العضوي في العالم وتستخدم حاليا 34% من إنتاجها من الذرة في إنتاج الإيثانول العضوي. وتشير التوقعات، بحسب إحصائيات معهد السياسات الغذائية الدولي، إلى أن الزيادات المسجلة في إنتاج الوقود العضوي من المتوقع أن ترفع أسعار الذرة بنسبة 72% وبذور الزيت بنحو 44% خلال السنوات المقبلة.
من الجدير بالذكر أيضا أن يونيليفر شبه الجزيرة العربية بدأت أعمالها في المملكة العربية السعودية في عقد الثلاثينات من القرن الماضي وفي عام 1978 تم إنشاء أول مصنع لها في مدينة جدة السعودية.
خبراء
أحد مسؤولي التذوق في شركة يونيليفر العالمية، وهو واحد من اثنين فقط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحملان لقباً وظيفياً رسمياً يعرف ب«متذوق شاي»، حيث يناط بهما مهمة صعبة متمثلة في القدرة على التمييز بين المذاقات المختلفة لشاي ليبتون قبل طرحه في الأسواق. وقد سنحت لـ «البيان الاقتصادي» الفرصة للإطلاع على مراحل تصنيع الشاي في مصنع الشركة في جبل علي.
يونيليفر الشرق الأوسط
رغم أن يونيليفر لم تؤسس بشكل رسمي إلا في 1930، إلا أن الشركات التي انضمت معا وكونت الشكل الذي عليه الشركة حاليا قد ظهرت على الساحة قبل بداية القرن التاسع عشر. وتصادف التأسيس الفعلي للشركة مع اندلاع أزمة الكساد العظيم في عقد الثلاثينيات، وهي الفترة التي انتهت مع الحرب العالمية الثانية.
وبدأت أول أعمال يونيليفر في المملكة العربية السعودية في الفترة نفسها وبعد ذلك قامت الشركة بمشروعات توسعية كبيرة في دول الخليج المجاورة حيث تم إنشاء وحدات مصانع كان أهمها مصنع شاي ليبتون في جبل علي، الذي يعد ثاني أكبر مصانع ليبتون في العالم. ويرى مسؤولو يونيليفر أن جميع الأسواق الخليجية تنمو بشكل منتظم، غير أن السوقين الإماراتي والقطري قد برزتا بشدة في السنوات الأخيرة على صعيد التنوع والسيولة المادية.
حوار ـ حاتم حسين

