تتصدر قضايا الشفافية والحوكمة ومسائل فض النزاع بين الشركات ساحات الرأي عندما يجري الحديث عن الإصلاح الاقتصادي أو محاربة الفساد. ومؤخرا انطلقت العديد من الخطوات على صعيد تحديد جهات تتولى تعميم مفاهيم الحوكمة وإصدار قوانين واضحة وصريحة. كما حدث في نطاق مركز دبي المالي العالمي وبعض الهيئات الاقتصادية العربية في السعودية والبحرين وقطر.
ومع الحديث عن تذليل العقبات أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، للمساهمة في تمويل مشاريع البنية الأساسية في المنطقة، وإطلاق ورشة أعمال واسعة في مختلف الأنشطة الاقتصادية، تتصدر مهمة تبني سياسات الحوكمة الأولوية.
ولأن الشركات العائلية تشكل القاعدة الأساسية لاقتصاديات الخليج، فإن الحاجة إلى وجود قوانين خاصة بحوكمة الشركات العائلية تغدو أمرا ملحا وغاية في الأهمية، وخاصة في ظل ما يجري في أروقة المحاكم نتيجة للخلافات المستحكمة بين أطراف العائلة الواحدة وأجيالها المختلفة، أو بين هذه الشركات العائلية وبين شركائها المحتملين محليا وعالميا. ..(اذ تشير الاحصاءات والدراسات إلى أن 6 في المئة فقط من الشركات والمشاريع الأسرية على مستوى العالم يكتب لها البقاء».
في قفص الاتهام
وتقول الباحثة الاقتصادية الإماراتية ناهدة عبد القادر في بحث أعدته حول هذه القضية، انه على الرغم من الأهمية التي تتمتع بها الشركات العائلية في الخليج، وتحكّمها بنحو95% من حجم النشاط التجاري في المنطقة، فإنها متهمة بتأخير التحديث والشفافية من قبل نخبة المفكرين الاقتصاديين.
ومع إقرار معظم هذه الشركات بأنها تقود تحديثا عاما على مختلف المحاور، تشير هذه الشركات عينها إلى أن النجاح وتحقيق العوائد وحدهما لا يكفيان في عالم يصبو إلى الشفافية، وإلى لامركزية القرار والرؤية الجديدة. وتنادي هذه الشركات بضرورة تولي القيادات الشابة الخبيرة إدارة الكيانات الاقتصادية الكبرى أو المساهمة الجوهرية في هذه القيادة. ويعزز هذا الرأي مخاوف كرستها التجارب العالمية من عدم قدرة الأجيال المتعاقبة في الشركات العائلية على القيام بدورها المنتظر.
حروب طاحنة
والرغم الحروب الطاحنة التي تجري في أروقة المحاكم الخليجية بين أبناء العائلات الاقتصادية لتقاسم الثروة والقرار ومراكز القيادة، وعلى الرغم من إجماع أصحاب الخبرة على انه من المستحيل على الشركات العائلية الخروج من نفق الخلافات والتعرض لخطر التلاشي إذا لم تقوم كل شركة بدراسة خصوصية تجربتها وتطوير هذا التجربة إلى نماذج لشركات جديدة أو أنظمة إدارة، ابسطها التحول إلى شركات مساهمة..
يقود أبناء العائلات الاقتصادية الناجحون اليوم، والذين لا يزالون يسيطرون على عائلاتهم، حملة مضادة، مفادها انه مادامت الشركات ناجحة، فلماذا نقوم بتغيير هيكلتها؟. وفي هذا الصدد، ترى عبد القادر أن مقاومي التغيير هؤلاء محقون في جانب مما يقولونه، لكنهم يرون جانبا من الحقيقة.
وتؤكد أن هذا الجانب آني ولن يستمر، وذلك لأن وجود قيادات فردية لهذه الشركات لا يضمن تكرار التجربة في جيل آخر من القيادات، ويرون انه من الضروري للشركات العائلية أن تقوم بإعادة هيكلة شركاتها وهي في عز شبابها، وذلك عبر تقسيمها إلى شركات بعضها يذهب إلى البورصة وبعضها الآخر يقوم على شركات مساهمة خاصة مقفلة بالشراكة مع رموز من القطاع الخاص الذين يملكون كيانات اقتصادية ويملكون قيمة مضافة مميزة.
