أكد التقرير الاقتصادي والاجتماعي لإمارة أبوظبي عن عام 2008 أن التوقعات بقوة الطلب العالمي على النفط على المدى الطويل وتناقص الإمدادات، دفع الإمارة إلى رصد استثمارات تصل إلى 20 مليار دولار من أجل زيادة السعة الإنتاجية النفطية إلى 5,3 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2010 من مستوى 7,2 مليون برميل يومياً في الوقت الراهن.
وتوقع التقرير الذي أصدرته أمس دائرة التخطيط والإحصاء أن يتضاعف الناتج الإجمالي للإمارة بحلول نهاية العقد الحالي بنسبة 30% ليصل إلى نحو 130 مليار دولار(478 مليار درهم) مع ارتفاع وتيرة تنويع القاعدة الاقتصادية والابتعاد تدريجيا عن الاعتماد الكبير على عائدات النفط، بينما يتوقع أن ينمو متوسط نصيب الفرد من هذا الناتج بالنسبة نفسها لتحافظ إمارة أبوظبي على صدارتها لجميع دول العالم في هذا المجال لسنوات عديدة مقبلة.
واظهر التقرير أن الالتزام السياسي القوي بالنجاح والنهوض الاقتصادي في جميع المحاور والاتجاهات، والسياسات الاقتصادية الرشيدة، وبفضل بيئة الأعمال والفوائض المالية والبنية التحتية المتطورة والاستقرار السياسي والأمني، أصبح الاقتصاد المحلي لإمارة أبوظبي واحدا من الاقتصادات التي بدأت تأخذ موقعاً متميزاً وحيّزاً متزايداً في المنطقة.
خاصة في ظل التحولات الاستراتيجية والإصلاحات الكبيرة التي حظي بها هذا الاقتصاد خلال الفترة الماضية، بدءاً من إعادة هيكلة الحكومة المحلية وتقليص دورها في الاقتصاد، إلى السياسات الاقتصادية الرامية إلى تنويع مصادر الدخل، وهي تتطلع نحو المستقبل بقوة، ومن خلال توجهات استراتيجية كبرى لتحقيق تحوّل جذري في بنية الاقتصاد المحلي.
وأوضح أن اقتصاد أبوظبي شهد خلال السنوات الخمس الماضية تطورا وانتعاشا، هو الأقوى في زخمه والأوسع في قاعدته وتنوعه والأعمق في أثره وديمومته، وذلك نتيجة لارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، الذي انعكس إيجابا على مختلف القطاعات الاقتصادية التي نمت خلال الفترة الماضية بمتوسط سنوي تجاوز 18%. كما تشهد هذه الفترة طرح العديد من مشروعات التنمية العملاقة في جميع القطاعات، ما أسهم في خلق بيئة اقتصادية منافسة ومميزة لإمارة أبوظبي.
وعليه فإن اقتصاد أبوظبي بدأ يتحرك بقوة تجاه توسيع قاعدة الإنتاج المحلي ومصادر الدخل وتنويعهما، على أساس متوازن للوصول إلى اقتصاد قوي قادر على الاستمرار بجهوده الذاتية، بعيداً عن تأثيرات عوائد النفط المتقلبة أو تقلبات أسواق الأسهم أو العقارات.
وينتظر أن يحقق هذا الاقتصاد نمواً مطرداً خلال السنوات المقبلة، خاصة بعد المبادرات الجريئة التي تبّنتها إمارة أبوظبي في مجالات إعادة هيكلة القطاع الحكومي، والخطوات الكبرى باتجاه إعطاء دور أكبر للقطاع الخاص، التي تشكل في مجملها انطلاقة قوية نحو المزيد من الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والتشريعية الحقيقية، وفقاً لمعطيات كل مرحلة.
وعززت الإصلاحات الهيكلية التي يجري تنفيذها منذ ثلاثة أعوام من التوسع المطرد في القطاعات غير النفطية. وهناك إجماع بين المحللين على أن أبوظبي من المتوقع لها أن تسجل نمواً مطرداً يفوق النمو الحالي خلال عام 2008 والسنوات المقبلة، مستندين في ذلك إلى حجم المشروعات الضخمة التي تنفذها الإمارة حاليا، ومشروعات الهيكلة الحكومية التي بدأت تؤتي ثمارها.