مضيفة أننا نصبح هنا أمام أشكال متعددة لإعادة الهيكلة، تتناسب مع مختلف أنواع الشركات العائلية بظروفها المختلفة، حيث لابد من الاستعانة ببيوتات خبرة عالمية متخصصة في هذا المجال. كما حدث مع مجموعة الزامل السعودية التي قامت بوضع دستور واضح للقادة بعد أن قسمت أنشطتها وطرحت جزءا من مجموعاتها للمساهمة العامة. وعلى الرغم من عمومية هذا الكلام إلا أن طبيعة تكوين الشركات تكاد تكون متشابهة في بعض الوجوه مع ما هو سائد في عالمنا العربي من حيث انتشار الشركات العائلية التي يتوارث إدارتها الأبناء عن الآباء.
وتشير عبد القادر إلى ورقة قدمها نائب رئيس الأعمال المصرفية الاستثمارية في بنك الخليج الدولي سلمان الدغيثر في منتدى البحرين الأول للشركات العائلية التي قال فيها: «إذا كانت هذه الشركات تتحكم بحوالي 95% من حجم النشاط التجاري في دول الخليج، فماذا سيحدث للاقتصاد أو العملة إذا واجهت هذه الشركات مشكلات في أدائها؟». لافتة إلى أن هذا السؤال يجيز المخاوف، ويجيز التفكير بطريقة تحفظ قوة الشركات العائلية من خلال اندماجها في نسيج النظام الاقتصادي العام.
مخاطر
وتقول عبد القادر إن الشركات العائلية وتفضل البقاء على وضعها الحالي للاستفادة من عدد من الميزات التنافسية بالمقارنة مع الشركات المساهمة، ومن أهمها أن تركّز السلطة في يدها يسهّل عليها اتخاذ القرارات المتعلقة بنشاط الشركة، ويخفّض التكاليف الإدارية، ويتيح اتخاذ قرارات جريئة غير تقليدية، تكون في الغالب مفيدة للشركة من الناحية الاستراتيجية، ناهيك عن تحاشي تطبيق متطلبات الإفصاح والشفافية المطلوبة من الشركات المساهمة.
ورغم أن الشركات والأنشطة التجارية التي تقوم بين أفراد الأسرة الواحدة، والتي تنتقل إلى الورثة جيلا بعد جيل، تعتبر من انجح أنماط النشاطات والأعمال بكل المقاييس، فهي في الوقت ذاته تعتبر من أكثر الشركات تعرضا للمخاطر. مشيرة إلى ان الإحصائيات تبين أن اقل من 6% من الشركات والأنشطة العائلية على مستوى العالم يكتب لها البقاء وتستطيع أن تعمر إلى ما بعد الجيل الثالث من الورثة.
حوكمة وشفافية
وأظهر تقرير حديث أشرف على إعداده مركز دبي المالي العالمي، وأظهر أن النسبة الأكبر من الشركات العربية لا تزال تدار عبر العائلات، بطريقة لا تنسجم مع معايير عالم اليوم الاقتصادية والإدارية، على الرغم من أن رساميل هذه الشركات، التي تتراوح بين مصارف عملاقة ومؤسسات متوسطة الحجم، تبلغ مئات مليارات الدولارات.
واعتمد هذا التقرير على استطلاع ميداني، تم إعداده في 11 دولة عربية، وشمل دول الخليج ولبنان ومصر والأردن وتونس والمغرب. وتم الكشف عن بعض تفاصيله على هامش ندوة حوكمة الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي نظمها مركز دبي المالي العالمي، ومعهد حوكمة الشركات في دبي مؤخرا.
وجاء في التقرير، أن 60% من المصارف العربية تؤمن بضرورة بدء دخول معايير الحوكمة حيز التنفيذ لما تتضمنه من تنظيم وتقسيم للعمل داخل الشركات، ووضع الهياكل التنظيمية والإدارية، واعتماد معايير الشفافية تجاه العملاء والمساهمين وحملة الأسهم. على أن هذه النسبة، تنخفض لدى الشركات إلى 30%، مما يدل على مقدار الصعوبة التي يواجهها المستثمر أو المساهم في الأسواق المالية العربية، حيث يصطدم بشركات عائلية مغلقة، غير شفافة، قد تبقي معلوماتها المالية محجوبة عن إعلام السوق.
مشاكل إدارية
وأشار التقرير إلى وجود مشاكل إدارية عديدة لدى الشركات العربية العائلية الطابع، وأهمها انعدام وجود منصب المدير التنفيذي لدى 57% منها. أما تلك التي يتوفر فيها هذا المنصب، فيعود منصب المدير التنفيذي إلى شخص واحد فقط في 68% من هذه الشركات.
ولفت الاستطلاع إلى مشكلة حساسة، تتعلق بقيام رئيس مجلس الإدارة بمهام المدير العام في الوقت عينه، دون مراعاة الفصل الواجب بين المهام الإدارية والاستراتيجية لرئيس مجلس الإدارة، والمهام التنفيذية للمدير العام.
أما فيما يتعلق بهوية أعضاء مجلس الإدارة في الشركات العربية، فقد أكد التقرير أن السواد الأعظم من مجالس الإدارة مكون من أفراد العائلة، على أن النسبة تنخفض بشدة في القطاع المصرفي، الذي يبقى أكثر انفتاحاً على المساهمين الخارجيين.
وأجرى المستطلعون تحقيقاً ميدانياً، لدراسة مدى أهلية أعضاء المجالس الإدارية في هذه الشركات لتولي مناصبهم، فجاء الرد بنسبة 50 في المائة، على أن الوضع العائلي يقدم على أي معطى آخر. أما سائر الإجابات، فقد توزعت مناصفة بين من رأى أنه من الواجب على بعض أفراد العائلة على الأقل أن يتمتع بخصائص ومؤهلات علمية، وبين من رأى وجوب توفرها بشكل كامل.
ضمان الشفافية
أما بالنسبة لطبيعة تعامل تلك الشركات مع المساهمين، لناحية ضمان الشفافية والمحاسبة، وطرح الحسابات المالية للشركة بوضوح أمام حَمَلة الأسهم، فقد أكد التقرير أن ما بين 73 إلى 75% من هذه الشركات، تقدم بيانات حسابات سنوية، مدقق بها وفقاً للقانون. لكن ومن جهة أخرى، فإن هذه الأرقام، غالباً ما تكشف عمليات مالية سابقة ومنقضية ويعيبها قلة التحديث الدوري لها لضمان الشفافية، مما يجعلها في معظم الأوقات قديمة وغير كافية.
وجاء في التقرير، أن 33% من الشركات تقوم بمناقشة بياناتها السنوية بشكل شفاف مع المساهمين في جمعيات عامة، بينما تتجاوز النسبة الباقية منها هذا الواجب. ودعا معدو التقرير وسائر المتحدثين أثناء الندوة، إلى زيادة الدورات التدريبية الخاصة بالمديرين، وإعداد طبقة جاهزة علمياً وتقنياً، لمجاراة التطورات العلمية في الأسواق المالية، محذرين من مخاطر وتحديات تهدد استقرار أسواق المال والنقد والبورصات في المنطقة، في حال استمر الوضع على ما هو عليه.
وكان مدير معهد حوكمة الشركات، الدكتور ناصر السعيدي قال لموقع «سي أن أن» بالعربية، أن التقرير لن يصدر بشكل رسمي قبل شهر يناير 2007، وان النتائج الحالية رغم دقتها تبقى أولية. وأكد الدكتور السعيدي أن التقرير أخذ بعين الاعتبار اختلاف المعطيات الاقتصادية والتاريخية والقانونية بين بلد عربي وآخر أثناء إعداد الدراسة، لناحية أسبقية هذه الدولة أو تلك في تحرير اقتصادها وخصخصة شركاتها وتمتين دور القطاع الخاص فيها. وقد اقتصر البحث على الشركات المسجلة في السجلات التجارية.
دبي ـ ضياء عبد العال