وأكد التقرير إن النفط لا يزال هو المحرك الرئيس لقطار النمو الاقتصادي السريع، ليس في أبوظبي وحدها بل في كل دولة الإمارات، حيث تشكل عائدات النفط والغاز ومشتقاتهما نحو 35% من الناتج المحلي الإجمالي، و80% من العائدات الحكومية، و90% من إجمالي الصادرات، بينما تتجه أبوظبي بقوة نحو تطوير قطاعات بديلة للنفط من أجل تحفيز النمو، وهو الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى توسيع القاعدة الاقتصادية مما سيسفر عن نتائج أكثر ديمومة واستقراراً.
وبعد أن سجل اقتصاد أبوظبي نمواً قوياً، خلال الأعوام الخمسة الماضية، ولاسيما في القطاعات غير النفطية، مدعوماً بالارتفاع الكبير لعائدات النفط، وثقة المستثمر القوية في الاقتصاد المحلي، يتوقع أن تحافظ الإمارة على هذا الأداء الاقتصادي القوي خلال عام 2008.
في ظل الوضع المالي المريح المعزز بأسعار النفط التي يتوقع أن تحافظ على مستوياتها الراهنة، وبيئة الأعمال المتطورة المدعومة ببنية تحتية قوية، والنتائج الطيبة على مستوى إدارة الاقتصاد الكلي التي أدت إلى التأسيس لتطور اقتصادي واجتماعي متين خلال السنوات المقبلة.
وبدا واضحا من خلال الأحداث السياسية والاقتصادية المتلاحقة التي شهدتها إمارة أبوظبي خلال الفترة الماضية، أن برامج الإصلاح الاقتصادي أصبحت ترتقي إلى قمة الأولويات في الخطط التي تتبّناها الإمارة، حيث انتهجت الإمارة في مسارها الاقتصادي سياسة أكثر انفتاحاً تعتمد على نظام السوق وقواعد الاقتصاد الحر التي تعطي دورا كبيرا للقطاع الخاص للمساهمة في بناء الاقتصاد المحلي من خلال ممارسته الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية منها والخدمية بحرية تامة ودون عوائق، متمتعا بحرية انتقال رأس المال والسلع والخدمات وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وبدا واضحاً أيضاً أن الزخم التنموي الكبير الذي تشهده إمارة أبوظبي حاليا في أكثر من اتجاه، وبوتيرة متصاعدة، ما هو إلا بداية لطفرة كبرى ينتظر أن تشهدها الإمارة، حيث تحدد أجندة السياسة العامة (2007- 2008)، أولويات واضحة وخططا مستقبلية شاملة للدوائر والهيئات المحلية.
بما ينسجم مع الرؤية المستقبلية للإمارة، التي ترتكز بصفة عامة على إقامة مجتمع آمن واقتصاد منتج ونشاط مؤسس على دعائم أساسية، أهمها خدمات تعليمية وصحية عالية الجودة، وبنية تحتية متطورة، وقطاع خاص فاعل ومؤثر، وإقامة اقتصاد مرتكز على المعرفة المستدامة، وبيئة تشريعية تتسم بالكفاءة والشفافية، والاستقرار الأمني، والمحافظة على العلاقات المتميزة مع بقية دول العالم على مختلف الأصعدة، وتطوير الموارد في الإمارة، والمحافظة على قيمها وثقافتها وتراثها، إضافة إلى مواصلة الإسهام في توثيق عرى الاتحاد بين إمارات الدولة.
إن أجندة السياسة العامة تضع ضمن أولوياتها تنويع القاعدة الاقتصادية على مستويات متقدمة من الجودة والكفاءة وإتاحة دور أكبر للقطاع الخاص، إلا أنها لم تغفل موضوع الطاقة، حيث ترسم الأجندة رؤية طموحة لرفع الطاقة الإنتاجية من النفط والغاز وموارد الطاقة البديلة، بما يعزز من مكانة أبوظبي كلاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمي.
كما تسعى الإمارة، خلال المرحلة المقبلة، إلى الاستفادة من الأداء المتميز لقطاع الهيدروكربونات، من أجل توفير دعم أكبر لجهود التنويع الاقتصادي على مستوى قطاع الطاقة نفسه، وذلك من خلال رفع القدرات الإنتاجية ضمن عمليات التكرير والنقل والتسويق والتوزيع والتوسع في نسبة الصادرات ذات القيمة المضافة العالية، وعلى مستوى اقتصاد أبوظبي من خلال الدخول في صناعات جديدة بالاستناد إلى الأداء المستمر والقوي لقطاع الهيدروكربونات.
أبوظبي ـ ناصر عارف
